سيد الشعراء


انبجستْ هذه العينُ الصافية في صحراءٍ قاحلة تشوبُها الزوابعَ والأعاصير، ولكنها بقيتْ متدفِّقة بالماءِ الزُلالِ الذي يفيضُ على الظامئ بمعطياتِ هذا الحب، فعندما تكونُ الفطرةُ سليمة وطاهرة ونقيَّة فإن الله (سبحانه وتعالى) يقيّض لها من يحتضنُها وينتزعُها من غياهبِ الأضاليلِ ودياجي الظلام.

وهكذا هُيَّأ الله لهذا الشاعر أن يلتقي بالروحِ النبويَّة التي أنقذته من التيهِ وأرشدته إلى واحةِ الولاءِ فرشفَ من عقيدتها واهتدى بنورِها وتصلَّبَ عودُه بحبِّها وترسَّختْ جذورُه على الإنتماءِ إليها فأصبحَ منها وإن جاء من أرضٍ غير أرضِها، فنال أعظمَ لقبٍ من الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حين أطلق عليه (سيد الشعراء).

إنه شاعرٌ ليسَ كالشعراء، وإن كان سيَّدُهم، فلم يتّبعه شيطانٌ يغويه، وما هامَ في وادٍ، ولم يقلْ مالمْ يفعلْ، فكانَ من المُستثنين...

نبعَ الحبُّ في قلبهِ وهو صغير، فتبلورَ على شفتيهِ وهو كبير.. عشقاً جاهرَ به حتى آخر رمقٍ في حياتهِ، ليس لغادةٍ حسناء هامَ بها، ولا لأطلالٍ له فيها ذكريات تولّعَ بها، ولا لممدوحٍ يتزلّف له مقابل الأموال والهِبات، ولا لأمجادٍ قبَليَّةٍ ضائعةٍ في تيهِ الصحراء, ولا لتفاخُرٍ بالغزوِ والسلبِ والنهبِ والتبجُّحِ بالأنسابِ كعادة الشعراء...، بل وِلد وفي قلبه حُبّ علي وأولاده (عليهم السلام)... فترعرعَ هذا الحبُّ بين أضلاعهِ، فلما شبَّ شبَّ معه، ولهجَ به لسانُه، ونذرَ له نفسَه، وتسرَّبَ إلى جميعِ جوارحه.

كان أبواه من النواصبِ المتشدِّدين ببغضهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وكانا على مذهبِ الأباضية، وهي فرقة من فِرَقِ الخوارج التي تُكفّرُ علياً، إلّا أن حبَّه لأمير المؤمنين كان أكبر من كل عاطفةٍ أو صلةٍ مهما كانت لصيقة به، فكان على استعداد للتضحية بكل شيء في سبيل هذا الحب...،

كان يرتعدُ عندما يسمعُ والديه وهما يسبَّانِ أمير المؤمنين وولده آناءَ الليل وأطرافَ النهار، وكثيراً مايحبسُ دموعَه عندما يسمعهما وهما يسبَّانه ويلعنانهِ بعد صلاةِ الصبح، فينتظرُ طلوعَ الشمسِ ليخرجَ عنهما إلى قارعة الطريق... يطوفُ في الطرِقِ والأزقّة لا يلوي على شيء فكلُّ همِّه هو الإبتعاد عن هذا البيت اللعين.

ويظل يتنقّلُ من طريقٍ إلى طريق حتى تتهالكُ قواه فيلجأ إلى المسجد ليريحَ قدميه، وما إن يشعر بأن التعبَ قد تلاشى تدريجياً عنه حتى تبدأ لسعاتُ الجوعِ تنهشُ بطنَه فيعود إلى البيت ليتناولَ ما يسدُّ به رمقه ثم يعود إلى طوافهِ اليومي حتى لا يسمع من أبويه سبُّ علي، وفي الليل يرجع وقد أنهكه التعب ليغطّ في نومٍ عميق.

لم تمنع هذه المعاناة ذلك الصبي من حبِّه لعلي، بل أن حبَّه كان يزدادُ يوماً بعد يوم رغم الشقاء اليومي الذي يعانيه جرّاء هذا الحب الذي فاق حبَّه لوالديه بل إنه أبغضهما غاية البغض وأحبَّ فراقهما لسبِّهما علياً، ولنستمع إليه وهو يصف شعوره نحو والديه في تلك الفترة فيقول: (كنتُ وأنا صبي أسمع أبويّ يثلبانِ أمير المؤمنين فأخرجُ عنهما وأبقى جائعاً، وأؤثر ذلك على الرجوع إليهما، فأبيتُ في المساجد جائعاً لحبِّي فراقهما وبغضي إياهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعتُ فأكلتُ ثم خرجت).

