معركة الاصلاحات ضد الفساد السياسي والمالي في العراق لا تختلف كثيرا عن تلك التي جرت وتجري في ساحات المعركة ضد الارهاب منذ عام 2003، بداية مع تنظيم القاعدة وختاما مع تنظيم داعش الذي سيطر على مساحات واسعة من الاراضي العراقي باتجاه الشمال والغرب والشرق.

هناك العديد من اوجه الشبه والتقارب بين الاثنين، سيما على المستوى التدميري الناتج منهما والذي هدد بانهيار الدولة العراقية ومؤسساتها في لحظة كانت اقرب للحقيقية من الاحتمال، او مجرد الكلام بعد ان تقدم مسلحوا داعش من سوريا نحو الحدود العراقية واستطاعوا باعداد قليلة اسقاط ثاني اكبر مدن العراق (من حيث عدد السكان بعد العاصمة بغداد) خلال ساعات بعد انهيار غريب للقطعات العسكرية المرابطة شمالا، والتي نخرها الفساد حتى العظم.

من كان سيأتي للسلطة بعد استبعاد رئيس الوزراء السابق (نوري المالكي) عن الولاية الثالثة، كان سيواجه ذات المراحل التي مر بها رئيس الوزراء العراق الحالي، حيدر العبادي، منذ توليه السلطة العام الماضي وحتى يومنا هذا، خصوصا على مستوى الضغط الجماهيري والمرجعي بضرورة الاسراع في الخطوات الاصلاحية ووضعها حيز التنفيذ، بعيدا عن الوعود والتردد في اتخاذ القرارت الحازمة، او كما عبرت عنها المرجعية الدينية في النجف التحلي "بالجرأة والشجاعة" من اجل "الضرب بيد من حديد" على رؤوس كبار الفاسدين، سيما السياسيين منهم.

وقبل ان نبرر لاحد او ندين احد، ينبغي ان نتذكر ان المعركة ضد الارهاب او الفساد في العراق، لا تقتصر على فئة دون اخرى، بل هي معركة الجميع، وبالاخص من يتصدى لها من المسؤولين، فمثلما خرج المواطنون في العاصمة بغداد والنجف وكربلاء وبابل والبصرة (التظاهرات شملت تسع محافظات عراقية)، ومثلما ايدت المرجعية السلطة التنفيذية للتصدي الى خطر الفساد، كان لازما على من خوله الشعب او المرجعية، التصدي للفاسدين... وان لم يستطع، فعلى الاقل ليفسح المجال لمن له القدرة على ذلك.

العبادي الذي اصبح الواجهة الرئيسية للقضاء على الفساد وتحقيق الاصلاحات في العراق، بعد التخويل الشعبي والمرجعي له، وما لحقه من تخويل تشريعي (البرلمان) في وقت لاحق ايضا، اصبح اليوم عند مفترق طرق... احدها يقود الى اعادة تدوير الفساد وسحب الاصلاحات السابقة، او بالاحرى استرداد ما اعطته اليد اليمني باليد اليسرى.

اما الطريق الاخر... فيمكن ان يقود الى المزيد من الصراع مع الفساد ومع الرؤوس الكبيرة في القضاء والبرلمان والوزرات وفي اغلب مؤسسات الدولة، حرب لن تنتهي الا بهزيمة احد الطرفين وانتصار الاخر.

البعض يرى ان في كلا الطريقين ثمة مخاطر تهدد وجود الدولة العراقية، فمهادنة الفساد تعني الاستسلام والسماح له بالتمكين والغلبة، اما المواجهة المباشرة فقد تسبب المزيد من الضعف للدولة التي تحاول الوقوف على قدميها من جديد بعد ما تعرضت له من نكسات كبيرة امام الارهاب على مدى عقد من الزمن... لكن الجميع يتفق على ضرورة اتخاذ خطوة نحو الامام، بدلا من التحول الى وضع السكون... الذي غالبا ما يتعرض الى المزيد من القيود، والاغلال.

البعض الاخر يرى ان العبادي خسر الكثير من الدعم والتأييد اللذان حظي بهما في بداية الامر، البطء والتردد هما العنصران الابرز وراء هذه الخسارة... وقد ربط بعض المحللين بينها وبين عدم استقبال المرجع (السيستاني) للعبادي خلال زيارة الاخير الى النجف، بالرغم من لقاءه لمرجعيات دينية اخرى كالمرجع (بشير النجفي) و(محمد سعيد الحكيم)، اضافة الى زعيم التيار الصدري (مقتدى الصدر).

بالمقابل فان تحركات مضادة لتحركات العبادي اخذت بالتوسع التدريجي لاحتواء اي مسعى يمكن ان يحقق تقدما حقيقيا في طريق الاصلاح، ربما كان اخرها التهديد بسحب الثقة من حكومة العبادي، فضلا عن تصويت البرلمان بالتاكيد على انه صاحب الكلمة الفصل في اي خطوة اصلاحية قادمة...

هذا الصراع الداخلي لن يولد اي اصلاحات ملموسة على مدى الايام والاشهر القادمة... ربما سيولد المزيد من الازمات والازمات... السبب في ذلك هو المنظومة السياسية التي شكلت منظومة كبيرة من شبكات الفساد في مجمل مفاصل الدولة، وما لم يتم قلع جذور الفساد من الاساس، فالحديث عن (الف) رئيس وزراء عراقي قادم للسلطة، لن يستطيع اي احدا منهم تغيير المعادلة (السياسية الفاسدة) القائمة حاليا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0