من أعلام الشيعة ومؤرخيهم الثقات الذين وثقوا لحوادث التأريخ الصحيح ونقلوها بكل أمانة ومصداقية في الوقت الذي لعبت فيه النزعة المذهبية والصراع الايديولوجي دورهما الكبير في تحريف التأريخ وتزييف حقائقه وإخفاء ما لا يتناسب مع أهواء المؤرخين وانتماءاتهم الطائفية.

إن (الأمانة) في نقل الحقائق في المصادر التاريخية لم تتوفر إلا في مصادر قليلة رغم أهميتها كونها تعتبر الماضي الحي للأمة والتي من خلالها يستطيع أن يميز الأدوار والمراحل والشخصيات المؤثرة في تأريخه سلبا وايجابا, لذا فمن الضروري جدا أن تتوفر في المؤرخ أو المحقق الشروط الكاملة لكتابة التأريخ وفق المفهوم العام له.

لقد كان دور السياسة أكثر ثقلا في عدم وصول الحقيقة وحبسها في زنازين الظلام, فقد شكلت السلطة عائقا للحد من تخطيها إلى الأجيال, ويلاحظ الدارس للتاريخ الإسلامي ذلك جليا فأغلب المؤرخين والمحققين وفي جميع العصور قد جعلوا التأريخ ظلاً لسياسة ذلك العصر وإن السياسة كان لها دور كبير في إسقاط وتهميش الكثير منه.

وبسبب هذه التبعية ظلت في تاريخنا العام مناطق كثيرة لم تصلها الدراسة بسبب تعارضها مع السياسة أو بعدها عنهم مما أدى إلى إهمالها من قبل المؤرخين أو إخفائها فأصابها الكثير من التعتيم والتشويه والتزوير فبقيت من دون اهتمام على مدى التاريخ في حين أُبرز ما هو أقل أهمية منها بكثير مما يتلاءم مع توجهات السلطة وأعطي ما لا يستحق من الثناء.

لقد كبّلت الرقابة السياسية التاريخ بقوانينها المجحفة وحاصرته بتأثير العوامل الرقابية, ونستطيع القول إن أفجع ما مُني به تاريخنا الإسلامي وتراثنا الفكري هو عدم توفر الأمانة الأدبية في النقل.

ولسنا في حاجة الى القول أن الأمانة في النقل هي من أهم سمات المحافظة على التراث ومن أهم الصفات التي يجب أن تتوفر في المؤرخ والمحقق فهذا من البديهيات, فالنقل (الأمين) للتاريخ وعلى كل الأصعدة السياسية والفكرية والاجتماعية والأدبية يشارك الى حد بعيد في دراسة الواقع الاجتماعي والانساني ويشخص طبيعة العلاقات وأشكال القيم التي كانت تسود تلك المجتمعات الى جانب إبراز المفاهيم والحقائق التاريخية كما هي، لذا كان على المؤرخ أن ينقل الأمانة كاملة ولا يترك شاردة أو واردة حتى ولو كان ما ينقله يتعارض مع توجهاته، فالأمانة الأدبية لا تسمح بترك أو إسقاط أو تهميش أو تزوير أية حقيقة تاريخية سواء كانت حادثة أو حديث أو خبر أو قصيدة أو نص أو ما شابه لأنها لا تتلاءم مع توجهات المؤرخ أو المحقق أو الشارح المذهبية, بل يقتضي عليه أن يقوم بتحقيقه كما هو بدون إسقاط أو ترك وأن يقوم بنقل أو شرح وتحقيق الحدث التاريخي كما هي في وجهته الحقيقية دون لبس أو تمويه كما قام به عدة محققين من مجانبة الحقيقة وتهميشها وإبعادها عن مقصدها.

إبراهيم الثقفي... سفير الحقيقة

لا أدل على ثقة هذا المؤرخ من بعده عن السلطة والبلاط فقد آلى هذا الرجل على نفسه توثيق الحقيقة وتدوينها وإيصالها إلى الأجيال ولم تأخذه من أجلها لومة لائم, وتغرب من أجل نقلها في بلاد لا تتبنى رأيه, فكان ثقة غير مداهن, وصادقاً غير موارٍ, وصريحاً غير متزمت, وقد كشف الستر عن كل أقوال وأفعال من كتب عنه ولم يغطها بظلال تخفي معالمها أو يزوّق لها مبررات وتمويهات تحرفها عن مقاصدها ولم يضع عليها مساحيق أهوائه ونزعاته, بل إنه نقل الحقيقة كما هي وكما جرت ولم يتصرف بها بزيادة أو نقصان.

