يبدو أننا نبقى نعاني من الاستنساخ غير الموفق لبعض المفاهيم المتداولة في الغرب، فبعد "الديمقراطية" أو "الليبرالية" وغيرها، جاء دور "الشعبوية" التي تمثل إفرازاً طبيعياً لجملة من الاخفاقات في التجربة الديمقراطية في البلاد الغربية. فالموطن العادي، وبعد خروجه من غرفة الاقتراع والإدلاء بصوته في الانتخابات، يبقى حائراً بين جهتي استقطاب؛ الاولى: الاحزاب السياسية وجماعات الضغط، والثانية: تتمثل في الآمال المعقودة على التجربة الديمقراطية لتكون حلالة المشاكل لما تعانيه الشعوب، لاسيما على الصعيد الاقتصادي.

أما في بلادنا فان "الديمقراطية" حتى اليوم، والى أجل غير معلوم، غير متبلورة ومكتملة المعالم، من حيث النظرية والتطبيق، فالمشكلة لدينا ليست ارتفاع نسبة الضرائب وتفاقم مشكلة البطالة والديون الحكومية، إنما في أصل الدولة والنظام السياسي في ظل الديمقراطية المصابة بفيروس الديكتاتورية الحزبية كما هو الحال في تركيا "الأردوغانية" التي ما تزال في مسعاها لأن تكون نموذج الاسلام السياسي الناجح.

وبما ان "الشعبوية" كمصطلح ومفهوم، يعرفه الباحثون المختصون، على أنها حركة "تؤمن بدور الشعب في العملية السياسية التي يجب ان تعكس بشكل مباشر الإرادة الشعبية"، فان هذه الشريحة من المجتمع كانت خير وسيلة لحكومات اميركية في تمرير قرارات استراتيجية تخدم البلد والامة هناك، مثل خوض الحرب العالمية الثانية لصالح بريطانيا وفرنسا ودول الحلفاء، او الدخول في تنافس محموم مع ما كان يسمى "الاتحاد السوفيتي" لمواجهة المد الشيوعي في العالم، والمثال الاكثر قرباً الينا، التعبئة الشاملة التي نجح فيها أيما نجاح، الرئيس الاميركي جورج بوش في شن الحرب العالمية على ما يُسمى بـ "الارهاب" عقب الهجمات الانتحارية التي شاهدها الشعب الاميركي وايضاً "الشعبويون"، لان هذه الشريحة لا تتحرك ولا تتفاعل إلا بوجود التحديات الخارجية الماحقة.

بغض النظر عن التفاصيل في طبيعة الحالة السائدة في الغرب او في الولايات المتحدة، فالذي يهمّنا طريقة التعامل مع "الحالة الشعبوية" في بلادنا، ولاسيما بلاد "الاسلام السياسي"، حيث نجد ولادة هذه الشريحة الاجتماعية من أتون المعارك الطاحنة على السلطة والنفوذ، حتى نلاحظ أن كل شيء في هذه البلاد، مرتبط بمصير هذا الرئيس او ذاك الزعيم؛ من اقتصاد واجتماع وقضاء وأمن وحتى قيم ومبادئ وأمور معنوية ذات صلة بالمسائل العقائدية، فان حظى هذا الزعيم او ذاك الرئيس بكرسي الحكم، يطبع كل شيء بطابعه المحافظ المتشدد والمتزمّت، أو في الجانب الآخر، فيكون الانطباع بالانفتاح و"الإصلاح"، او الوعود بالتقدم والتنمية الاقتصادية و تحقيق الأمن، لذا نلاحظ تأرجح الناخبين من هذه الشريحة تحديداً (الشعبويون) بين هذا المرشح للصعود الى قمة السلطة، وبين ذاك، رغم التفاوت الكبير بينهما، لأن المهم تحقيق الآمال المنشودة. وما أكثرها.

