طبقة أشراف العرب "الايديولوجيا الاجتماعية والسياسية"

قال ابن منظور.. الشرف: الحسب بالآباء..... والشرف والمجد لا يكونان الا بالآباء.... ويقال هو شرف قومه وكرمهم أي شريفهم وكريمهم...وكذلك قالوا: الشرف كل نشز في الارض قد أشرف على ماحوله قاد او لم يقد.... والشرف العلو والمكان العالي. وقال ابن سيده: والاشراف أعلى الانسان وقصدوا به الاذن والعين...وأشرف الشيء على الشيء أعلاه ويقال أشرفت الشيء: علوته وأشرفت عليه أطلعت عليه من فوق..وأشرفت الشيء اذا رفعت رأسك وبصرك تنظر اليه.

ولم نجد في تاريخ العرب أن كلمة (أشراف العرب) قيلت قبل الاسلام او صدره، بل نجد شيوع استعمالها او مايقربها من الفاظ، أشراف القوم، وأشراف الناس، في الكوفة حين اتخذها الامام علي ابن ابي طالب (عليه السلام) عاصمة للدولة الاسلامية. وقريب منها في الاستعمال وأقل منه في البصرة في هذا العصر، فقد روى نصر بن مزاحم في كتابه صفين (قدم على علي ابن ابي طالب بعد قدومه الكوفة الاحنف بن قيس..... وعظيم الناس في بني تميم وكان فيهم أشراف) وكان قدومهم من البصرة، لكن العبارة رسخت في استعمالها وتداولها في الكوفة مع بدء حركة الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) وقدوم عبيد الله بن زياد واليا على الكوفة بعد ان ضمها اليه يزيد بن معاوية اضافة الى البصرة التي كان واليا عليها وكان ذلك في سنة ستين للهجرة.

ونلحظ هنا أيضا بروز استعمالها لدى المؤرخين في وقائع سنة ستين للهجرة في الكوفة وقد تعبأت بالقصد السياسي في سياقات تداخلها التاريخي، ونحت هنا كلمة "الاشراف" منحى ايديولوجيا/إجتماعيا وسياسيا وتحول الى مفهوم اخذت صيغته الايديولوجية ترسخ تراتبية اجتماعية ظاهرة في المجتمع الكوفي أعادت سيادة او رئاسة الاسر التي كانت لها السيادة القبلية في الجاهلية، وبشكل جعل إدارة وسياسة هذه القبائل من قبل اشرافها ورؤسائها بما يتماهى وإدارة وسياسة الدولة الاموية، ورهنت مصالحها المادية والقبلية بسياسة هذه الدولة. فصارت القبيلة جزء من تنظيم سياسي أعم هو الدولة التي تبنت وبتخطيط مسبق هذه الطبقة من اشراف العرب، ولغرض دمج ماهويتها الاجتماعية من اجل تبرير شرعيتها القومية بوجه غياب شرعيتها الدينية التي تعزز فقدانها بعد قتل الحسين بن علي (عليهما السلام).

لذلك إتكأت الدولة على مفهوم او ايديولوجيا الشرف العربي، وهو ماعبرت عنه عبارة او مصطلح (أشراف العرب) وقد أنتجت تلك الترابية الاجتماعية واقعا من اللامساواة وغياب العدل بين العرب أنفسهم في قبائلهم، وبين العرب وغيرهم من الاعاجم "والاعاجم تطلق على كل الاقوام من غير العرب" الذين سكنوا الكوفة بعد الفتح الاسلامي، وكان يطلق عليهم الموالي والحمراء، وهم قوم اخلاط من النبط من سكان العراق القديم وقد شغفوا بالتشيع بعد قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) وشاركوا بقوة في حركة المختار بن ابي عبيدة الثقفي، ونقموا من اولئك الاشراف الذين شركوا بدم الحسين بن علي (عليهما السلام)، وقد عاب شبث بن ربعي وهو من طبقة اشراف العرب على اصحابه من فرسان المصر من اهل الكوفة هزيمتهم امام هؤلاء العبيد على حد وصفه من الحمراء، وكان يقتل من كان من هؤلاء الموالي والحمراء بعد المعركة ويطلق من كان من العرب بلا قتل، وهو تعبير عن سياسة اللامساواة التي إتبعتها تلك الطبقة من اشراف العرب.