مولده وأسرته

هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي الأصفهاني, وُصِف بالشيخ والمحدث والمؤرخ والمروج والمجاهد، ولد ونشأ بالكوفة ــ معقل الشيعة ــ ولم تذكر المصادر سنة ولادته غير أن هناك قرائن تدل على أنها كانت قريبة من السنة المائتين لأنه تتلمذ على يد علماء توفوا بعد العقد الأول من المائتين ببضع سنين وهذا يعني أنه كان مدركاً في هذه السن فكان من أوائل أساتذته:

1 ــ أبي نعيم الفضل بن دكين المتوفى سنة 218.

2 ــ علي بن قادم المتوفى سنة 213.

3 ــ إسماعيل بن أبان الأزدي المتوفى سنة 216.

4 ــ أحمد بن معمر بن اشكاب الأسدي المتوفى سنة 217.

5 ــ أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي المتوفى سنة 217.

6 ــ يوسف بن بهلول السعدي المتوفى سنة 218.

وهذه التواريخ لوفيات هؤلاء الأعلام تؤكد ذلك, أما وفاته فكانت سنة (283هـ) في أصفهان ودفن بها.

أما أسرته فقد ارتفعت منها قامات كبيرة سامقة في سماء المجد والبطولة والشجاعة والشرف والإيمان، فكان لهم تاريخ مشرق ومشرّف في الإسلام جسد عميق إيمانهم ورسوخ عقيدتهم بأهل البيت (عليهم السلام) ومنهم سعد بن مسعود الثقفي عم المختار والجد الأكبر لإبراهيم الثقفي وهذا ما وجدناه في صحائف التاريخ عن سيرته المشرفة:

سعد بن مسعود الثقفي

كان سعد من الصحابة الأجلاء ومن أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الأوفياء، قال ابن عبد البر في الاستيعاب: (سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد له صحبة), وقال ابن حجر في الإصابة: (سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد ذكره البخاري في الصحابة), وقال الطبراني: (له صحبة)، وذكر أبو مخنف (أن عليا ولاه بعض عمله ثم استصحبه معه إلى صفين).

وقد ولّاه أمير المؤمنين (عليه السلام) على المدائن عندما سار إلى صفين وقد أثنى عليه في أكثر من موضع ووصفه بالتقوى والإيمان وطاعة الله. فقد روى اليعقوبي في تاريخه تحت عنوان: (كتب علي (عليه السلام) إلى عماله يستحثهم بالخراج) (ج2ص176): إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له: (أمّا بعد، فإنّك قد أدّيت خراجك، وأطعت ربّك، وأرضيت إمامك، فعل المبرّ التقيّ النجيب، فغفر اللَّه ذنبك، وتقبّل سعيك، وحسّن مآبك) .

وقال له (عليه السلام) في موضع آخر كما روى ذلك البلاذري في أنساب الأشراف (ج2ص158): (أمّا بعد، فقد وفّرت على المسلمين فيئهم وأطعت ربّك، ونصحت إمامك، فعل المتنزّه العفيف، فقد حمدت أمرك، ورضيت هديك، وأببت رشدك، غفر اللَّه لك، والسلام).

وهذه الأوسمة والشهادات العظيمة من أمير المؤمنين (عليه السلام) هي خير بيان وأوضح تعريف بهذا الرجل، وقد لجأ الإمام الحسن (عليه السلام) إلى سعد بن مسعود في المدائن بعد يوم ساباط بعد أن خذله الناس وغدروا به، فلجأ إلى سعد لشدة ثقته به وولائه لأهل البيت.

ومن قامات هذه الأسرة الشريفة المختار وأبوه أبو عبيد الثقفيان وهما من أبطال الإسلام، وأما جده الأقرب سعيد بن هلال بن عاصم فهو من أصحاب الإمام الصادق الثقات كما ذكر ذلك الشيخ الصدوق في رجاله وقد توارث إبراهيم هذا الحب والولاء لأهل البيت (عليهم السلام). كما كان أخوه علي بن محمد بن سعيد الثقفي من أعلام الحديث والرواية كما ذكر ذلك أبو نعيم الأصفهاني في تاريخ أصفهان (ج2ص7).

