هل هي الصدفة وحدها تلك التي شاءت أن يقتل ذلك الصحابي الجليل والبطل الفاتح في الأرض التي أدخل إليها الإسلام وكان أول مسلم تطؤها أقدامه، أم أن هناك أيادٍ كانت لها مآرب في قتله بتلك الأرض؟

هل بلغ حقد معاوية على الإسلام وأهله أن يختار الأرض التي فتحها حجر بن عدي وهي (مرج عذراء) وأدخل إليها الإسلام ليكون فيها مقتله انتقاماً منه لأشياخ الكفر من بني أمية الذين قتلوا في بدر وأحد؟

إن ذلك ليس ببعيد على من تربى في حجر آكلة الأكباد وحجر ألد أعداء الإسلام والرسول والذي لم يزل يكيد للإسلام حتى آخر حياته وقد حمل ابنهما معاوية لواء الكفر والضلال بعدهما والذي حمله أبوه وقاد الفئة الباغية وإن لبست لباس الإسلام هذه المرة قادها لحرب الإسلام والرسول مجددا والمتمثل بالقرآن الناطق ونفس الرسول والإسلام المتجسد في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) وحاول كما حاول أبوه وأمه أن يطمسوا معالم الدين ويحرفوا مفاهيمه العظيمة (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).

يبرز لنا وجه حجر بن عدي في صفحات التاريخ وجها مشرقا وضّاءا في كل أدوار حياته المليئة بالتضحية والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق وإدحاض كلمة الباطل كان مثال الرجل المسلم المجاهد الورع التقي والذي زين أسطر التاريخ بصفاته ومزاياه قال عنه ابن عبد البر في (الإستيعاب ج1ص 357): (كان من فضلاء الصحابة شجاعا من المقدمين) وقال عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء ج3ص463): (كان شريفاً أميراً مطاعاً أماراً بالمعروف مقدماً على الإنكار) وقال عنه ابن كثير في (البداية والنهاية): (من عباد الناس وزهادهم كثير الصلاة والصيام) وهناك الكثير من أقوال المؤرخين في صفات حجر الخلاصة منها أنه كان من أبطال الإسلام المعدودين ومن رجاله الأفذاذ علما وورعا ومن شخصياته البارزة

جاء في نسبه كما في المصادر حجر بن عدي بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن ثور ـ وهو كندة الذي تنسب إليه قبيلة كندة ـ بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان لقب بـ (حجر الخير) وكنيته (أبو عبد الرحمن) وفد على النبي (ص) في بداية بعثته الشريفة مع أخيه هانئ فأسلما على يديه وكان له بلاء عظيم في الدعوة إلى الإسلام ونشره في أصقاع المعمورة وقد قاد جيش المسلمين لفتح (مرج عذراء) في بلاد الشام والتي ختم فيها سجل حياته البطولية بعد ذلك فكان أول من وحد الله عز وجل فيها حين افتتحها ودخلها مكبّرا حيث يقول: (إني لأول فارس من المسلمين سلك في واديها وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها) وكان لحجر دخول ثان لهذه الأرض التي كان له الفضل في دخولها إلى الإسلام لكن على غير هيئة دخوله في المرة الأولى حيث دخلها مصفدا في الأغلال يقول في صفة دخوله الثاني: (الحمد لله أما والله إني لأول مسلم نبحته كلابها في سبيل الله ثم أتي بي اليوم إليها مصفودا)

(كان لحجر ثلاثة أولاد ساروا على نهج أبيهم في ولائهم الخالص لأهل البيت(ع) وختموا حياتهم بالشهادة في سبيل الله الأول (همام) بن حجر وقد قتل مع أبيه في مرج عذراء و(عبد الله وعبد الرحمن) وقد انضما إلى جيش المختار بن عبيدة الثقفي للطلب بثأر الحسين (ع) وقد قتلهما مصعب بن الزبير في الكوفة لما حاصرها وكان حجر من الذين تولوا دفن الصحابي العظيم أبي ذر الغفاري حينما نفاه عثمان إلى الربذة مع (عصابة من المؤمنين) كما وصفهم النبي (ص) في وصيته لأبي ذر فكانت هذه شهادة أخرى تضاف إلى سجل حجر المشرق.