لقد غطّى حبُّ أمير المؤمنين على كل حبٍّ وعاطفةٍ في قلبِ هذا الفتى، وأبغضَ والديه من أجل هذا الحب، وكأن والديه قد عرفا منه هذا الحب لعلي وكرها ذلك منه فبَدَآ يضايقانه بترديد سبِّ أمير المؤمنين على مسامعه عند حضوره إلى البيت، فقال لهما يوماً: (إن لي عليكما حقاً يصغر عند حقكما عليّ، فجنّباني إذا حضرتكما ذكر أمير المؤمنين بسوء، فأن ذلك يزعجني وأكره عقوقكما بمقابلتكما)..

ولكنهما (تماديا في غيِّهما) وصاحا في وجهه...، وكثيراً ما كانت أمه توقظه في الليل لتقول له: (إني أخافُ أن تموتَ على مذهبكَ فتدخل النار، فقد لهجتَ بعليٍّ وولده فلا دنيا ولا آخرة، ولقد نغّصتَ عليّ مطعمي ومشربي).

وفي بعض الليالي رأى النبي (صلى الله عليه وآله) في المنام وكأنه في حديقة سبخة فيها نخلٌ طوال وإلى جانبها أرض كأنها الكافور ليس فيها شيء، فقال له النبي: أتدري لمن هذا النخل؟

قال: لا يا رسول الله.

قال: لأمرئ القيس بن حجر، فأقلعها واغرسها في هذه الأرض، ففعل...

وفي الصباح جاء إلى ابن سيرين ـ المفسِّر المشهور ـ فقصّ عليه رؤياه فقال له ابن سيرين: أتقول الشعر؟ قال: لا، قال: أما إنك ستقول شعراً مثل امرئ القيس، إلا إنك تقوله في قومٍ بررةٍ أطهار فكان كما قال...

زادتْ هذه الرؤيا من إيمانه ويقينه بعلي وأولاده البررة وكان يعرف أن حبه هو الصراط المستقيم فلما سمع والديه يسبَّان علياً قال:

لعنَ اللهُ والديَّ جميعاً *** ثم أصلاهما عذابَ الجحيمِ

حكما غدوة كلّما صَلَّـــــــيا الفجرَ بلعنِ الوصيِّ بابِ العلومِ

لعَنا خيرَ من مشى فوق ظهرِ الأرضِ أو طافَ مُحرِماً بالحطيمِ

كفَرَا عند شتمِ آلِ رسولِ اللهِ نسلِ المهذَّبِ المعصومِ

والوصيِّ الذي به تثبتُ الأرضُ ولولاهُ دُكدِكتْ كالرميمِ

وكذا آله أولو العلمِ والفهمِ هداةٌ إلى الصراطِ القويمِ

خلفاءُ الإلهِ في الخلقِ بالعدلِ وبالقسطِ عند ظلمِ الظلومِ

صلواتُ الإلهِ تُترى عليهمْ *** مقرناتٌ بالرحبِ والتسليمِ

ولما أيقظته أمُّه في الليلِ وعنَّفته على حبهِ لعلي وأولاده الذي كان سبباً في مفارقتهِ لأهلهِ وإخوانهِ وأقربائهِ وجيرانهِ الذين أبغضوه وهجروه فأصبح بينهم غريباً، قال:

إلى أهلِ بيتٍ لمن كانَ مؤمناً *** من الناسِ عنهم ما في الولايةِ مذهبُ

وكم من شقيقٍ لامني في هواهمُ *** وعاذلةٌ هبَّتْ بليلٍ تؤنِّبُ

تقولُ ولمْ تقصدْ وتعتبُ ضلّةً *** وآفةُ أخلاقِ النساءِ التعتّبُ:

وفارقتَ جيراناً وأهلَ مودةٍ *** ومن أنتَ منه حين تُدعى وتُنسبُ

فأنتَ غريبٌ فيهم متباعدٌ *** كأنّـكَ فيما يتّقونكَ أجربُ

تعيبهمُ في دينِهم وهمُ بما *** تُدينُ به أزرى عليكَ وأعيبُ

فقلتُ: دعيني لن أحبّرَ مدحةً *** لغيرهمُ ما حجَّ للهِ أركبُ

أتنهينني عن حبِّ آلِ محمدٍ؟ *** وحبُّهم ممَّا به أتقرَّبُ

وحبُّهم مثلُ الصلاةِ وإنهم *** على الناسِ من بعدِ الصلاةِ لأوجبُ

ضاق أبوه به ذرعاً وعزمَ على ثنيهِ عن حبِّ عليٍّ مهما كلّفَ الأمر حتى وأن اضطره ذلك إلى قتله! فأمره بسبِّه فامتنع، وألحَّ عليه في ذلك، لكنه فوجئ بابنه وهو يردُّ عليه:

خِفْ يا محمّدَ فالقَ الأصباحِ *** وأزِلْ فسادَ الدينِ بالإصلاحِ

أتسبُّ صنوَ محمدٍ ووصيِّهِ *** ترجو بذاكَ الفوزَ والإنجاحِ

هيهاتَ قد بعُدا عليكَ وقرَّبا *** منكَ العذابَ وقابضَ الأرواحِ

أوصى النبيُّ له بخيرِ وصيةٍ *** يومَ الغديرِ بأبينِ الإفصاحِ

من كنتُ مولاهُ فهذا واعلموا *** مولاهُ، قولُ إشاعةٍ وصِراحِ

قاضي الديونِ ومرشدٌ لكمْ كما *** قد كنتُ أرشدُ من هدىً وفلاحِ

أغويتَ أمِّي وهي جِدّ ضعيفة *** فجرتْ بقاعِ الغيِّ جريَ جِماحِ

بالشتمِ للعَلَمِ الإمامِ ومن له *** إرثُ النبيِّ بأوكدِ الإيضاحِ

إنِّي أخافُ عليكما سخطَ الذي *** أرسى الجبالَ بسبسبٍ صحصاحِ

أبويَّ فاتَّقيا الإلهَ وأذعِنا *** للحقِّ تعتصما بحبلِ جناحِ

لم يستطعِ الأبوانِ مقارعة هذه البلاغة مدعومة بالحجج والقرائن الواضحة على منزلة أمير المؤمنين العظيمة، ولكنهما أبَيَا أن يستجيبا لابنهما وأخذتهما العزة بالإثم فصمَّمَا على قتلهِ وتواعدا على ذلك!

أحسَّ الولدُ بما يضمرُه أبواهُ له من الشر فهربَ إلى الأمير عقبة بن سلم وأخبره بقصته فقال له: لا تقربهما، وأعدّ له منزلاً أمر له فيه بما يحتاج إليه وأجرى عليه مالاً يكفيه ويفضل على مؤونته، فكان هذا الفراق بينه وبين والديه أبديَّاً حتى ماتا فورثهما.

ولد إسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري الملقب بـ (السيد الحميري) في عُمان سنة (105هـ)، ونشأ في البصرة، ثم غادرها إلى الكوفة وتعلم فيها الحديث على يد الأعمش وعاش متردداً بينهما، وكان في بداية حياته يعتقد الكيسانية التي تقول بأمامة محمد بن الحنفية وإنه الإمام الغائب وله في ذلك شعر، ولكنه نبَذَ هذا الاعتقاد عندما قابل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في الكوفة عندما كان الإمام منصرفاً من عند المنصور فرأى السيد منه حججه القوية وأدلته الساطعة ما عرف به الحق فأتبعه، وله في ذلك قصيدة طويلة يقول في مطلعها:

ولما رأيتُ الناسَ في الدينِ قد غَوُوا *** تجَعْفَرتُ باسمِ اللهِ فيمن تجعفروا

وناديتُ باسمِ اللهِ واللهُ أكبرُ *** وأيقنتُ أن اللهَ يعفو ويغفرُ

ودِنتُ بدينٍ غير ما كنتُ دائِناً *** به ونهاني سيِّدُ الناسِ جعفرُ

مع الطيبينَ الطاهرينَ الأولى لهم *** من المصطفى فرعٌ زكيٌّ وعنصرُ

عُرف (السيد الحميري) بحدَّةِ الذكاءِ وسرعةِ البديهة حتى ضُرِبَ فيه المثلُ بهما، كما كان متضلِّعاً في تفسير القرآن ومعانيه والكثير من العلوم والتاريخ والأدب، ويستشفُّ القارئ لديوانه مدى إحاطته بهذه العلوم وإلمامه بها من خلال موارد شعره والمعاني التي طرقها وإدراكه واستيعابه وتعمُّقه في فهمِ مغازي الكتاب الكريم والسنة المطهّرة والأحاديث الشريفة وروايات أهل البيت وإحاطته بمرامها وإشاراتها ونصوصها، وإن رفضه القاطع للإباضية منذ صغره وانتقاله من الكيسانية إلى مذهب أهل البيت لهو أكبر دليل على بصيرته النافذة وعلمه ومعرفته الناضجة التي تأبى أن تتلقّى المبدأ عن تقليد أعمى.