أساتذته وطلابه

كان الثقفي في فترة تلمذته الأولى في الكوفة زيدياً ثم استبصر وانتقل إلى أصفهان ومات ودفن بها. وقد روى الحديث في الكوفة قبل وبعد استبصاره على يد كثير من أعلام العلماء في هذا المجال من الفريقين ــ الزيدية والإمامية ــ فقد أخذ إبراهيم الثقفي العلم وسمع الحديث عن:

1 - إبراهيم بن العباس البصري الأزدي.

2 - إبراهيم بن عمرو بن المبارك الأزدي.

3 - إبراهيم بن محمد بن ميمون.

4 - إبراهيم بن يحيى النوري.

5 - أحمد بن عمران بن محمد بن أبي ليلى الأنصاري.

6 - أحمد بن معمر الأسدي.

7 - إسماعيل بن أبان الأسدي الأزدي.

8 - بشير بن خيثمة المرادي.

9 - بكر بن بكار القيسي.

10 - الحسين بن هاشم.

11 - الحكم بن سليمان الكندي.

12 - عبد الله بن بلج البصري.

13 - عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي.

14 - عبد الله بن محمد بن عثمان الثقفي.

15 - عبيد (أو: عبيد الله) بن سليمان النخعي.

16 - عبيد بن الصباح.

17 - عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي.

18 - علي بن قادم الخزاعي.

19 - علي بن هلال الأحمسي.

20 - عمرو بن حماد بن طلحة القناد.

21 - عمرو بن علي بن محمد.

22 - الفضل بن دكين أبو نعيم الملائي.

23 - مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي.

24 - محمد بن إسماعيل مولى قريش.

25 - محمد بن عبد الله بن عثمان.

26 - محمد بن أبي عمرو النهدي.

27 - محمد بن هشام المرادي.

28 - مخول بن إبراهيم النهدي.

29 - يحيى بن صالح أبو زكريا الحريري.

30 - يوسف بن بهلول السعدي.

31 - يوسف بن كليب المسعودي.

32 - ابن الأصفهاني (محمد بن سعيد الكوفي الملقب بحمدان).

كما روى عن كثير من علماء الحديث في تلك الفترة, وروى عنه أجلة أعلام الحديث من تلامذته منهم:

1 - إبراهيم بن هاشم القمي.

2 - أحمد بن علوية الأصفهاني الكاتب المعروف بابن الأسود.

3 - أحمد بن محمد بن خالد البرقي.

4 - الحسن بن علي بن عبد الكريم أبو محمد الزعفراني.

5 - سعد بن عبد الله الأشعري.

6 - سلمة بن الخطاب.

7 - عباس بن السري.

8 - عبد الرحمن بن إبراهيم المستملي.

9 - علي بن إبراهيم أو أبوه.

10 - علي بن عبد الله بن كوشيد الأصفهاني.

11 - محمد بن الحسن الصفار.

12 - محمد بن زيد الرطاب. وغيرهم

عاش الثقفي في عهد كثرت الضغوط السياسية فيه على الشيعة من قبل العباسيين وخاصة في الكوفة حيث شددت السلطة من قبضتها عليهم وطاردتهم وقتلتهم ونكلت بهم وزجت بهم في غياهب السجون فلم يعبأ الثقفي لكل هذه الأساليب الوحشية وواصل تعليمه في أكبر مركز للشيعة في ذلك الوقت وهو الكوفة حيث كانت تعد الكوفة وقم المقدسة أهم مركزين ثقافيين دينيين للشيعة وقد درس الثقفي على يد كبار العلماء في ذلك العصر ومن الفريقين حتى أهلته هذه الدراسة إلى أن يكون على مقدرة وتمييز ليتبنى المذهب الحق وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد أن سمع من مشايخه آراءهم وعقائدهم فاختار لنفسه الطريق الذي سيوصله إلى الصراط المستقيم واهتدى بهدى أهل البيت (صلوات الله عليهم) وأخذ يتحدث بفضائلهم ويؤلف في سيرهم ومناقبهم وراح يسعى إلى مناظرة مخالفيهم بالدليل والحجة والبرهان على أحقيتهم ومظلوميتهم فألف كتاب (المعرفة) الذي يظهر فيه حق أمير المؤمنين في الخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ويفضح المغتصبين لها, ولما أنكره بعضهم وأمروه بإخفائه سأل عن أي البلاد أشد خلافا لمعتقدات الشيعة وأكثرها عداء لهم فقيل له: أصفهان فسافر إليها للإقامة فيها معرّضاً نفسه للخطر ومتاعب الطريق والغربة ومفارقة الأهل والأصدقاء ومؤثراً على كل ذلك نشر الحقيقة والجهر بها غير آبه لما سيؤول إليه مصيره وآثر البقاء بها حتى وفاته فيها رغم مناشدات علماء قم بالانتقال إليها.