نزل حجر الكوفة حينما تم تمصيرها سنة (17) وحينما ساءت الأوضاع في الكوفة وسائر البلاد الإسلامية في عهد عثمان نتيجة سوء سياسته وولاته كان حجر من أوائل المنتفضين على هذه السياسة الجائرة فكان ضمن وفد الكوفة من السادة والأشراف والذي انضم إليه وفدا مصر والبصرة فذهبت هذه الوفود إلى المدينة المنورة للمطالبة بالإصلاح والنظر في أمور المسلمين بعد أن عاث ولاة عثمان في الأرض فسادا وقد أناب هذه الوفود في المفاوضات مع عثمان علي بن أبي طالب (ع) أحرص رجل على السلام وأمور المسلمين لكن تلك المحاولات لم تجد إذنا صاغية من عثمان الذي سلم زمام أمور المسلمين بيد أبناء الطلقاء وأشباههم كمروان والوليد وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وغيرهم فتأزمت الأمور وأعلن المسلمون سخطهم وغضبهم مما أدى إلى مقتل عثمان.

بعد كل هذه السنين العجاف التي مرت على الأمة الإسلامية تنفست الصعداء لتمتد الأيادي إلى اليد البيضاء التي كان لها الفضل الأول في تأسيس الإسلام والدفاع عنه، اليد التي رفعتها كف النبي في غدير خم أمام جميع المسلمين وضمنت لمن والاها السير على المحجة البيضاء والصراط المستقيم (من أكن مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله) كانت يد حجر من أوائل الأيدي التي امتدت ليد علي لمبايعته لكن الأحقاد الجاهلية والقبلية التي لازالت مترسبة في نفوس أعداء الإسلام كانت تحوك المؤامرات لإثارة الفتن كان معاوية يراقب الأحداث عن كثب ويدرس الوسائل والأساليب الدنيئة التي سيمارسها لحرب أمير المؤمنين(ع).

تحركت جبهة الحقد الأولى المتمثلة بطلحة والزبير وعائشة ومن لف لفهم من الإنتهازيين والمنتفعين من عطايا عثمان كالوليد ومروان وعبد الله بن الزبير وانتهت هذه الحركة بالفشل الذريع بعد أحداث يطول شرحها ثم تحركت الجبهة الثانية من أبناء الطلقاء وأذنابهم جبهة البغي كما عبر عنها الرسول (ص) بـ (الفئة الباغية) والتي انتهت بخدعة ابن العاص بعد أن كان جيش أمير المؤمنين على (مسافة رمح من النصر) كما قال الأشتر وقد أولدت هذه الخدعة من ابن النابغة فئة القاسطين الخوارج الذين دبروا مؤامرة قتل أمير المؤمنين في المحراب.