صدّق السيد الحميري بشعره رؤياه فقد سخّرَ شعره لمدح أهل البيت وفاق شعراء عصره كثرة وجودة حتى قال له الإمام الصادق (عليه السلام): أنت (سيد الشعراء)، وهذه الشهادة من الإمام لا تحتاج إلى توضيح على مكانة السيد في عالم الشعر، أما في التاريخ فله باع طويل فيه، وقد ذكر الصفدي في الوافي بالوفيات (ج1ص49): إن له كتاب (تاريخ اليمن).

وكانت له منزلة كبيرة عند الإمام الصادق الذي كان يكرمه ويقدّر سعيه ويشكرُ جهده في الذبِّ عن قضية أهل البيت وإبراز مظلوميتهم وذكر فضائلهم وجهره بموالاتهم وإكثاره من مدائحهم والرد على أعدائهم ومناوئيهم، فكان (عليه السلام) يلحُّ على رفده بالأموال رغم امتناع السيد عن أخذها لحقيقة إخلاصه وإيمانه واعتقاده بأنه لم يمدحهم لأجل المال بل للتقرِّب إلى الله تعالى بهم.

ومما يوضحُ تقدّمه على شعراء عصره أقوال أئمة الشعر والأدب ممن عاصروه وما بعدهم بحقه، فقد عدَّه المؤرخون أحد الشعراء الثلاثة الذين كانوا أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام وهم: السيد الحميري، وبشار بن برد، وأبو العتاهية.

فيقول عنهم أبو الفرج الأصفهاني في (الأغاني) (ج7ص249): (لا يُعلم أن أحداً قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع)، وقال المرزباني في (أخبار السيد) (ص152ـ153): (لم يُسمع أنَّ أحداً عمل شعراً جيداً وأكثر منه غير السيد)، ومما روي عن كثرة شعره قول عبد الله بن اسحق الهاشمي: (جمعتُ للسيد ألفي قصيدة وظننت إنه ما بقي عليَّ شيء فكنتُ لا أزال أرى من ينشدني ما لي عندي فكتبت حتى ضجرت ثم تركت).

ويقول مروان بن أبي حفصة عندما سمع شعراً للسيد: (ما سمعتُ قط شعراً أكثر معاني وألحظ منه)، وقال التوّزي: (لو إن شعراً يستحق أن لا ينشد إلّا في المسجد لحسنه لكان هذا ولو خطب به خاطب على المنبر في يوم الجمعة لأتى حسناً ولحاز أجراً)، وقال بشار بن برد ـ الذي كان متزلفاً للسلطة ـ: (لولا إن هذا الرجل قد شغل عنَّا بمدح بني هاشم لشغلنا ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا).....

لقد تولّع السيد بمدح أهل البيت (عليهم السلام) ولهج بهم لسانه فاكثر، ويدلّنا أبو الفرج الأصفهاني على مدى تعلق السيد الحميري بذكر أهل البيت وحبه لهم ما رواه في كتابه (الأغاني) قوله عن أحدهم: (كنا جلوساً عند أبي عمرو ابن العلاء فتذاكرنا السيد فجاء وجلس وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض فقلنا: يا أبا هاشم ممَّ القيام؟ فقال:

إنِّي لأكرهُ أن أطيلَ بمجلسٍ *** لا ذكرَ فيهِ لفضلِ آلِ محمدِ

لا ذكرَ فيه لأحمدٍ ووصيِّهِ *** وبنيهِ ذلكَ مجلسٌ نَطِفٌ ردي

إن الذي ينساهم في مجلسٍ *** حتى يفارقه لَغَيرُ مسدَّدِ

وكان إذا استُنشد شيئاً من شعرهِ لم يبدأ بشيء إلّا بقوله:

أجدُّ بآلِ فاطمةِ البكورُ *** فدمعُ العينِ منهمرٌ غزيرُ

على الرغم من إنه كان يعدُّ ممن لا يُدرك شعره ولا يمكن جمعه، وقد رُوي إنه لم يترك فضيلة لأمير المؤمنين إلّا قالها شعراً، وفضلاً عن سيادته الشعرية فإن له مكانته المتقدِّمة في المذهب حيث عُدَّ من أعلام الشيعة وعلمائهم، وقد أثنى عليه كبار علماء الشيعة في كتبهم منهم: الشيخ الصدوق في (كمال الدين) (ص20)، والشيخ المفيد في (الفصول المختارة) (ص93)، وابن شهراشوب في (المناقب) (2ص323)، والأربلي في (كشف الغمة) (ص124).