يقول النجاشي ــ أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس ــ في ترجمة الثقفي في كتاب (الرجال) (ص12) ما نصه:

(وكان سبب خروجه ــ أي الثقفي ــ من الكوفة أنه عمل كتاب المعرفة وفيه المناقب المشهورة والمثالب، فاستعظمه الكوفيون وأشاروا عليه بأن يتركه ولا يخرجه، فقال: أي البلاد أبعد من الشيعة ؟ فقالوا: أصفهان، فحلف لا أروي هذا الكتاب إلا بها، فانتقل إليها ورواه بها ثقة منه بصحة ما رواه فيه).

علميته

ألم الثقفي بحوادث التأريخ وكانت روحه تتوق لنشر العلم والمناظرة خارج محيطه فخرج من الكوفة من أجل نقل العلم والدفاع عن الحقيقة في البلاد يقول النجاشي ــ أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس ــ في ترجمة الثقفي في كتاب (الرجال) (ص12) ما نصه:

(وكان سبب خروجه ــ أي الثقفي ــ من الكوفة أنه عمل كتاب المعرفة وفيه المناقب المشهورة والمثالب، فاستعظمه الكوفيون وأشاروا عليه بأن يتركه ولا يخرجه، فقال: أي البلاد أبعد من الشيعة ؟ فقالوا: أصفهان، فحلف لا أروي هذا الكتاب إلا بها، فانتقل إليها ورواه بها ثقة منه بصحة ما رواه فيه).

مؤلفاته

كل كتب الثقفي في غاية الأهمية لما تحمله من حوادث عن مراحل مهمة في تأريخنا الإسلامي ولكنه اشتهر بكتابه (الغارات) أو ــ المغازي ــ الذي نقل عنه كل مؤلفي الشيعة سواء عنه مباشرة أو عن طريقه وإضافة إلى المغازي فللثقفي الكثير من الكتب والمصنفات بلغ ما ذكرته المصادر (52) كتابا هي:

1 ـ كتاب السقيفة.

2 ــ كتاب الردة.

3 ــ كتاب مقتل عثمان.

4 ــ كتاب الشورى.

5 ــ كتاب بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام).

6 ــ كتاب الجمل.

7 ــ كتاب صفين.

8 ــ كتاب الحكمين.

9 ــ كتاب النهروان.

10 ــ كتاب الاستنفار الغارات.

11 ــ كتاب مقتل أمير المؤمنين (عليه السلام).

12 ــ كتاب رسائل أمير المؤمنين (عليه السلام). وأخباره وحروبه.

13 ــ كتاب قيام الحسن بن على (عليهما السلام).

14 ــ كتاب مقتل الحسين (عليه السلام).

15 ـــ كتاب التوابين وعين الوردة.

16 ـــ كتاب أخبار المختار.

17 ـــ كتاب فدك.

18 ــ كتاب الحجة في فعل المكرمين.

19 ــ كتاب السرائر.

20 ــ كتاب المودة في القربى.

21 ــ كتاب المعرفة.

22 ــ كتاب الحوض والشفاعة.

23 ــ كتاب الجامع الكبير في الفقه.

24 ــ كتاب الجامع الصغير.

25 ــ كتاب ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين (عليه السلام).

26 ــ كتاب فضل الكوفة ومن نزلها من الصحابة.

27 ــ كتاب في الإمامة كبير.

28 ــ كتاب في الإمامة صغير.