كان حجر من طليعة المجاهدين مع أمير المؤمنين في هذه الحروب الثلاث فلما وصل أمير المؤمنين (ع) إلى ذي قار متوجها إلى البصرة لقتال الناكثين توقف لجمع صفوف جيشه فأرسل ابنه الحسن (ع) وعمار بن ياسر إلى الكوفة لاستنفار أهلها للحرب فخطب الحسن وعمار ودعوا الناس لإجابة أمير المؤمنين (ع) فكان حجر أول الملبين لدعوة أمير المؤمنين يقول الدينوري في (الأخبار الطوال ص145): (فقام حجر بن عدي الكندي ـ وكان من أفاضل أهل الكوفة ـ فقال: انفروا خفافا وثقالا رحمكم الله) وقال الطبري في تاريخه (ج4ص485): (قام حجر خطيبا فكان مما قاله: أيها الناس أجيبوا أمير المؤمنين وانفروا خفافا وثقالا مرّوا وأنا أولكم)، وقد روى الشيخ المفيد (محمد بن محمد بن النعمان) (قدس الله روحه) في كتابه (الجمل) نص خطبة حجر بن عدي في ذلك اليوم نقتطف منها هذا الجزء الذي يعبر عن مدى عقيدة حجر الصلبة وإيمانه الراسخ بالإسلام الحق المتمثل بأمير المؤمنين(ع) يقول حجر: (أيها الناس هذا الحسن بن علي بن أبي طالب وهو من عرفتم أحد أبويه النبي الأمي (ص) والآخر الإمام الرضي المأمون الوصي وهو أحد الذين ليس لهما في الإسلام شبيه سيدي شباب أهل الجنة وسيدي سادات العرب أكملهم صلاحا وأفضلهم علما وعملا وهو رسول أبيه إليكم يدعوكم إلى الحق ويدعوكم إلى النصر فالسعيد والله من ودهم ونصرهم والشقي من تخلف عنهم بنفسه عن مواساتهم فانفروا معه ـ رحمكم الله ـ خفافا وثقالا واحتسبوا في ذلك الأجر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).

وقد عقد أمير المؤمنين(ع) لحجر في الجمل وصفين راية كندة وضم إليها حضرموت وقضاعة ومهرة وولاه عليهم فشهدت له ساحات الوغى بتلك البطولة النادرة فكان لد الأشتر في الشجاعة والفروسية حيث يروي الطبري (إن عليا(ع) كان يخرج مرة الأشتر ومرة حجر بن عدي) وقد نقلت كتب الفتوح والوقائع أخبار بطولاته وأراجيزه في هاتين المعركتين منها (وقعة صفين) لنصر بن مزاحم و(الفتوح) لإبن أعثم الكوفي و(الجمل) للشيخ المفيد و(شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد ومن أراجيزه في صفين:

يا ربنا سلم لنا عليا *** سلم لنا المهذب التقيا

المؤمن المسترشد الرضيا *** واجعله هادي أمة مهديا

فإنه كان له وليا *** ثم ارتضاه بعده وصيا

وكان على ميمنة جيش أمير المؤمنين في حرب النهروان وكان مما قاله لأمير المؤمنين(ع) في ذلك اليوم عندما استشار أصحابه ومن ضمنهم حجر : (يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة وودا ونصيحة أنا أول الناس جاء بما سألت وبما طلبت) لقد كان حجر مثال المسلم المؤمن الذي نذر نفسه في سبيل الدفاع عن الإسلام وأهله.

كما كان له دور في التصدي للغارات التي كان يشنها أتباع معاوية على القرى الآمنة فيستبيحون أهلها قتلا ونهبا وقد ارتكبوا فيها من المجازر والأهوال والفظائع ما يشيب له رأس الوليد لقد كان هدف معاوية الدنيء إضعاف دولة أمير المؤمنين بهذه الغارات وبث الرعب في النفوس وهو ما جبلت عليه نفسه المنحطة غير آبه لما يرتكبه أصحابه الجبناء من قتل الضعفاء والأبرياء ومن رؤوس هؤلاء المجرمين الضحاك بن قيس الفهري وبسر بن أرطأة وسفيان بن عوف الغامدي وكان من ضمن الذين قتلوا على يد هؤلاء المجرمين عمرو بن عميس ابن أخ الصحابي عبد الله بن مسعود الذي وصفه أمير المؤمنين بالعبد الصالح.

وكان حجر قد تصدى لغارة الضحاك بن قيس الجبانة التي استهدفت الحجاج فقتلهم وسرق أمتعتهم وفيهم عمرو بن عميس فلما بلغ أمير المؤمنين ذلك صعد المنبر وقال: (يا أهل الكوفة اخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس وإلى جيوش لكم قد أصيب منها طرف أخرجوا فقاتلوا عدوكم وامنعوا حريمكم) فلبى حجر نداء أمير المؤمنين وخرج في أربعة آلاف رجل.

