يعد وصول الرحالة البرتغالي (فاسكو دي غاما) إلى (كالي كتا) سنة (1498) بداية التغلغل الأجنبي في شبه جزيرة الهند التي تضم اليوم الهند وباكستان وبنغلاديش وذلك قبل قيام الدولة المغولية وقد استولى البرتغاليون على مقاطعة (غوا) واتخذوها معقلا ومركزا لهم لإدارة أملاكهم في الشرق، وتبعهم في ذلك الفرنسيون والإنكليز وقد أسس الإنكليز (شركة الهند الشرقية) وهي شركة توسعية تضم السلطة والإدارة للولايات والأقاليم التي يتم الإستيلاء عليها من قبل الإنكليز ولما اتسع نطاق الحكم البريطاني في الهند انتقلت صلاحيات هذه الشركة إلى العرش البريطاني.

ويتبادر هنا سؤال مهم هو كيف استطاعت بريطانيا انتزاع حكم الهند من الإمبراطورية المغولية التي كانت من أقوى الإمبراطوريات في العالم بوحدتها وشدة تماسكها بحيث إن التفكير فقط في سقوطها يعد ضربا من الخيال والمستحيل؟

لقد كان الأباطرة المغول مطمئنين من ولاة البلاد التي يحكمونها في طاعتهم وولائهم لهم لما كانوا يقدمونه لهم من الهدايا والهبات والمنح إضافة إلى خلو تلك البلاد مما يستدعي زعزعتها، والأهم من ذلك خلوها من الأجنبي فكانوا غير مبالين بحالة الفراغ السياسي الذي يسود الفترات التي يغزون بها وخاصة في عهد نادر شاه الذي ضعفت في عهده الإمبراطورية المغولية وخلا كرسي الحكم إثر غزوه لدهلي فكان هذا عاملا مهما في التغلغل الأجنبي، خاصة إذا كان ذلك الأجنبي لم يأت بمحض الصدفة بل جعل نصب عينيه احتلال هذه البلاد منذ أمد بعيد وسخر كل طاقاته في سبيل ذلك ولن تقف أطماعه إلا بالإستيلاء عليها، وقد تهيأت الظروف المناسبة لذلك فإضافة إلى حالة الفراغ السياسي الذي حصل فقد وجدت شركة الهند الشرقية في اضطراب الحكم في أفغانستان وقيام حكم المهراتا في جنوب الهند وظهور مقاطعات إقليمية مستقلة في مناطق متفرقة من البلاد أرضا خصبة لزرع المكائد والدسائس والمؤامرات.

وكانت الخطوة الأولى التي خاضتها شركة الهند في تحقيق مطامعها هي إقليم البنغال فقد استعان (روبرت كلايو) أحد قادة الشركة ببعض الإنتهازيين السياسيين منهم (جكت سيت) و(راي درلاب) وغيرهم الذين عملوا على زرع حالة الإحباط في نفوس جند السلطان سراج الدين (حاكم البنغال) مما جعلهم يتخلون عنه ويخذلونه بصورة مزرية في معركة (بلاسي) عام (1757)، فاستطاع (كلايو) أن يحتل البلد وكانت هذه الخطوة ممهدة لخطوات أخرى في توغل الإنكليز في الهند وطرد منافسيهم الفرنسيين منها وإخضاع الإقليم تلو الإقليم والقضاء على الحكم المغولي.

ويعتبر القائد الإنكليزي (روبرت كلايف) المؤسس الحقيقي لحكومة إنكلترا في الهند حيث تم على يده السيطرة على عدة أقاليم شاسعة وإنهاء النفوذ الهولندي والفرنسي والبرتغالي تباعا وفي عام (1773) عين (ورن هاستنجس) أول حاكم إنكليزي على الهند وفي مطلع القرن التاسع عشر بسطت بريطانيا نفوذها على القارة الهندية بعد أن قضت على الإمارات المحلية والأقاليم وضمها إلى العرش إما بدخولها عنوة أو بإرغامها على عقد معاهدات تضعها تحت مظلة الإحتلال وكان آخر إقليم استولت عليه هو (البنجاب) سنة (1849) وبها تم استيلاؤها على القارة الهندية كلها وفي سنة (1877) تم إعلان الملكة فكتوريا إمبراطورة الهند كما أطلق لقب نائب الملك على حاكم الهند الإنكليزي وفي سنة (1911) أعلن ابن الملكة فكتوريا جورج الخامس امبراطورا على الهند.

ولكن المسلمين لم يرضخوا لهذا الإحتلال فقد قاتلوهم ببسالة نادرة وقاموا بالعديد من الثورات والحركات التحررية فقد قاتلهم الأمير (حيدر علي) عاهل إمارة (مايسور) في جنوب الهند قتالا عظيماً واستطاع أن يكبدهم خسائر جسيمة ولم يستطع الإنكليز التغلب عليه حتى بعد أن استعانوا بحلفاء أقوياء مثل نظام حيدر آباد (دكن) و(المهراتا)، وبعد موت هذا الأمير عام (1782) واصل ابنه فتح علي خان المعروف بـ (تيبو سلطان) والملقب بـ (نمر مايسور) الكفاح المسلح حيث لم تقف شجاعة وصلابة هذا الأمير على دحر جيوش الإنكليز بل استطاع أن ينتزع منهم مقاطعتي (بدنور ومنكلور) حتى أجبرهم على توقيع اتفاقية اعترفوا بموجبها بعودة المناطق التي احتلوها إلى ملكه لكنهم نكثوا هذه الإتفاقية وعقدوا بدلها حلفا ثلاثيا بينهم وبين نظام حيدر آباد والمهراتا، فتأهب الأمير تيبو لمقاتلة الإنكليز وحلفائهم وخاض معهم حروبا سجل فيها صفحات رائعة في سجل البطولة وجعل من هذه الحروب رسالة للتحرير حتى سقط شهيدا في ميدان المعركة عام (1799).

وكان نتيجة تلك المقاومة الباسلة من قبل المسلمين ضد الإحتلال الإنكليزي أن مورست ضدهم السياسات الجائرة التي وصلت إلى حد محاربتهم في أرزاقهم ودينهم ومحاولة محو هويتهم وقوميتهم ومنعهم من كل مظاهر الحياة والنظر إليهم بعين الريبة في كل شاردة وواردة فقد منعوهم من مناصب الجيش والإدارة والتعليم، ومنعوا تداول اللغة الفارسية التي كانت في وقتها لغة رسمية واستبدلوها باللغة الإنكليزية كما ضموا إلى اللغة الفارسية في الحظر اللغة العربية في المدارس والكليات فانقطعت الدراسات الإسلامية ومن ضمنها الحديث والفقه فضربوا الدين الإسلامي في الصميم جراء هذه السياسات التعسفية، كما عملوا على تنشيط البعثات التبشيرية المسيحية لمحو الإسلام وإحلال الدين المسيحي بدلا عنه وإضافة إلى هذه البعثات فقد عينوا قسسا برواتب مجزية لإداء هذه المهمة.

ولكن هذه البعثات التبشيرية لم يصبها الفشل الذريع فقط في مهمتها رغم كثرتها بل زادت من سخط المسلمين عليها وعلى المحتلين الذين سلبوا خيرات البلاد وقد اعترف الإنكليز أنفسهم بذلك، ففي رسالة سرية بعثها اللورد (منتو) أحد رؤوس شركة الهند الشرقية إلى رئيس الشركة سنة (1708) حول نشاط هذه البعثات مايؤكد هذه الحقيقة يقول منتو: (دعوني أوجه نظركم إلى أن المطبوعات الرئيسية التي أخرجتها مطابع (سيرامبور) باللغات الوطنية لم تؤد إلى التبشير بين العلماء الدينيين السائدين في هذه البلاد وإنما أدت إلى سخطهم وعدائهم وإذا كان بين المسيحيين اختلاف في الرأي حول هذا الموضوع فإنني لا أستطيع إلا أن أقول بأني أنتمي إلى الطائفة التي تؤمن بأن الله العادل لا يؤاخذ إنسانا بجريرته ...).

ونرى في هذه الرسالة إن الإنتقاد لتلك البعثات قد وجه إليها حتى من قبل بعض الإنكليز حيث يواصل منتو رسالته بقوله: (أنه في الوقت الذي لا يناهض فيه تقدم المسيحية في الهند يتحرج كل التحرج من الطريقة العقيمة التي ينهج عليها بعض المبشرين).

وزادت ضغوط البريطانيين على المسلمين وقمعهم لهم فصودرت أملاكهم وأراضيهم وبيعت بالمزاد ينقل السير وليم هنتر في كتابه (المسلمون الهنود) عن جيمس كنيلي وهو أحد الضباط الإنكليز الذين عهدت إليهم (شركة الهند الشرقية) مهمة قمع سخط المسلمين عليهم في تلك الفترة فيقول: (إن الفرد المسلم الذي كان يعتد بمؤهلاته وقابليته غدا يجد نفسه محروما من قسطه في السلطة ومن مورده من الحكومة مما كان يستأثر به حتى ذلك الحين ... إنه ليرى ذلك ويرى جميع منافع الحياة قد فاتت عليه فامتلأت نفوس المثقفين المسلمين سخطا وغيظا).