29 ــ كتاب المتعتين.

30 ــ كتاب الجنائز.

31 ــ كتاب الوصية.

32 ــ كتاب المبتدأ.

33 ــ كتاب أخبار عمر.

34 ــ كتاب أخبار عثمان.

35 ــ كتاب الدار.

36 ــ كتاب الأحداث.

37 ــ كتاب الحروراء.

38 ــ كتاب السيرة.

39 ــ كتاب أخبار يزيد.

40 ــ كتاب ابن الزبير.

41 ــ كتاب التفسير.

42 ـــ كتاب التاريخ.

43 ــ كتاب الرؤيا.

44 ــ كتاب الأشربة، الكبير, والصغير.

45 ــ كتاب زيد وأخباره.

46 ــ كتاب محمد وإبراهيم.

47 ــ كتاب من قتل من آل محمد عليهم السلام.

48 ــ كتاب الخطب المعربات.

49 ــ كتاب معرفة فضل الأفضل.

50 ــ كتاب الدلائل

51 ــ كتاب الخطب السائرة،

52 ــ الخطب المقريات.

ويلاحظ من عناوين هذه الكتب إنه لم يكن مؤرخاً فقط، بل كان فقيهاً وأديباً ونحوياً وعالماً موسوعياً إضافة إلى إلمامه الواسع بالتأريخ, بل نستطيع الجزم إن له أشعاراً أو ديواناً خطفته يد الزمن.

ولأهمية كتبه فقد أفرد العلامة المحقق أغا بزرك الطهراني في كتابه (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) لكل كتاب من هذه الكتب حقلاً خاصاً ذكر فيه مميزاته وخصائصه

الكنز الضائع

أليس من الجرم إضاعة أو تضييع هذه النفائس الثمينة والدرر القيمة من الآثار التي نقلت الحقائق عن أهم مراحل التأريخ الإسلامي وحوادثه وأخباره وشخصياته كما يلاحظ من عناوينها؟

فهذه الكتب لا يمكن أن تُعوَّض لأهميتها وللأمانة التي قد ميّزتها عن غيرها في النقل ولقرب المؤلف من عصر تلك الأحداث حيث صورها بأمانة ودقة وحيادية، ولكن شاء الله أن تحفظ له بعضها ومنها كتاب (الغارات) الذي يعد من أهم كتب الثقفي ويحفظ من كتبه ومعلوماته من خلال ما نقلته المصادر عنه وعن غيره من الكتب التي صارت مصدر اعتماد المؤرخين والباحثين والدارسين وخاصة كتبه فيما يخص حياة وسيرة أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين (صلوات الله عليهم).

وقد كان لكتابه (المعرفة) صدى واسع وكبير في الكوفة لما تضمنه من (المناقب والمثالب) وبسببه ترك الكوفة وهاجر إلى أصفهان ونشره هناك رغم الاختلاف العقائدي والقطيعة التامة بين مضمون الكتاب وعقيدة أهالي أصفهان في ذلك الوقت. ويذكر السيد ابن طاووس في كتاب كشف المحجة (إن الثقفي قد باهل بهذا الكتاب أهل أصفهان واحتج به على الأقارب والأجانب وما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله عذرا لأحد يعتذر به يوم القيامة إليه) ويقول العلامة الطهراني عن هذا الكتاب في (الذريعة إلى تصانيف الشيعة): (ج21ص243) ما نصه:

(كتاب المعرفة لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي المتوفى سنة (283هـ)، أصله كوفي وانتقل إلى أصفهان.... ثم ينقل عن السيد ابن طاووس فيقول: (وحكى السيد ابن طاووس في كتاب اليقين عن كتاب المعرفة هذا وقال: (إنه أربعة أجزاء ظاهراً أنها كتبت في حياة أبي إسحاق المؤلف.... ونقل عنه ثلاثة عشر حديثاً في تسمية علي عليه السلام بأمير المؤمنين من قبل النبي (صلى الله عليه وآله)، ومع ملاحظة تعدد طرق بعضها يصير عددها ستة عشر....)