متعقبا أثر الضحاك حتى لقيه في تدمر فقاتله وقتل من أصحابه تسعة عشر رجلا وقتل من جماعة حجر رجلان وحجز بينهم الليل فلما أصبح حجر كان الضحاك قد هرب.

بايع حجر الحسن (ع) بعد استشهاد أمير المؤمنين(ع) وبقي ملازماً له مستمسكاً بولائه مستبصراً بهديه متيقناً بالهدى الذي هو عليه بعد أن تخاذل عن الإمام الحسن أغلب أصحابه مما اضطر إلى عقد الصلح مع معاوية بشروط نقضها كلها معاوية بل سوّلت نفسه الإجرامية دس السم لسيد شباب أهل الجنة، إن هذه الأمور ليست بعجيبة على معاوية فهو قد نشأ وتغذى على الكفر والإجرام وقد امتلأت كتب التاريخ بموبقاته وإجرامه ولكن العجيب من يطلق عليه لقب خليفة لرسول الله وخال المؤمنين وغيرها من الألقاب ويضفي عليه صفات بعيدة كل البعد عنه كالحلم وغيره ولا أدري كيف أصبح خليفة لرسول الله وقد قتل خيار أصحاب رسول الله وأهل بيته؟ ثم كيف انقلبت وضاعته وخسته ودناءته وجبنه وكفره وإجرامه إلى حلم؟ وأي حلم هذا؟ على كل حال هذا الحديث لسنا بصدده الآن ولنرجع إلى حجر.

بعد أن استولى معاوية على الخلافة أمر ولاته على البلاد بسب علي (ع) وأكد ذلك خاصة على والي الكوفة المغيرة بن شعبة بقوله كما في تاريخ الطبري: (لا تتحمّ عن شتم علي وذمه) فعمل المغيرة بوصية معاوية لمدة سبع سنين (لا يدع ذم علي والوقوع فيه) كما يقول الطبري فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال: (بل إياكم فذمم الله ولعن) ثم قام حجر في أحد الأيام وقال: (إن الله عز وجل يقول: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم)، وفي آخر أيام المغيرة صاح به حجر صيحة سمعها كل من في المسجد وخارج المسجد عندما سمعه يسب عليا ثم مات المغيرة فتولى الكوفة زياد بن أبيه الدعي الذي حذا حذو سابقه المغيرة في سب علي فزاد إصرار حجر على معارضته وجرت أحداث كثيرة بين حجر وأصحابه وبين زياد انتهت باعتقال حجر ومعه اثني عشر رجلا من أصحابه ثم كتب زياد كتاباً فيهم إلى معاوية وسيرهم إليه أما محتوى الكتاب فقد أفصح عنه زياد بقوله: (أما والله لأجهدن على قطع خيط عنق الخائن) أما أصحاب حجر الذين سيروا معه إلى معاوية فهم إضافة إلى حجر: (الأرقم بن عبد الله الكندي وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن فسيل وقبيصة بن ضبيعة العبسي وكريم بن غفيف الخثعمي وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي وكدام بن حيان وعبد الرحمن بن حسان العنزي ومحرز بن شهاب التميمي وعبد الله بن حوية السعدي ثم بعث زياد على أثرهم برجلين آخرين من أصحاب حجر وهما عتبة بن الأخنس وسعيد بن نمران فصاروا أربعة عشر رجلا).

كان مضمون الكتاب الذي أرسله زياد إلى معاوية: (إن حجرا وأصحابه خالفوا معاوية وفارقوا جماعة المسلمين ونصبوا لهم الحرب) إلى غيرها من التهم وأشهد زياد عليهم شهودا من المتزلفين كما وضع أسماء لشهود لم يشهدوا على ذلك منهم شريح بن هانئ الذي قال لمعاوية حينما سمع أن زياد وضع شهادة مزورة باسمه في الكتاب: (أما بعد فإنه بلغني أن زيادا كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي وإن شهادتي على حجر إنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حرام الدم والمال) فاستشار معاوية أصحابه فيهم فأشاروا بآراء شتى ثم استشار زياد بأمرهم فكتب إليه زياد: (إن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجراً وأصحابه إلي) كان زياد يحثه على قتلهم.

