ونحن نحتفل اليوم بالذكرى السنوية السادسة عشر لرحيل الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي رحمه الله وتزامنا مع الانتصارات، لا بد لنا من أن نستحضر ارثه الثقافي والإنساني لنستلهم منه الدروس في ظل ظروف أمنية واقتصادية وإنسانية معقدة يعيشها بلدنا الحبيب، ولا بد أن نستفيد من المنهج الأخلاقي الذي استلهمه من سيرة النبي ص وأهل بيته (عليه السلام) في التعامل الإنساني.

فقد كان الإمام محمد الشيرازي (رضوان الله عليه) أحد أهم العلماء المصلحين والمجددين في عصرنا الحديث، وكان (رحمه الله) رجل العلم والعمل، ورجل الاجتهاد والجهاد، دافع عن الإسلام بفكره وقلبه، وعرّف به بلسانه وقلمه وأخلاقه، وعمل بكل الوسائل على كشف حقائق الإسلام ومضامينه للناس. وهو أحد هؤلاء الكبار الذين أثروا هذه التجربة "تجربة الحقوق والحريات" بعطاء فكري وثقافي متميز. فلقد صاغ منظومة فكرية حقوقية متكاملة منطلقا من فهمه للإسلام كمشروع حياة، له قدرة الإجابة على أسئلة الواقع كلها، ومنها ما يجب أن يكون للإنسان كحق له، وما يجب أن يقوم به كواجب عليه.

ففي نظره، يرى الإنسان كائن مستحق للتكريم الإلهي، منذ الخلق الأول، وكائن له قيمة في الحياة بما يقوم به من دور إنساني واجتماعي بنّاء يساهم في البناء الحضاري، ويحقق السمو للنوع البشري، وإذا تخلف هذا الإنسان عن أداء دوره المنوط به فإنّه يفرط بذلك التكريم وينحدر إلى مرتبة دنيا، كما دل قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ*ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ *إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). ليس هذا وحسب، بل ما يفرط به الإنسان، لا يفرط به الله تعالى، ولا قانونه الإلهي، ولا المنهج الإسلامي في الحياة، بل تبقى للإنسان كرامته الإلهية التي تفرض معاملته كإنسان بغض النظر عن انتماءاته الأخرى؛ لان الأصل في الإنسان هي الكرامة ودونها الاستثناء.

يقول الامام الشيرازي في كتابه احترام الإنسان في الإسلام: فإن من أهم الأمور التي أكد عليها الإسلام تأكيداً بالغاً، هو احترام الإنسان بما هو إنسان، مع قطع النظر عن لونه ولغته وقوميته ودينه ورأيه، فالإسلام يؤكد على احترام كل الناس حتى إذا كانوا كفاراً غير مسلمين؛ لأن الإنسان بما هو إنسان محترم؛ وأن احترام الإنسان متدرج يبدأ من احترام الإنسان لذاته، وفي دائرة أوسع احترام الإنسان في داخل الأسرة باعتبارها الدائرة الأقرب للإنسان فإن حسن التعامل والاحترام في هذه الدائرة مهم جداً بالنسبة للإنسان وللأسرة التي ينتمي إليها.

ويؤكد أيضاً على إن هناك خزائن من النصوص المقدسة التي يجب تفعيلها في تنمية الإنسان وتربية المجتمع في مجال احترام الإنسان والمحافظة على حقوقه المشروعة فيقول: "لقد حفظ لنا التأريخ أحداث ووقائع ومواقف مشرفة تحكي الأسلوب الإسلامي الحقيقي في مراعاة حقوق الإنسان كائنا من كان، مسلماً كان أو منافقاً، مشركاً كان ذلك الإنسان أو كافراً، وقد تجسد ذلك بأعظم صورة من خلال الحياة الشريفة وأسلوب المعاشرة التي كان يتبعها الرسول الأعظم (صل الله عليه واله وسلم) وأمير المؤمنين(ع) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) مع كل الناس".

رسخ الامام الراحل في نظريته الحقوقية مفهوم (أصالة السلام) في الإسلام، وأن الحرب حالة استثنائية طارئة تحتمها الظروف والمتغيرات الواقعة والتبدلات السياسية ضمن اطر تقتضيها المصلحة والحاجة الملحة التي لا فكاك ولا مهرب منها. وإلا فالسلم حكم أولي واصل ثابت في الإسلام، إذ يقول تعالى (يا أيها الذين امنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان) وقوله (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) ويقول الأمام الراحل إن (الأمن والأمان وسيادة الاستقرار الاجتماعي سلسبيل الحياة ومادة الاستقرار والتكامل والنمو، وإن سيادة السلام ضرورة ملحة لتكريس حضارة متنامية تتصاعد مع مرور الزمن...