وتدلنا وصية السيد ابن طاووس لابنه بالرجوع إلى هذا الكتاب إلى أنه من أهم كتب الثقفي وأنفسها فقد ذكر في كتاب (كشف المحجة لثمرة المهجة) (ص48): (قف يا ولدي على الكتب المتضمنة آيات الله جل جلاله... فانظر في كتاب الحجة وما في معناه من كتاب الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، وكتاب المعرفة لأبي إسحاق إبراهيم الثقفي، وكتاب الدلائل لمحمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي.....)

وقد نقل السيد ابن طاووس عن هذا الكتاب (16) حديثاً عن فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) منها هذا الحديث عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (لما قدم علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله بفتح خيبر قال له رسول الله صلى الله عليه وآله:

(لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم قولاً لا تمر بملأ إلا أخذوا من تراب رجليك ومن فضل طهورك فيستشفون به, ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنك تؤدي عني، وتقاتل على سنتي، وأنك في الآخرة غدا أقرب الناس مني، وأنك غداً على الحوض خليفتي، وأنك أول من يرد عليَّ الحوض غدا، وأنك أول من يكسى معي، وأنك أول من يدخل الجنة من أمتي، وأن شيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي، أشفع لهم ويكونون في الجنة جيراني، وأن حربك حربي، وأن سلمك سلمي، وأن سرك سري، وأن علانيتك علانيتي، وأن سريرة صدرك كسريرة صدري، وأن ولدك ولدي، وأنك منجز عدتي وأن الحق معك، وأن الحق على لسانك وفي قلبك وبين عينيك، وأن الإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وأنه لا يرد علي الحوض مبغض لك، ولا يغيب عنه محب لك غدا حتى يرد الحوض معك).

فخر علي (عليه السلام) ساجداً ثم قال:

(الحمد لله الذي منَّ علي بالإسلام، وعلمني القرآن، وحبني إلى خير البرية خاتم النبيين وسيد المرسلين، إحسانا منه إليَّ وفضلاً منه علي).

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) عند ذلك:

لولا أنت يا علي لم يعرف المؤمنون بعدي.

ويعلق الثقفي على هذا الحديث بالقول:

(وهذا الخبر بما تضمنه من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام لو قسم على الخلائق كلهم من أول الدهر إلى آخره لاكتفوا به شرفاً ومكرمةً وفخراً).

كما نقل السيد ابن طاووس عنه في كتابه اليقين فقال ما نصه: (فيما نذكره من تسمية مولانا على بأمير المؤمنين عليه السلام سمّاه به سيد المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، روينا ذلك من كتاب المعرفة تأليف أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي من الجزء الأول منه......)

الثقفي على لسان الأعلام

لقد وثقه أعلام الشيعة بنقلهم عنه دون سند قبل أن يوثقوه بألسنتهم، وقد اعتمدوا على كتبه في نقل روايات وخطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فكانت كتبه من أوثق المصادر عندهم بالإجماع وهذه بعض أقوال العلماء والأعلام الذين ترجموا للثقفي ووثقوه:

1 ــ ابن النديم ــ أبو الفرج محمد بن إسحاق في كتابه (الفهرست) (ص327) تحت عنوان (وذلك الفن يحتوي على أخبار فقهاء الشيعة وأسماء ما صنفوه من الكتب) قال ما نصه:

(الثقفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأصفهاني من الثقات العلماء المصنفين وله من الكتب كتاب أخبار الحسن بن على عليه السلام).

2 ــ الطوسي ــ أبو جعفر محمد بن الحسن ــ (شيخ الطائفة) ذكره في كتابيه الرجال (ص451), والفهرست (3ــ6) ووثقه وجاء في ترجمته في الفهرست: (انتقل أبو إسحاق إبراهيم بن محمد إلى أصفهان وأقام بها، وكان زيديا أولا ثم انتقل إلى القول بالإمامة، ويقال: إن جماعة من القميين كأحمد بن محمد بن خالد وغيره وفدوا عليه إلى أصفهان وسألوه الانتقال إلى قم فأبى).

3 ــ الميرزا حسين النوري الطبرسي في خاتمة المستدرك (ج3، ص549 - 550) قال ما نصه:

(وأما إبراهيم بن محمد الثقفي صاحب كتاب الغارات المعروف الذي اعتمد عليه الأصحاب فهو من أجلاء الرواة المؤلفين كما يظهر من ترجمته ويروي عنه الأجلاء كالصفار وسعد بن عبد الله وأحمد بن أبي عبد الله...).