حبس حجر وأصحابه الأربعة عشر في (مرج عذراء) تلك الأرض التي دخلها حجر أميرا على جيش المسلمين وهو يرفع صوته فيها بالتكبير والتهليل هاهو مقيد فيها بالأغلال هكذا يعامل الأمويون قادة الإسلام وأصحاب الرسول الكبار، بعد أن ورد كتاب زياد لمعاوية عزم على قتلهم ولما علم بعض أصحاب معاوية بذلك استوهبوا منه ستة من أصحاب حجر وأمنوهم عنده من القتل لقرابتهم منهم وهم: (عاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي والأرقم بن عبد الله الكندي وعتبة بن الأخنس وسعيد بن نمران الهمداني) وأراد مالك بن هبيرة السكوني أن يستوهب حجراً من معاوية لكن معاوية أبى.

ودنت لحظات الشهادة لحظات الخلود الأبدي على هؤلاء الثمانية ولنستمع إليهم بل لنتأمل ونستلهم من هؤلاء الأبطال المعاني السامية والمبادئ العظيمة التي سطروها بثبات جأش وصلابة لا تلين، جاء رسول معاوية بإخلاء ستة وبقتل ثمانية ثم قال الرسول لأولئك الثمانية المحكوم عليهم بالقتل: (إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم وإن معاوية يقول إن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم غير أنه قد عفا عن ذلك فابرأوا من هذا الرجل نخل سبيلكم) فماذا قالوا له وهم يسمعون كلمة القتل تتردد على مسامعهم؟ هل وهنوا أم ارتعدوا؟ كلا لقد قالوا بأجمعهم: (إنا لسنا فاعلي ذلك).

ثم أمر بحفر قبورهم أمامهم وعرضت أكفانهم وسلت السيوف من أغمادها ولكن هل نال ذلك المنظر الرهيب من عزيمتهم وإصرارهم في الثبات على كلمة الحق مهما بلغ الثمن؟ كلا وكلا وكانت هناك محاولة أخرى ربما أراد بعض أصحاب معاوية أن يلينوا قليلا عن موقفهم الصارم بعد أن رأوا عليهم سيماء العبادة والصلاح فقالوا لهم: (لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فما قولكم في عثمان؟) فقالوا: (هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق) فقال أصحاب معاوية: (تبرأون من هذا الرجل) ـ أي علي ـ فقالوا: (بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه).

الله أكبر ما هذا الحب؟ هل تجد له مثيلا في تاريخ البشرية؟ ماذا فعلت يا ابن أبي طالب لهؤلاء القوم؟ هل وهبت لهم العطايا الجزيلة والهبات الثمينة كما فعل عثمان لأهل بيته وأقربائه؟ هل أقطعت لهم الأراضي والبساتين كما فعل معاوية لأصحابه وحاشيته؟ كلا لقد وهبتهم ماهو أثمن وأعظم من كل هذه المغريات لقد وهبت لهم معنى الحياة الحقيقي المتجسد في الكرامة علمتهم كيف يعيش الإنسان حرا كريما ويموت عزيزا أبيا علمتهم كيف تكسر أغلال عبودية الإنسان للإنسان بعبودية الإنسان لربه الواحد الأحد علمتهم أن: (الحياة في موتهم قاهرين والموت في حياتهم مقهورين) فما أعظمك يا علي وما أعظم سلطانك في النفوس