كما عدّه ابن عبد ربه الأندلسي في (العقد الفريد) (ج2 ص289) من رموز الشيعة فقال: (السيد الحميري وهو رأس الشيعة وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له وسادة بمسجد الكوفة)، وقال له جعفر بن عفان الطائي ـ شاعر الإمام الصادق ـ: (يا أبا هاشم: أنت الرأسُ ونحن الأذناب).

ألّف عن حياة السيد الحميري الكثير من الأعلام ــ قديماً وحديثاً ــ من المسلمين وغيرهم منهم: أبو بكر الصولي، وأبو بشر البصري، وابن عبدون ـ شيخ النجاشي ـ، والمرزباني، وابن عيّاش، والمستشرق الفرنسي بربيه دي مينار وغيرهم.

عاصر السيد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) إضافة إلى الإمام الصادق، ابنه الإمام موسى الكاظم (عليهما السلام) وعُدَّ من شعرائهما، أما من الخلفاء فقد عاصر عشراً، منهم خمسة من بني أمية وهم: هشام بن عبد الملك، ـ والذي وِلدَ السيد الحميري في خلافته ـ والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ومروان بن محمد، كما عاصر خمساً من خلفاء بني العباس وهم: السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد وقد توفي السيد في خلافة الأخير سنة (173هـ) ودفن في بغداد تاركاً قصائده الخالدات خلود الدهر، ومن أروع قصائده البائية والتي تسمى (المذهَّبة) وتبلغ (112) بيتاً وقد شرحها علمان من أعلام اللغة والأدب في تاريخ العربية هما السيد الشريف المرتضى علم الهدى، والحافظ النسابة الأشرف ابن الأغر المعروف بتاج العلى الحسيني يقول السيد منها:

وبخمِّ إذ قالَ الإلهُ بعزمهِ *** قمْ يا محمدَ في البريةِ فأخطبِ

وانصُبْ أبا حسنٍ لقومِكَ إنه *** هادٍ وما بلّغت إن لم تنصُبِ

فدعاهُ ثم دعاهمُ فأقامه *** لهمُ فبينَ مصدِّقٍ ومكذِّبِ

جعلَ الولايةَ بعده لمُهذبٍ *** ما كان يجعلها لغيرِ مهذَّبِ

وله مناقبُ لا تُرامَ متى يَرد *** ساعٍ تناولَ بعضَها بتذبذبِ

إنّا ندينُ بحبِّ آلِ محمدٍ *** ديناً ومن يحببهمُ يستوجبِ

منَّا المودةُ والولاءُ ومن يَرِدْ *** بدلاً بآلِ محمدٍ لا يحببِ

ونجد من الضروري ونحن في رحاب السيد الحميري الحديث عن شعره الذي وصفه المؤرخون بأنه: (مما لا يدرك) لكثرته، ولكنك تتفاجأ حينما تُقارن بين هذا القول وبين ديوانه المطبوع والذي لا يحتوي سوى قصائد ومقطوعات معدودة!! ونتساءل أين ذهب هذا الشعر الذي يمثل ذروة التراث الإسلامي؟

ولا تقتصر عملية ضياع الشعر على شعر السيد الحميري، فالكميت بن زيد الأسدي شاعر أهل البيت يموت مخلّفاً (خمسة آلاف ومائتين وتسعة وثمانين بيتاً) (5289) كما ذكر ذلك أبو الفرج الأصفهاني في (الأغاني)، والطبري في (تاريخه)، ولكن شعره الآن لا يساوي ربع هذا العدد! وهناك من الشعراء من اختفى اسمه مع شعره، فقد ذكر الطبري في تاريخه: (إن عبد الله بن عمرو البدّي من أشجع الناس، وأشعرهم، وأشدهم حباً لعلي)، ولكن هل تجد لهذا الشاعر المتفرّد بين الشعراء والفارس الشجاع شعراً يليق بمكانته؟