4 ــ ابن المطهر الحلي ــ جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي ــ ترجم له في (خلاصة الأقوال في معرفة الرجال) ــ القسم الأول ــ (ص4).

5 ــ ابن داود الحلي ــ تقي الدين الحسن بن على بن داود الحلي ــ في رجاله في الجزء الأول من الثقات وذكر ترجمته ومؤلفاته.

6 ــ الميرزا محمد الأسترآبادي في منهج المقال (ص4) وذكر ترجمته نقلا عن الطوسي والنجاشي كما ذكر عناوين سبعة وأربعين كتاباً من كتبه. وقال (ولا يخفى أن ما ذكر أكثر من ذلك).

7 ــ الشيخ فخر الدين الطريحي ترجم له في جامع المقال (القسم الثاني ص96)

8 ــ العالم المحقق محمد تقي المجلسي في شرح مشيخة الفقيه

9 ــ الشيخ الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) (ص399)

10 ــ المحقق الكبير الوحيد البهبهاني في تعليقاته على منهج المقال (ص26).

11 ــ أبو أحمد الميرزا محمد بن عبد النبي بن عبد الصانع المحدث النيسابوري الخراساني الذي ذكر قول ابن النديم في كتاب الفهرست (إنه من الثقات العلماء المصنفين).

12 ــ السيد محمد باقر الموسوي الخوانساري الأصفهاني قال في ترجمته في روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات ما نصه:

(الشيخ المحدث المروج الصالح السديد أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي الأصفهاني صاحب كتاب الغارات الذي ينقل عنه في البحار كثيرا، أصله كوفي...

وكان الشيخ أبو إسحاق المذكور في زمن الغيبة الصغرى، وله في الحكم والآداب والتفسير والتاريخ والأحداث والخطب والأخبار وغير ذلك نحو من خمسين مؤلفاً لطيفاً فصلها الرجاليون في فهارسهم المعتبرة....

ثم إن الشيخ أحمد بن أبي عبد الله البرقي صاحب كتاب المحاسن وجماعة من أعاظم القميين وفدوا إليه بأصفهان وسألوه الانتقال إلى قم للتزود من بركات أنفاسه الشريفة فأبى، والله يعلم ما كان قصده بذلك).

13 ــ الشيخ عبد الله المامقاني قال عنه في تنقيح المقال (انتقاله إلينا من الزيدية يكشف عن أن كونه زيدياً أولاً كان عن اشتباه، ومن قوة ديانته رجع إلى الحق بمجرد الاهتداء إليه، وانتقاله إلى أصفهان لأجل نشر المناقب والمثالب يكشف عن تصلبه في التشيع والديانة، ورواح القميين إليه وطلبهم منه انتقاله إليهم يكشف عن غاية وثاقته كما لا يخفى على العارف بعادة القميين من رد رواية الرجل بما لا يوجب الفسق، وغاية مداقتهم في عدالة الراوي، ويقوي ذلك كثرة كتبه، وترضى الشيخ ــ يقصد الطوسي ــ عنه في الفهرست في الابتداء، وترحمه عليه في الانتهاء، وقال الفاضل المجلسي في الوجيزة: إن مدائحه كثيرة ووثقه ابن طاووس...).

14 ــ السيد الحسين بن رضا الحسيني قال في منظومته المسماة بنخبة المقال عند ذكره المسمين بإبراهيم ما نصه (ص7):

(سبطُ سعيدٍ ثقةٌ مستبصِرُ *** إذ كان زيدياً جليلٌ خيِّرٌ)

وذكر اسمه في الهامش

15 ــ السيد حسن الصدر ذكره في كتابيه في كتاب (الشيعة وفنون الإسلام) تحت عنوان ــ الصحيفة الرابعة فيمن يزيد على غيره في علم الأخبار والتواريخ والآثار من الشيعة على ما قاله العلماء ــ (ص108-109)، وفي (تأسيس الشيعة لفنون الإسلام) في الفصل العاشر تحت عنوان ــ علم الفقه ــ (ص 300) كما ذكره أيضا في الفصل الثاني عشر من هذا الكتاب في باب علوم القرآن (ص330) فقال ما نصه:

(ومنهم ــ أي من المصنفين في علوم القرآن ــ إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي الكوفي المصنف المكثر المتقدم..

