ولأننا اعتدنا على أن التأخيرات برمتها تحمل نبأ سوء، فالتأخير الحالي يعزز شعوراً عاماً بأن القيم الوطنية باتت مؤجلة أو مركونة على هامش العملية السياسية، لصالح منطق المحاصصة والمكاسب الفئوية؛ فالمواطن الذي صوّت أو قاطع أو احتج، لا يرى في هذا المشهد سوى إعادة إنتاج لذات الأساليب التي أوصلت البلاد إلى أزمات اقتصادية وخدمية وأمنية متراكمة...
يقف الشعب العراقي مجدداً أمام حالة من الجمود السياسي الناتج عن تأخر إعلان المرشح لرئاستي الجمهورية والحكومة، وهو تأخر لم يعد يُقرأ بوصفه تعقيداً إجرائياً بقدر ما يُفهم على أنه انعكاس عميق لاختلال منظومة القيم التي يُفترض أن تحكم العمل السياسي. فبينما تنتظر الدولة حكومة قادرة على إدارة الأزمات المتراكمة، ينشغل الفاعلون السياسيون في مفاوضات مغلقة أقرب ما تكون إلى مزاد مخفي لتقاسم المناصب منها إلى حوار وطني حول البرامج والرؤى.
ولأننا اعتدنا على أن التأخيرات برمتها تحمل نبأ سوء، فالتأخير الحالي يعزز شعوراً عاماً بأن القيم الوطنية باتت مؤجلة أو مركونة على هامش العملية السياسية، لصالح منطق المحاصصة والمكاسب الفئوية؛ فالمواطن الذي صوّت أو قاطع أو احتج، لا يرى في هذا المشهد سوى إعادة إنتاج لذات الأساليب التي أوصلت البلاد إلى أزمات اقتصادية وخدمية وأمنية متراكمة، دون أن تلوح في الأفق مؤشرات تغيير حقيقي.
والشيء اللافت أن الخطاب السياسي العلني لا يزال يتحدث عما تسميه الكتل السياسية بالاستحقاق الانتخابي، أو الشراكة الوطنية، في حين تكشف الوقائع أن المفاوضات تتركز على من يمتلك أي وزارة، وأي كتلة تسيطر على أي ملف، لا على شكل الدولة التي يريدها العراقيون أو الأولويات العاجلة التي يجب أن تتصدر عمل الحكومة المقبلة، وهنا تتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة، لتتحول السياسة من أداة لإدارة الشأن العام إلى ساحة لتقاسم النفوذ.
فهل يشكل ذلك خطراً على العملية السياسية؟ نعم، وعلى المدى القريب يشكل خطراً كبيراً على العملية السياسية، وذلك بسبب تغييب البعد الوطني في لحظة تشكيل الحكومة، وهو ما يعني أن الدولة تُدار بعقلية الغنيمة لا بعقلية المسؤولية؛ فالدول التي تحترم نفسها تبدأ بتحديد برنامج حكومي واضح، ثم تبحث عمن ينفذه، بينما يجري في العراق العكس تماماً، توزيع المناصب أولاً، ثم البحث لاحقاً عن تبرير سياسي وإعلامي لهذا التوزيع.
لذا ووفق ما نعيشه اليوم من شبه انغلاق سياسي أو صراع نحو القمة، نحتاج إلى إعادة تعريف وترسيخ القيم الوطنية والأخلاقية، والإقرار بأن القيم الصحيحة هي المنفذ الذي يمكن للطبقة السياسية من خلاله أن تعبر صوب النجاح والاستقرار السياسي، وإبعاد العملية السياسية عن الاعتراضات التي تقف بطريقها لتحقيق الهدف الأسمى والتشكيل السريع الذي يحفظ لها ثقلها وبعدها الوطني.
وهنا يتحتم على قادة الكتل السياسية الإقرار أن المناصب والوزارات ليست ملكية فردية تابعة لهم، وهم من يتحكم بها بعيداً عن مصالح الجمهور الذي انتخبهم، فهي ليست سلعة خاضعة للدخول بالمزاد العلني في البورصة السياسية، بل استحقاق وفق النتائج الانتخابية، وعلى الجميع احترام الإرادة الشعبية، واختيار الأنسب للمرحلة الحالية وليس بناءً على رغبة هذه الكتلة أو تلك.
فالتعامل مع هذه الملفات السياسية، بهذه الطريقة المهينة، يمثل إهانة للعملية بأكملها، بينما في الواقع هي عملية إدارة مشتركة لمصير ومستقبل هذا الشعب، فإن أحسنت الطبقة الحاكمة التعامل مع هذا الملف بالشكل الجيد، فسينعكس هذا التعامل على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وعلى القطاعات بصورة عامة. لكن المؤسف أن القصة تتكرر والآلام والإخفاقات تتكرر، وكأننا أمام مسلسل من العبث لا نهاية له، أبطاله بعض القيادات، التي لا تدرك معنى المسؤولية، وبعض الشخصيات، التي انشغلت بخلافاتها بدلاً من أن تحافظ على إرثها.
الخروج من هذا المأزق لا يتحقق بتسريع الإعلان الشكلي عن الحكومة فحسب، بل بإعادة الاعتبار لفكرة أن السلطة تكليف لا مكسب، وأن تشكيل الحكومة يجب أن يكون استجابة لإرادة المجتمع لا صفقة بين الكتل، وغير ذلك سيبقى كل تأخير رسالة سلبية جديدة، تؤكد أن الأزمة في العراق ليست أزمة وقت، بل أزمة قيم سياسية غائبة.



اضف تعليق