ونكتفي بذكر هذه الشواهد على جريمة السياسة الأموية باغتيال التراث الإسلامي وتضييعه وتغيبيه وإبادته، وهناك الكثير من الشعراء الذين طالت شعرهم هذه الجريمة، فالحرب التي شنّها الأمويون والعباسيون على شعراء الشيعة وقتلهم وسجنهم وتشريدهم وتغييب شعرهم كانت لها دور كبير في تضييع الكثير من ذلك التراث الضخم, كما لعبت النزعة المذهبية والصراع الأيديولوجي دوراً كبيراً في غياب الكثير جداً من هذا الشعر، ولنرجع إلى ما حفظه لنا التاريخ من شعر السيد الحميري.

يقول الدكتور طه حسين في (حديث الأربعاء) (ص240): (ولعل شيعة العلويين لم يظفروا بشاعر مثله في حياتهم السياسية كلها، وقف عليهم عمره وجهده، وكاد يقف عليهم مدحه وثناؤه، مخلصا في ذلك كله إخلاصا لا يشبهه إخلاص)

للسيد عدَّة رثائيات في الحسين (عليه السلام) ـ عدا التي فُقدت ـ يقول من قصيدة لم نجد منها سوى مطلعها:

(كربلا) يا دارَ كربٍ وبلا *** وبها سبطُ النبي قد قُتلا

وله في رثاء الحسين (ع) قصيدة مشهورة منها:

أمرُرْ على جدثِ الحسيــــنِ وقلْ لأعظمهِ الزكيه

يا أعظماً لا زلتِ من *** وطفاء ساكبة رويَّه

ما لذَّ عيشٌ بعد رضِّـــــكِ بالجيادِ الأعوجيه

قبراً تضمّنَ طيباً *** آباؤه خيرُ البريه

والخيرُ والشيمُ المهـــــــــذّبة المطيَّبة الرضيه

ومن طفِّيَّاته أيضاً:

إن كنتَ محزوناً فمالكَ ترقدُ *** هلّا بكيتَ لمن بكاهُ محمدُ

هلا بكيتَ على الحسينِ وأهله؟ *** إنَّ البكاءَ لمثلهم قد يُحمدُ

لِتضعضعِ الاسلام يومَ مصابهِ *** فالجودُ يبكي فقدَه والسؤددُ

فلقد بكته في السـماءِ ملائكٌ *** زهرٌ كرامٌ راكعونَ وسجَّدُ

أنسيتَ إذ صارت إليه كتائبٌ *** فيها ابنُ سعدٍ والطغاةُ الجُحَّدُ؟

فسقوهُ من جُرعِ الحِتوفِ بمـشهدٍ *** كثرَ العداةُ بهِ وقلَّ المُسعدُ

لمْ يحفظوا حقَّ النبيِّ محمدٍ *** إذْ جرَّعوه حرارةً ما تـبردُ

قتلوا الحسينَ فأثكلوه بسبطهِ *** فالثكلُ من بعدِ الحـسين مبرَّدُ

كيفَ القرار؟! وفي السبايا زينبٌ *** تدعو بفرطِ حرارةٍ: يا أحمدُ

هذا حسينٌ بالسيوفِ مبضَّعٌ *** متلطِّخٌ بدمائهِ مُسْتَشْهَدُ

عارٍ بلا ثوبٍ صريعٌ في الثرى *** بين الحوافرِ والسـنابكِ يُقـصَدُ

والطيبونَ بنوكَ قَـتلى حوله *** فوقَ التُراب ذبائحٌ لا تلحدُ

يا جدُّ قد منعوا الفـراتَ وقـتَّلوا *** عطشاً فليسَ لهم هنالكَ موردُ

تناقلت المصادر الأدبية والتاريخية شعره لجودته وجزالته وعُدَّ من عيون الشعر العربي، فقد خصَّه المرزباني بفصل خاص في كتابه (معجم الشعراء) كما خصَّه بكتابٍ منفرد، وكتبَ عنه أبو بكر الصولي كتاب (أخبار السيد الحميري)، كما اختار من شعره المستشرق الفرنسي دي مينار مجموعة كبيرة في مائة صفحة وطبعت في باريس، أما ديوانه فقد جمعه وحققه شاكر هادي شكر ونشره ضیاء حسین الأعلمی، وشرح ديوانه أيضاً الشیخ محمد هادی الأمینی ابن الشیخ عبدالحسین الأمیني.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تاريخيات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك