تكشف الدراسات أن السيطرة على الغضب لا تعتمد على القوة أو الانفعال، بل على القدرة على تهدئة الجسد والعقل. ففي عالم مليء بالضغوط اليومية، قد يكون الحل أحيانًا أبسط مما نتصور: توقف للحظة، خذ نفسًا عميقًا، وعدّ إلى عشرة… فقد يكون ذلك كافيًا لتغيير رد فعلك بالكامل...
في لحظات الغضب الشديد، يعتقد كثير من الناس أن أفضل ما يمكن فعله هو التنفيس فورًا عمّا بداخلهم؛ بالصراخ أو التعبير الحاد عن الانفعال. وقد ترسخت هذه الفكرة لسنوات طويلة باعتبارها وسيلة طبيعية لتخفيف التوتر. لكن الأبحاث العلمية الحديثة بدأت تكشف صورة مختلفة تمامًا. فبدل تفريغ الغضب، يرى العلماء أن الطريق الأكثر فعالية للسيطرة عليه قد يكون أبسط بكثير: التوقف للحظة، أخذ نفس عميق، والانتظار لبضع ثوانٍ فقط. فهذه اللحظة القصيرة من الصمت قد تكون كافية لتهدئة الجسد وإعادة التوازن إلى العقل، وهو ما تؤكده دراسات حديثة في علم النفس والسلوك الإنساني، التي تشير إلى أن تهدئة الاستثارة الجسدية قد تكون المفتاح الحقيقي للسيطرة على الغضب.
تشير دراسة حديثة نُشرت في مجلة مراجعة علم النفس السريري ونقلها موقع ساينس ديلي إلى أن الاعتقاد الشائع بأن التنفيس عن الغضب يخفف حدته ليس دقيقًا علميًا. فقد أظهرت النتائج أن الطرق الأكثر فعالية لخفض الغضب والعدوانية هي تلك التي تقلل من الاستثارة الفسيولوجية للجسم، مثل التنفس العميق والتأمل واليقظة الذهنية واليوغا، وحتى العدّ البسيط إلى عشرة.
وبحسب الدراسة، قام الباحثون بتحليل أكثر من 150 دراسة علمية شملت أكثر من 10 آلاف مشارك من خلفيات مختلفة. وخلصوا إلى نتيجة واضحة: الأنشطة التي تهدئ الجهاز العصبي وتخفض مستوى التوتر تساعد فعلاً في السيطرة على الغضب، بينما الأنشطة التي تزيد الاستثارة الجسدية غالبًا لا تقلل الغضب، بل قد تزيد حدته في بعض الحالات.
ويقول براد بوشمان، أستاذ الاتصال في جامعة ولاية أوهايو والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن الوقت قد حان لدحض واحدة من أكثر الأفكار انتشارًا حول الغضب. ويوضح:
إنه من المهم دحض الخرافة التي تقول إن الشخص الغاضب يجب أن يفرغ غضبه ويخرجه من صدره، فليس هناك دليل علمي يدعم نظرية التنفيس عن الغضب.
الدراسة التي قادتها الباحثة صوفي كيرفيك اعتمدت على مراجعة تحليلية شاملة لـ 154 دراسة شملت 10189 مشاركًا من مختلف الأعمار والثقافات. واستندت إلى نظرية شاكتر-سينجر ذات العاملين، التي ترى أن المشاعر، ومنها الغضب، تتكون من عنصرين رئيسيين: الاستثارة الجسدية والتفسير العقلي. وبالتالي فإن خفض الاستثارة الفسيولوجية للجسم يمكن أن يكون مدخلًا فعالًا لتقليل حدة المشاعر.
ووجدت النتائج أن الأنشطة التي تقلل الاستثارة، مثل التنفس العميق والاسترخاء والتأمل واليوغا البطيئة والاسترخاء التدريجي للعضلات وأخذ استراحة قصيرة، كانت فعالة في خفض الغضب في مختلف البيئات؛ سواء في المختبرات أو في الحياة اليومية، وسواء في جلسات فردية أو جماعية.
وتقول كيرفيك إن المثير للاهتمام أن تقنيات الاسترخاء البسيطة يمكن أن تكون فعالة بقدر تقنيات التأمل واليقظة الذهنية. وتضيف أن اليوغا، رغم كونها نشاطًا جسديًا، إلا أنها تركز على التنفس وتهدئة الذهن، ما يجعل تأثيرها قريبًا من التأمل في تقليل الغضب.
في المقابل، أظهرت الدراسة أن الأنشطة التي تزيد من الاستثارة الجسدية، مثل ضرب كيس الملاكمة أو الجري، لم تكن فعالة في تقليل الغضب بشكل عام، بل إن الجري كان من أكثر الأنشطة احتمالًا لزيادة الغضب. ومع ذلك، لاحظ الباحثون أن الأنشطة الرياضية التي تتضمن عنصر اللعب، مثل الألعاب بالكرة، قد تساهم أحيانًا في تخفيف المشاعر السلبية عبر تعزيز المشاعر الإيجابية.
ويشير بوشمان إلى أن بعض الأنشطة البدنية قد تكون مفيدة لصحة القلب، لكنها ليست الطريقة المثلى لتهدئة الغضب، مضيفًا أن الشعور المؤقت بالراحة بعد التنفيس قد يعزز العدوانية بدلاً من تقليلها.
في السياق نفسه، يوضح عالم النفس الدكتور بول هولاند أن التنفس ليس مجرد عملية بيولوجية للحفاظ على الحياة، بل هو أداة فعالة لتنظيم المشاعر. فالتنفس يرتبط بشكل مباشر بعمل الجهاز العصبي اللاإرادي، الذي يتحكم في وظائف مثل ضربات القلب والهضم والتنفس.
ويشرح هولاند أن هذا الجهاز يتكون من فرعين رئيسيين: الجهاز العصبي الودي المسؤول عن استجابة "الكر والفر"، والجهاز العصبي اللاودي المسؤول عن حالة "الراحة والهضم". وعندما يتسارع التنفس ويصبح سطحيًا، يدخل الجسم في حالة توتر ويزداد الشعور بالقلق أو الغضب. أما التنفس البطيء والعميق فيرسل إشارة إلى الدماغ بأن الجسم في حالة أمان، ما يساعد على تهدئة الجهاز العصبي وإعادة التوازن العاطفي.
كما أن تمارين التنفس العميق، مثل التنفس الحجابي أو تقنية 4-7-8، يمكن أن تكسر الحلقة المفرغة للتوتر. فعندما يتباطأ التنفس وينتظم، ينخفض ضغط الدم وتتباطأ ضربات القلب ويهدأ الذهن، ما يساهم في تقليل القلق والغضب.
ويشير هولاند أيضًا إلى أن التركيز على التنفس يمنح الإنسان لحظة توقف مهمة قبل رد الفعل. ففي لحظات الغضب الشديد غالبًا ما يتصرف الإنسان باندفاع، لكن التوقف لبضع ثوانٍ والتركيز على التنفس يمنح العقل فرصة لتقييم الموقف واختيار رد فعل أكثر هدوءًا وعقلانية.
ولا تقتصر فوائد التنفس العميق على الجانب النفسي فحسب. فبحسب موقع فيري ويل الصحي، فإن التنفس الحجابي يحمل مجموعة واسعة من الفوائد الصحية. فهو يساعد على إدارة التوتر عبر تنشيط استجابة الاسترخاء في الجسم، وقد يسهم في تحسين جودة النوم، خصوصًا إذا مورس قبل النوم بانتظام.
كما تشير بعض الدراسات إلى أن التنفس العميق يمكن أن يحسن التركيز والانتباه، ويخفف من توتر العضلات، ويزيد مستويات الطاقة عبر تحسين وصول الأكسجين إلى الأعضاء الحيوية في الجسم. بل إن بعض الأبحاث تشير إلى إمكانية مساهمته في دعم جهاز المناعة، من خلال تحفيز استجابات مناعية وقائية في الرئتين.
وتوضح المصادر الطبية أن التنفس العميق يمكن أن يكون مفيدًا بشكل خاص للأشخاص الذين يعانون من التوتر أو القلق، حيث أظهرت الدراسات أنه يساعد في خفض ضغط الدم ومستويات هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر.
ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن ممارسة التنفس العميق بطريقة غير صحيحة قد تؤدي أحيانًا إلى فرط التنفس، ما قد يسبب الدوار أو الدوخة. لذلك ينصح بتعلم التقنيات الصحيحة، مثل التنفس الحجابي أو التنفس المربع، الذي يعتمد على الشهيق لأربع ثوانٍ ثم حبس النفس لأربع ثوانٍ ثم الزفير لأربع ثوانٍ.
تكشف هذه الدراسات أن السيطرة على الغضب لا تعتمد على القوة أو الانفعال، بل على القدرة على تهدئة الجسد والعقل. ففي عالم مليء بالضغوط اليومية، قد يكون الحل أحيانًا أبسط مما نتصور: توقف للحظة، خذ نفسًا عميقًا، وعدّ إلى عشرة… فقد يكون ذلك كافيًا لتغيير رد فعلك بالكامل.



اضف تعليق