الوعي، الحلقة المفقودة

في تجارب "الاسلام السياسي" يعقد الناس الآمال، ليس على فقط على سياسات تنموية وتخطيط عمراني واجراءات عاجلة لمعالجة أزمات آنية، إنما على منظومة ثقافية عامة تجعل الفرد والمجتمع قادراً على التمييز – بنسب معينة- بين الخطأ والصواب، وبين الخيارات الناجحة وغيره الفاشلة، بناءً على جملة قواعد ومعادلات قيمية تعبر بصدق عن "النظام الاسلامي"، في جانبه النظري والعملي.

ولكن؛ عندما تكون المساعي لتوسيع رقعة الحالة "الشعبوية" في المجتمع، من خلال تكريس الحالة العاطفية إزاء مختلف القضايا، فان تلك الآمال تفقد بريقها شيئاً فشيئاً، فاستمراء حالة الفساد والمحسوبية في ظل شعارات دينية، يخلق حالة اليأس من وجود الحل، الامر الذي يدفع الناس لأن يلجأوا الى جبهة "الشعبوية" والانفجار في الشوارع بهتافات تسقيط تستهدف كل من له صلة بالدولة، من نائب مجلس محافظة او نائب في البرلمان او وزير او غيره، فالجميع مستهدفون امام هذه الجبهة.

وحتى يخرج "رجال الاسلام السياسي" بسلام من هذه المعركة، فانهم يجعلوا انفسهم قادة للحراك "الشعبوي" – إن صحت العبارة- ليوجهوا الناس ضد هذا وذاك، ويطبعوا واجهتهم بالأمل الكبير بالنجاة من المشاكل والازمات. وهذا تحديداً ما فعله اردوغان في تركيا، فقد خرج منتصراً من داخل نيران المعارك التي أوقدها بنفسه، وأجبر الشعب التركي على دفع فواتير المعركة بدماء ابنائه، بذريعة مواجهة المخاطر الكردية، فيما أغمض عينيه وأصمّ أذنيه عما يجري في سوريا والعراق من جرائم على يد "داعش" المتدربة والمتسلحة تركياً.

لكن كيف يحصل هذا...؟

الاجابة على هذا السؤال – بالحقيقة- يضع مفهوم "الشعبوية" أمام علامة استفهام، لانها افراز لتجربة بعيدة عن الواقع الاسلامي المنشود. فاذا كان الافتراض وجود تجربة ديمقراطية حقيقية، فما سبب وجود هذه الشريحة ما دون الاحزاب السياسية الحاكمة وما تمتلكه من وسائل اعلام و ايديولوجيا وأموال؟ ولولا حالة التسطيح في الوعي، لما وجدت هذه الشريحة بالاساس، ولكانت ضمن المجتمع الواحد المؤثر والمشارك في العملية السياسية، لذا نلاحظ سماحة المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي في كتابه "السبيل الى إنهاض المسلمين" عندما يتحدث عن وحدة الأمة، فانه يشير الى "نشر الوعي الاسلامي، فمن الواجبات نشر الوعي الاسلامي؛ العقائدي والتربوي والزراعي والصناعي والعسكري....".

إن توزع حالة الوعي على المجتمع والامة بهذه الشمولية من شأنه ان يخلق مجتمعاً وشعباً – لا شعبوية- واعياً ومدركاً لما يحيط به من تحديات ، وما عليه فعله لتحقيق الافضل في الاصعدة كافة، لاسيما ونحن نتحدث عن الاسلام السياسي الباني للدولة وليس للسلطة والحكم أولاً.

وطالما أكد وأكثر الباحثون والعلماء في التنظير للنظام الاسلامي، وأنه حائز على مقومات النجاح، وهو المطابق للفطرة الانسانية، وغيرها من الدلائل والبراهين، ويفتخرون بذلك على سائر الانظمة في العالم، بيد ان استمرار فقدان حلقة الوعي، هو الذي يجعل هذا النظام بعيداً عن الواقع، بينما نلاحظ التشضّي والتمزق، هي الحالة السائدة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0