ويستطرد الكاتب في حديثه عن تلك المرحلة الصعبة التي مر بها المسلمون بسبب وطنيتهم الخالصة وإيمانهم العظيم بقضيتهم العادلة وسعيهم إلى التحرر فيقول: (قبل أن تخضع البلاد لحكمنا كان المسلمون يؤمنون بنفس العقيدة التي يؤمنون بها اليوم ويطعمون نفس الطعام ويعيشون نفس العيش وهم إلى اليوم يبدون بين آونة وأخرى نزعة حادة إلى الوطنية ومقدرة عظيمة في الحرب ولكنهم فيما دون ذلك قد نزل بهم الدمار تحت الحكم البريطاني).

لقد كانت نتيجة هذه السياسات الجائرة ضد المسلمين أن اندلعت ثورة كبرى عام (1857) حيث دارت فيها معارك ضارية بين الثوار وقوات الإحتلال كبد الثوار خلالها خسائر كبيرة رغم تفوقه بالعدة والسلاح وكادت هذه الثورة أن تقضي على الإحتلال لولا بعض الخونة الذين وجهوا طعنة للثوار في الظهر.

كانت الشرارة التي انطلقت بها الثورة على يد (المولوي أحمد الله) الذي قاد جماعة من الثوار وطاف بها في القرى والأرياف ليوزع على الأهالي (الجباتي) وهو خبز رقيق بحجم الكف حيث يتعهد الذي يتناوله بالطاعة لقادة الثورة وأوصى القرويين أن يصنعوا منها كميات ويرسلونها إلى القرى الأخرى ويأخذوا عليهم العهود بالطاعة، فانتشر أمر الثورة وعمت في كل البلاد وتأهب لها المسلمون وغير المسلمين فخرج الجند من معسكراتهم وأحرقوا مكتب التلغراف في (باركبور) وكانت تلك الشرارة الأولى للثورة، ثم جرت حادثة (الرصاص) بين الجند المحليين والضباط الإنكليز حيث أعلن الجند عصيانهم وقتلوا الضباط وكسروا السجن وأطلقوا سراح زملائهم وانضموا إلى بقية الثوار في دلهي وأعلنوا ولاءهم وطاعتهم للإمبراطور (بهادر شاه) الذي لم يرضخ للإحتلال الإنكليزي ولا لشركة الهند الشرقية وأبى أن يأخذ منها أي مال كما اتخذوا الميرزا ظهير الدين الذي يعرف بميرزا مغل قائدا لهم وكونوا لهم ضباطا ورؤساء وأعلن المولوي (محمد سعيد) الجهاد في المسجد الجامع بدلهي ودارت معارك عظيمة هزم بها الثوار قوات الإحتلال شر هزيمة فكانوا يسحقون الإمدادات تلو الإمدادات التي يجلبها الإنكليز الذين كانوا يحيكون المؤامرات والدسائس للإيقاع بين الثوار ويعملون بكل جهدهم على استمالة البعض بالرشوة للتأليب على الثورة وقد نجحوا في ذلك للأسف.

ففي شهر آب هزم الثوار قوات الإحتلال هزيمة شنيعة وكادوا أن يقضوا على الإحتلال نهائيا لولا بعض الخونة من صنائع الإنكليز الذين قاموا بنسف معمل البارود وضرب بعض المراكز الهامة للثوار فطعنوا أبناء بلدهم الثوار في الصميم ومع ذلك فقد واصل الثوار قتالهم ببسالة وشجاعة نادرة ولكن أفعال الخونة تركت أثرها، فقد حاصر القائد (نكلسون) دلهي بجيش قوامه (25) الف مقاتل ومجهز بمدفعية وأسلحة أخرى وبدأ يقصف دلهي قصفا عنيفا حتى دخلها الإنكليز على جثث الثوار فنكلوا بأهلها ودنسوا مساجدها بأقدامهم ودمروا أسواقها وتم نفي (بهادر شاه) وزوجته (زينت محل بيجوم) وابنهما وأفراد أسرته إلى بلدة (رانغون).

رغم الأثر العميق الذي تركته هذه الثورة في نفوس المسلمين إلا أنهم كانوا يتطلعون إلى الحرية ومقاومة المحتل حتى آخر رمق وقد اشتدت حركات المطالبة بالإستقلال من المسلمين وغيرهم في أواخر الحرب العالمية الأولى وأعلن غاندي دعوته الشهيرة إلى العصيان المدني، وتوالت المصادمات الدموية وجوبهت مقترحات البريطانيين في الإصلاحات الدستورية والإدارية بالرفض القاطع، وازداد الحنق على الإحتلال حتى تم للهند استقلالها عام (1947) بعد كفاح مرير وتضحيات كبيرة سجل المسلمون فيها صفحات مشرقة في تاريخ الهند.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1