ومن أهم آراءه في ترسيخ السلام قوله، "أما الحرب، فإنها مجمع الرذائل ومكمن الدمار وإذا أقبلت شبهت حيث يتيه الحق بالباطل وتهدر القيم وتنسال المفاهيم في لهوات التشابك فتلتبس المعاني وتختلط كل القيم والسبيل الوحيد هو إقصاء الحرب عن الحياة لتعود للقيم جذوتها وتبقى للحياة معناها وأصالتها".

ليس هذا فحسب، بل ربط الإمام الراحل في السياق ذاته بين شروط قيام الدولة الإسلامية ومبدأ اللاعنف كذلك، فيقول "لا يمكن أن تقوم الدولة الإسلامية دون انتهاج مبدأ اللاعنف، ويحث المجتمعات الإسلامية على ذلك، ابتداء من تعامل الرجل مع المرأة، وتعامل الرجل تجاه الرجل، والأم والأب تجاه الأولاد، والعكس صحيح، فيما يتدرج في نظريته لتشمل المؤسسة، والسلطة، والدولة تجاه الدولة الأخرى".

ولم يغفل (رحمه الله) الإشارة إلى فشل بعض المنظمات والأحزاب والحركات الإسلامية في إنجاح مشاريعها في الوقت الحاضر، معللا ذلك انتهاجها العنف في التعامل مع الآخرين. حيث يقول (إن استخدام الأحزاب والحركات الإسلامية العنف كنهج جعلهم لا يختلفون عن بقية الأحزاب والحركات السياسية غير الإسلامية، وهو السبب في عزوف الجماهير عن تأييدهم في مشروع بناء الدولة الإسلامية).

واعتبر الأمام الشيرازي أن الحرية هي من صميم الدين، ولا يمكن أن تستقيم الحياة الإسلامية بدون الحرية، ونبذ الاستبداد السياسي والاستئثار بالرأي والقرار، فالإسلام هو دين الحرية والشورى، ولم يقم هذا الدين على اضطهاد مخالفيه أو مصادرة حقوقهم أو تحويلهم بالكره عن عقائدهم أو المساس الجائر بأموالهم وأعراضهم ودمائهم، وإنما قام على الحرية والشورى والتسامح والمياسرة واللطف وفضائل الأخلاق.

ومن هنا، يرى المجدد الشيرازي أن الحرية أساس التقدم، إذ لا يمكن أن يتقدم المجتمع بدون حرية، فالحرية من الشرائط الضرورية للتقدم والبناء الحضاري، وهذه الحرية لا تعني الفوضى والتعدي على حقوق الآخرين، وإنما لهذه الحرية حدود وشروط، وهي: ألا توجب ضرراَ على الغير (فردا أو مجتمعا). وألا تكون كذبا أو تجاوزا على الغير. وألا تكون نقداَ للأخلاق العامة أو قيم الدين، أو تحريضا للمواطنين على ارتكاب الأعمال المخالفة للأخلاق الإسلامية. والجهة التي تحكم بأن العمل الفلاني ينسجم ومبادئ الحرية أولا، هي السلطة القضائية، بما تتمتع به من استقلال ونزاهة.

لقد أكد على حب الوطن والتفاني من أجله والدفاع عن حياضه، كيف لا وهو سليل تلك العائلة التي أفتت بمحاربة الانكليز ووجوب طرد المستعمر من ارض العراق بل ومن جميع البلدان الاسلامية.

كما أكد رحمه الله على روح المواطنة والتي يجب ترتكز من وجهة نظرنا على الأمور التالية:

1- تقرير الحقوق والحريات في إطار القانون.

2- الإلتزام بالواجبات.

3- الحفاظ على الهوية الوطنية المشتركة، لأننا نعيش في إقليم واحد ويجمعنا وطن واحد ويربط بيننا تاريخ وتراث مشترك والدم والمصاهرة، وكلها ترتب حقوقا مشتركة.

4- المواطنة تقتضي المساواة بين جميع المواطنين من غير تمييز في اللون أو الجهة أو اللغة أو الدين أو العرق أو الثقافة.

5- المواطنة تستلزم المشاركة في جميع مناحي الحياة المدنية والسياسية.

6- المواطنة تقتضي المساواة أمام العدالة وفي تولي الوظائف العامة وحرية التعبير والرأي والتفكير والإعتقاد والتنقل والتجمع وكل ذلك في إطار القانون.

7- المواطنة تقتضي حقوقا اجتماعية كالحق في العمل والحق في التربية والضمان الإجتماعي والزواج والأمن والحياة....وغيرها.

8- احترام الذات واحترام الكرامة الإنسانية، واحترام الحياة.

9- الاعتراف بالتعددية.

* الكلمة التي قدمها مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات الى المهرجان الثقافي الذي اقامته مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام تحت شعار (من وحي الانتصار نبني دولة المواطنة) بمناسبة الذكرى السادسة عشر لرحيل الامام السيد محمد الشيرازي، وبالتزامن مع اجواء احتفالات شعبنا العراقي بالإنتصار على قوى الظلام الإرهابية

.....................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2017

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
[email protected]

اضف تعليق