16 ــ المحدث القمي الحاج الشيخ عباس قال في كتابيه (الكنى والألقاب), و(سفينة البحار).

17 ــ الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابيه (مصفى المقال في مصنفي علم الرجال) و(الذريعة إلى تصانيف الشيعة).

18 ــ السيد الخوئي ــ أبو القاسم الموسوي ــ في معجم رجال الحديث: (ج1ص140) حيث قال ما نصه: (ويكفي في توثيقه وقوعه في إسناد تفسير القمي، وفي طريق جعفر بن محمد بن قولويه وللصدوق إليه طريقان:

أحدهما: أبوه - رضي الله عنه - عن عبد الله بن الحسين المؤدب عن أحمد بن علي الإصفهاني عن إبراهيم بن محمد الثقفي.

وثانيهما محمد بن الحسن - رضي الله عنه - عن أحمد بن علوية عن إبراهيم بن محمد الثقفي...)

وأكثرهم للحق كارهون

ليس بغريب أن يترك مؤرِّخو السلطة والأهواء رواية الثقفي ويمتنعوا عن النقل عنه لأنه يخالف أهواءهم ونزعاتهم العصبية والمذهبية، بل تعدّى الأمر إلى رميه بالغلو!! فالغلو الذي وصفوه به ليس غير الحقيقة التي كبرت عليهم وأبوا أن يقبلوها ونعتوا صاحبها بالرفض.

فليس عجيباً أن يتبنّى الذهبي رأي ابن أبي حاتم والبخاري في كتابه ميزان الاعتدال (ج1ص62) فينقل قولهما قول المسلمات:

(إبراهيم بن محمد الثقفي.... قال ابن أبي حاتم: هو مجهول، وقال البخاري: لم يصح حديثه).

وليس عجيباً أن يصفه السمعاني في الانساب بالغلو: (قدم أصفهان وأقام بها، وكان يغلو في الرفض، وله مصنفات في التشيع، روى عن أبي نعيم الفضل بن دكين وإسماعيل ابن أبان....)

وليس عجيباً أن ينصح أبو نعيم الأصبهاني بترك حديثه كما جاء في كتابه أخبار أصبهان (ج1ص187):

(إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي أخو علي كان غاليا في الرفض، يروي عن إسماعيل بن أبان وغيره، ترك حديثه...)

كما من الطبيعي أن يقول عنه أبو زرعة: (هو مجهول).

ولكن قول ياقوت الحموي في معجم الأدباء (ج1ص294) مدعاة للسخرية فقوله في الثقفي جاء غريباً متخبطاً حيث يقول بعد أن يترجم له: (وكنية إبراهيم أبو إسحاق، وكان جباراً من مشهوري الإمامية)!!.

وواضح أن هذا الوصف ـــ جبار ــ يُطلق على الملوك والجبابرة والمتسلطين والقواد القساة وليس على مؤرخ كان كل همه هو نقل الحقيقة!!

ولا ندري كيف وفق بين هذا الوصف وشخصية الثقفي!!

إن الحقائق التي نقلها الثقفي في كتبه كان وزنها ثقيلاً عليهم وطعمها مراً في أفواههم كما قال المتنبي:

ومنْ يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ *** يجدْ مرَّاً به الماءَ الزلالا

كما ترجم للثقفي من المؤرخين:

الصفدي ــ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي ــ في (الوافي بالوفيات): (ج6ص220 - 121).

ابن حجر في لسان الميزان (ج1ص102 - 103).

خير الدين الزركلي في الأعلام

عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين (ج1ص95): الذي قال ما نصه: محدث، مؤرخ، فقيه. له مصنفات كثيرة

الشيخ محمود حسن التونكي في معجم المصنفين: (ج4 ص401 - 404) حيث قال ما نصه: (الشيخ كبير الشيعة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي الكوفي الأصفهاني الشيعي كان من كبراء الشيعة وفضلائهم، ولد بالكوفة وتشيع وغلا فيه وصار أحد المشاركين في علومهم ثم ارتحل من بلدة الكوفة وقدم أصفهان وتدير بها، أخرجه ابن النديم البغدادي في فهرست العلماء في أخبار الشيعة منه...)

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0