ونجد غياب او قلة توصيفهم بالأشراف لدى المؤرخين في حقبة المختار وإمرته في الكوفة، وهذا يعود الى إدلجة هذا المفهوم وغياب دواعيه السياسية، بل نجد ان هذا اللقب حاول ان يعود مع واقعة المختار لكنه تراجع. فقد ذكر المؤرخ الطبري ان والي الكوفة من قبل ابن الزبير طلب كفلاء من الاشراف لإطلاق سراحه، فحضر جمع كبير منهم فقال له صاحبه يكفيك عشرة من هؤلاء الاشراف فما تصنع بالباقين؟ وذكر ايضا الطبري ان قادة المختار من الشيعة قالوا له ان اشراف اهل الكوفة قد اجتمعوا على قتالك مع عبد الله بن مطيع والي ابن الزبير على الكوفة، واقترحوا ان يكون رئيسهم ابراهيم بن مالك الاشتر في مواجهة اشراف العرب في الكوفة لانه رئيس وابن رجل شريف في قولهم، فأمرهم المختار بدعوته الى الاخذ بثأر الحسين بن علي (عليهم السلام) وأهل بيته.

واما أيديولوجيا السياسة التي تعبأت بها عبارة او طبقة أشراف العرب، فإنها رهنت مصالحها ومصالح قبائلها بالسلطة السياسية في دمشق وأحرزت منافعها المادية والاقتصادية من خلال ذلك الارتهان بالرؤية السياسية الاموية، فصارت عيونا للأمويين وسمعا لهم في الكوفة ومجتمعها، يترصدون الاخبار وينقلون ما يحدث فيها الى أولي الامر من ولاة الامويين. وهنا نؤشر الدلالة اللغوية في معنى الأشراف، اذ يقول ابن سيدة: الاشراف أعلى الانسان وقصدوا به العين والاذن، فهم كانوا عينا للأمويين واذنا لهم. وايضا قال اللغويون استشرفت الشيء اذا رفعت رأسك وبصرك تنظر اليه وقد كانت تلك وظيفتهم السياسية في الكوفة ووظيفتهم الادارية في قبائلهم، ولعلها هي التي أسبغت عليهم تلك العبارة أو وصف طبقتهم بالأشراف.

طبقة أشراف العرب "النشأة التاريخية"

لانجد تلك الكلمة او العبارة قد استعملت في مجتمعات ومدن المسلمين العرب، سواء في الشام او الحجاز او اليمن في تلك العصور من القرن الاول الهجري وتحديدا النصف الثاني منه، وهو تاريخ ظهورها وبروزها في الكوفة، وعليه نستنتج انها كوفية المنشأ والاصل والاستعمال السياسي والاجتماعي لها، وقد روى ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" ان الحسين بن علي قال في كلام له (وقد خاطبني أهل الكوفة وأشرافها) وهكذا نجد تداول هذا الوصف في أهل الكوفة وطبقتها من الاشراف صاحبة الرئاسة والسيادة القبلية حتى من خارجها وليس محصورا في مجتمعها، وروى ابن منظور في حديث الشعبي: قيل للاعمش لم لم تستكثر من الشعبي ؟ قال: كان يحتقرني كنت آتيه مع ابراهيم فيرحب به ويقول لي أقعد ثم (هناك) أيها العبد ثم يقول:

لاترفع العبد فوق سنته......مادام فينا بأرضنا شرف

يقول ابن منظور: أي شريف

وكان الاعمش سلمان بن مهران مولى من النبط، ونجد في قول الشعبي ونقل الاعمش شيوع هذا اللقب في الكوفة في توصيف أهل الحسب والمجد الموروث عن الاباء.