أخذ الرجال الثمانية ثمانية رجال من أصحاب معاوية لقتلهم وكان الرجل الموكل بقتل حجر اسمه هدبة بن فياض وكان أعورا فطلب حجر منه أن يصلي ركعتين فأمهله ثم قتله وجعل كل رجل يقتل صاحبه حتى قتلوا ستة وبقي اثنان وهما عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي اللذان طلبا مقابلة معاوية فلما دخلا عليه استوهب شمر بن عبد الله كريم بن عفيف الخثعمي من معاوية فوهبه له وأخلى سبيله وبقي عبد الرحمن بن حسان العنزي فقال له معاوية ما قولك في علي؟ فقال عبد الرحمن: (أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا ومن الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس) فقال معاوية: فما قولك في عثمان؟ قال: أول من فتح باب الظلم وأرتج أبواب الحق فقال معاوية: قتلت نفسك فقال عبد الرحمن بل إياك قتلت...

فبعث معاوية بعبد الرحمن إلى زياد وكتب إليه: (ن هذا العنزي شر من بعثت فعاقبه عقوبته التي هو أهلها واقتله شر قتلة) فلما وصل الى زياد حفر له قبراً ودفنه به حياً في موضع قرب الكوفة يسمى بـ (قس الناطف)، ودفن الشهداء الستة الآخرون في مرج عذراء ليصبح مجموع الشهداء سبعة من ضمنهم حجر وهو مصداق حديث أمير المؤمنين (ع): (يا أهل الكوفة سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الأخدود) ثم قرأ (ع) في تتمة هذا الخبر قوله تعالى: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) وعقب البيهقي في (دلائل النبوة) على حديث أمير المؤمنين (ع) بقوله: (علي(ع) لا يقول مثل هذا إلا بأن يكون سمعه من رسول الله (ص)) كما روى البيهقي أيضا في نفس الكتاب وابن عساكر في تاريخ دمشق وابن كثير في البداية والنهاية وغيرهم من المؤرخين حديث النبي (ص): (سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء).

وقال في حقهم الإمام الحسين(ع) في جوابه على كتاب معاوية: (ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ولا يخافون في الله لومة لائم) ونكتفي بهذه الأقوال من المعصومين(ع) في حقهم فهي تغني عن الأقوال الكثيرة التي ذكرتها المصادر والتي أعلنت استياءها واستنكارها لمقتل حجر وأصحابه.

أرى من الإجحاف بحق هؤلاء الشهداء الأبطال الذين استشهدوا مع حجر أن التاريخ أعرض عن سيرتهم المشرقة لكن سنذكر ما أسعفتنا به المصادر من نبذ قليلة عن حياتهم:

1ــ صيفي بن فسيل الشيباني: من أصحاب أمير المؤمنين (ع) المخلصين ومن أبطال الكوفة المعدودين وقد شارك معه في حروبه الثلاثة ومن مواقفه المشرفة قوله لأمير المؤمنين لما سار لحرب النهروان: (يا أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك نعادي من عاديت ونشايع من أناب إلى طاعتك فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا فإنك إن شاء الله لن يؤتي من قلة عدد ولا ضعف نية أتباع).

2ـ قبيصة بن ضبيعة العبسي: من طليعة أصحاب أمير المؤمنين وجنوده في حروبه الثلاث

3ـ كدام بن حيان العنزي: من تابعي الكوفة الأجلاء كان شريفا مقداما.

4ــ محرز بن شهاب السعدي التميمي المنقري: روى الطبري أن أمير المؤمنين(ع) لما عسكر بالنخيلة في طريقه إلى النهروان خطب في أصحابه وحثهم على القتال فقام إليه محرز بن شهاب التميمي فقال: (يا أمير المؤمنين شيعتك كقلب رجل واحد في الإجماع على نصرتك والجد في جهاد عدوك فأبشر بالنصر وسر بنا في أي الفريقين أحببت فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال).

5ــ شريك بن شداد الحضرمي: لم نعثر له على ترجمة

6ـ عبد الرحمن بن حسان العنزي: كان هو وأبوه من أصحاب أمير المؤمنين وقد استشهد أبوه حسان بن محدوج في معركة الجمل.