وتتكون طبقة أشراف العرب في الكوفة من أبناء او أفراد رؤساء وسادات قبائل العرب في الجاهلية، وقد امتدت رئاستهم واستمرت في قبائلهم في الاسلام لاسيما في صدره الاول، حيث كانت القبيلة تلعب دورا رئيسيا في الحدث الاسلامي السياسي والاجتماعي، ولعل ما مهد الى ظهور هذه الطبقة وتحت هذا الاسم او المصطلح العرقي–السياسي (اشراف العرب) هو طبيعة المهام الادارية والسياسية التي اناطتها بهم الدولة الاموية لاسيما في السنوات الاخيرة من حكم معاوية بن سفيان، واستمرت بقوة وبتأثير ظاهر في حكم يزيد بن معاوية وعامله على الكوفة عبيد الله بن زياد.

فقد اتبعت الدولة سياسة مساءلة رؤساء القبائل والارباع عن قبائلهم وارباعهم، وما يحدثون من امور تبدو في نظر الامويين في الشام بانها تهدد أمن ونظام الحكم، ولعلها تبعث على الثورة ضدهم. وكانوا يستخدمون سياسة الترهيب والترغيب مع اولئك الرؤساء وقد أضيف اليهم في مسؤولية الرقابة والتفتيش عرفاء الارباع، وكان اولئك يعينون من قبل ولاة الامور وعامل الكوفة ويتقاضى عطاءا (راتبا) على عرافته، وكانوا يهددون بالصلب وهدم بيوتهم والغاء العرافة وقطع العطاء اذا أخلوا بواجباتهم، لكن أشراف العرب لم تكن طريقة الولاة في تعاملهم معهم بهذا الشكل من الجفاء والغلظة، ولم يكن اولئك الاشراف يتخذون موقفا معارضا او مخالفا لما يراه عامل الكوفة، فقد عرفوا بالطاعة العمياء لحكامهم وولاتهم، كذلك لم يكن مخولا دخول هؤلاء العرفاء في طبقة اشراف العرب من الناحية الاجتماعية رغم دخولهم في نفس المهام الادارية في ادارة الارباع في وقت الحرب والسلم لكنهم على العموم من المقربين في دائرة أشراف العرب.

وبإمكاننا ان نحصر دور النشأة لطبقة أشراف العرب وبمفهوم ايديولوجي وسياسي وبروز مصطلحه هذا بشكل تاريخي مع حركة الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) في أواخر سنة ستين للهجرة وهي سنة التداول التاريخي لتسميات (الاشراف، او اشراف العرب) حيث اقترنت بهذه الطبقة ومع هذه الحركة الثورية للإمام الحسين (عليه السلام) نشاطات وممارسات ظاهرة وقوية وكان يشاركها العرفاء في ذلك النشاط المحموم إزاء ماسيحدث في الكوفة بعد قدوم الحسين بن علي (عليهما السلام).

التداول التاريخي لتسميات (الاشراف، او اشراف العرب)

نكتشف التداول التاريخي لتسمية طبقة الاشراف او أشراف العرب لدى المؤرخين وبشيوع واسع في سنة ستين للهجرة وتحديدا تاريخيا مع خروج الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) الى العراق بعد ان قطع حجه في مكة وأعتمر في البيت الحرام، فنجد ابن الاثير في كتابه (الكامل في التاريخ) يستخدم كلمة الاشراف في وصف من كتب اليهم الحسين بن علي من أهل البصرة من رؤساء قبائل العرب ووجوهها، لكنه لم يذكر ان الحسين قد استعمل هذه الكلمة في رسالته، وكذلك ذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) ان الحسين بعث كتابا الى اشراف اهل البصرة وتكشف عبارة المؤرخ الطبري في تاريخه (تاريخ الرسل والملوك) عن اضافة رؤوس الاخماس الى الاشراف من اهل البصرة في رسالة الحسين بن علي ونسخة الرسالة واحدة في رواية هؤلاء المؤرخين وظهور التسمية في الكوفة كان أبرز. فقد روى الطبري: اجتمع اشراف الناس كما يصفهم الى عبيد الله بن زياد في قصر الامارة حين حاصره مسلم بن عقيل وأهل الكوفة من أشياعه من القبائل وقبائل اهل اليمن طلبا لفك هاني بن عروة من حبسه في قصره وكان قد حبسه طلبا لمسلم بن عقيل وقال له بعض من اجتمع معه في القصر: معك في القصر ناس كثير من اشراف الناس.... وعند استعراض اسماء هؤلاء الاشراف كما في رواية الطبري نجد انهم رؤساء القبائل وساداتهم في الكوفة مثل القعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن ابجر العجلي وكثير بن شهاب بن الحصين الحارثي ومحمد بن الاشعث بن قيس.

ونجد أن رؤساء القبائل في تاريخ العرب دائما تقف الى جانب الاقوياء في السلطة وتسير في ركابها، الا رجالا ورؤساء عرب أحرار. ويذكرنا هذا برأي د. علي الوردي في ايمان قبائل العرب بالاسلام بعد الفتح، لان هذه القبائل تؤمن في جاهليتها أن الحق مع القوة فكل قوي معه الحق وهو جدير به، ويبدو أنه سلوك متجذر في الشخصية العربية القديمة.

وقد رويت لدى المؤرخين بوضوح في زمان حضور عبيد الله بن زياد في الكوفة مما يحمل دلالتها الضمنية في أدلجتها السياسية والاجتماعية، فقد نقل الطبري في رواية أبي مخنف عن عبد الله بن حازم البكري من الازد قال: أشرف علينا الاشراف فتكلم كثير بن شهاب وكان يتكلم من شرفة قصر الامارة بعد أن أمره عبيد الله بن زياد بتكليم الناس... ثم يقول وتكلم الاشراف بنحو من كلامه هذا، فلما سمع الناس مقالتهم تفرقوا عن مسلم بن عقيل.

ونجد في خطبة يزيد بن مسعود النهشلي وهو ممن وصلته رسالة الحسين بن علي الى اشراف البصرة، أن مفهوم الشرف تحول الى معيار سياسي واجتماعي–أيديولوجي فقد سأل قومه في رواية الطبري عن موضعه فيهم فقالوا: أنت والله فقرة الظهر وأس الفخر حللت في الشرف وسطا وتقدمت فيه فرطا، فقال لهم في خطبة طويلة: وهذا الحسين بن علي ابن بنت رسول الله ذو الشرف الاصيل والرأي الاثيل..

وفي قبالة هذا الشرف النسبي العربي والديني صارت الدولة الاموية تروج لمفهوم الشرف القبلي بعد أن فقدت مشروعية الدين في السلطة تجاه قضية سليل البيت النبوي الحسين بن علي ووضعت مفهوم الشرف القبلي في قبالة الشرف الديني في إمامة الحسين بن علي وقد كشفت خطبة يزيد بن مسعود النهشلي عن فحوى هذا الشرف ومضمونه.

وكان الترويج الاموي في الكوفة للشرف القبلي اسلوبا أيديولوجيا ودعائيا من أجل تعزيز المواجهة القبلية تجاه الامام الحسين بن علي بانحياز القبائل الى ساداتها وأشرافها في موقفهم السياسي وعلى الضد من الامام الحسين بن علي، ويكشف سليمان بن صرد الخزاعي عن إنحياز أشراف العرب في الكوفة الى الدولة الاموية وعاملها عبيد الله بن زياد فيقول مخاطبا الشيعة بعد هلاك يزيد بن معاوية: إن قتلة الحسين هم أشراف أهل الكوفة وفرسان العرب... وكان يحضهم على التآخي في إدراك ثأر الحسين بن علي حتى تستقيم لهم الامور وكان ذلك تحديدا في سنة واحد وستين للهجرة..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0