فهؤلاء ستة شهداء أضافة إلى حجر وقد روى علي بن أحمد المدني في (الدرجات الرفيعة ص428) عن الشهيد الأول الشيخ محمد بن مكي الجزيني العاملي المتوفى سنة (786هـ): (إن من جملة الشهداء الذين قتلهم معاوية بعذراء دمشق همام بن حجر بن عدي ونص على أنهم كلهم في ضريح واحد في جامع عذراء) وقال إن خادم ذلك الضريح أنشده هذه الأبيات في رثائهم:

جماعة بثرى عذراء قد دفنوا *** وهم صحاب لهم فضلٌ وإعظامُ

حجر قبيصة صيفي شريكهم *** ومحرز ثم همّام وكدّامُ

عليهم ألف رضوان ومكرمة *** تترى تدوم عليهم كلما داموا

وأيد هذا القول الدكتور لبيب بيضون في (موسوعة كربلاء ج1 ص360) حيث يقول: (لما قدم حجر ليقتل قال دعوني أصلي ركعتين فصلى ثم قال: إن كنت أُمرت بقتل ولدي (همام) فقدمه فقدمه فضربت عنقه فقيل له: تعجلت الثكل فقال خفت أن يرى هول السيف على عنقي فيرجع).

وقد رثى حجراً عدد من الشعراء ولكن أفجع مرثية تلك التي قالتها ابنته وهو لا يزال حيا فأي حزن كان يعصر قلب البنت التي ترى أباها وهو يسير إلى مصرعه وأي أب إنه حجر مثال الأب العطوف لقد كانت تنظر إليه من سطح بيتها وهو مصفد في الأغلال مع أصحابه وهم يسيرون إلى حتفهم، وبقيت تتابع سيرهم تحت ضوء القمر فيطرق سمعها صوت الأغلال حتى اختفوا في الظلام كانت لحظات تراجيدية مأساوية لا يمكن أن توصف تخيّلت قتله فصورته قبل أن يكون فوصفته وهو مصلوب على باب دمشق والنسور تأكل جسده ورغم أنه لم يصلب إلا أن ذلك كان عادة بني أمية وبشاعتهم في التلذذ بالتمثيل بالقتلى وفصل الرؤوس وصلب الأجساد وهي معروفة لدى أهل الكوفة وغيرهم وهي في مرثيتها تعدد بعض الأسماء من ضحايا بني أمية كعدي وشخص آخر وصفته بالشيخ ولعله عمرو بن الحمق الخزاعي الذي قتله معاوية وحُمل رأسه على الرمح فكان أول رأس يرفع في الإسلام على رمح كانت تتخيل تلك البشاعة بالقتل تجري على أبيها فتتمنى أن يموت موتاً طبيعياً ولا يعاني تلك الآلام ثم تعزي نفسها بأن كل (زعيم قوم) مصيره الموت تقول بنت حجر في مرثيتها تخاطب القمر المنير:

ترفّع أيها القمرُ المنيرُ *** تبصّر هل ترى حجراً يسيرُ

يسيرُ إلى معاوية بن حربٍ *** ليقتله كما زعم الأميرُ

ويصلبه على بابي دمشق *** وتأكلُ من محاسنهِ النسورُ

تجبّرت الجبابرُ بعد حجرٍ *** وطاب لها الخورنقُ والسديرُ

وأصبحت البلاد بها محولاً *** كأن لم يحيها مزنٌ مطيرُ

ألا يا حجر حجر بني عدي *** تلقّتكَ السلامةُ والسرورُ

أخاف عليكَ ما أردى عدياً *** وشيخاً في دمشق له زئيرُ

يرى قتل الخيار عليه حقاً *** له من شر أمته وزيرُ

ألا ياليت حجراً مات موتاً *** ولم ينحر كما نحر البعيرُ

فإن تهلك فكل زعيم قوم *** من الدنيا إلى هلك يصيرُ

فرضوان الإله عليك ميتاً *** وجنات بها نعم وحورُ

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1