حسب تعريف البنك الدولي، الفساد هو "اساءة استخدام السلطة لأجل منافع ذاتية". في استبيان carnegie لعام 2016 عن العالم العربي، أجاب تقريبا نصف عدد المستجوبين البالغ عددهم 103 بأن الفساد واحد من بين ثلاث قضايا اقليمية ضاغطة. في الدول العربية هناك مستويات مختلفة من الفساد، تبدأ من الحجم الصغير، مثل رشوة شرطي المرور، الى المتوسط مثل المحسوبية والمنسوبية في عمليات التأجير، الى فساد كبير يُمارس على نطاق واسع، مثل التوزيع غير العادل للموارد في تفضيل جماعة اثنية او دينية او على شكل حكومة لصوص كاملة Kleptocracy(1).

وعلى الرغم من ان المستويات الحقيقية للفساد قد لا تسير نحو التصاعد، لكن انطباع الناس عن الفساد يؤكد عكس ذلك. ومع ان معظم الناس في المنطقة سواء كانوا داخل او خارج الحكومة يتفقون على اهمية مكافحة الفساد، لكن تلك الجهود باءت بالفشل. الفساد، فيما عدا تونس، أصبح نظاما يتعزز ذاتيا بمعنى انه "جزء لا يتجزأ" من الانظمة الاقليمية ذاتها، وطبقا لأحد الاكاديميين المصريين، فان الدول العربية تحوز على سمات اوتوقراطية مختلفة مترابطة مع الفساد. في الانظمة السلطوية، تسيطر النخبة بدرجة ما على جميع دعامات السلطة.

المعالجة الكافية للفساد في المنطقة تتطلب ليس فقط اصلاحات مثل ممارسة حرية المعلومات، وقوانين التصريح بالاصول او حلول تكنلوجية مثل المبادرات الحكومية، وانما تحتاج ايضا الى تغيير جذري في الثقافة السياسية التي يزدهر في ظلها الفساد.

في عدة أماكن، مثل دول الخليج ولبنان والمغرب، تكون معالجة الفساد ضارة للنخب الحاكمة التي تستفيد من الوضع القائم. لكن الفشل في معالجة هذه المشكلة يقود الى عدم الاستقرار الذي قد يؤذي النظام كثيرا وكذلك مصالح النخبة. هذه النخبة عادة تسيطر على المفاصل الاساسية مثل قنوات الاعلام الرئيسية، القطاع الخاص، الصناعات الاساسية، وفي اوقات معينة حتى على منظمات المجتمع المدني الفاعلة. من خلال هذه المفاصل هم يستطيعون تأجيل القرارات التشريعية والأحكام القضائية.

العديد من الدول العربية تميل لإمتلاك قطاع عام كبير ومترهل، والذي هو حافز أخر للفساد. في الدول الغنية بالبترول، يتم توزيع الريع بطريقة تغذي الفساد. حيث يذكر احد النشطاء اللبنانيين ان "عدم تعيين ذوي الكفاءة في الادارة العامة وشيوع الزبائنية والمحسوبية والاعتبارات الطائفية عادة يقود الى ايجاد موظفين عموميين غير كفوئين هم اما يشاركون في ممارسة الفساد او يساهمون في تغطيته". المحسوبية في عموم المنطقة تقود الى حلقة دائرية مخيفة من البيروقراطيات السيئة الأداء، والتي تُضعف الثقة في المؤسسات والتي بدورها تغذي مزيدا من الفساد.

أضرار الفساد

يُعتبر الفساد مكلفا. فهو يعمل على إعاقة النمو الاقتصادي، حيث في البلد الفاسد او الصناعة الفاسدة "يختفي الحافز لدى الشركات لتحسين نوعية السلعة، وستتوقف مكاسب الانتاجية والابتكار اللذان يأتيان من شركات جديدة". بكلمة اخرى، الفساد يُضعف تنافسية الاقتصاد ويكبح الاستثمار ويحول دون خلق الوظائف. في احدى الدراسات وُجد ان المستوى المنخفض من العائد الضريبي في العالم العربي هو جزئيا يعود الى الفساد. هذا الامر خصيصا مثير للقلق في ضوء عدم مقدرة الدول العربية النفطية الإعتماد على الموارد النفطية، وحيث الاحتياطات تنضب بسرعة وعوائدها بدأت تتناقص بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية.

وكما يشير احد التقارير "بالنسبة للدول ذات الاحتياطات الكبيرة من النفط والغاز، مثل السعودية، فان زيادة العائد الضريبي لم يعد مطلباً اساسيا، مع انه لايزال ضروريا للاستدامة المالية الطويلة الأجل"، خاصة في ضوء الزيادة الكبيرة في الانفاق منذ بداية الربيع العربي. الفساد له ايضا تأثير أمني ضار. انه يوفر فرص لتهريب السلاح والمخدرات والاشخاص في محاولة لجلب البضائع المهربة للبلاد.

التراخي في السيطرة على المنافذ الحدودية الناتج عن نظام مرتكز على الرشوة يمكنه ان يصنع غسيل اموال بسهولة ويسمح بانتشار الارهاب. وكما لاحظ محلل أمني تونسي، ان الرقابة في المنافذ الحدودية ليس لها اهمية اذا كان مسؤولو الكمارك يستمتعون بفسادهم ويسمحون بعبور البضائع المهربة. كذلك، المواطنون الذين تنشأ لديهم عدم ثقة وكراهية نحو الحكومات سيتصورون تلك الحكومات فاسدة ويكونون اكثر رغبة للالتحاق بالجماعات الارهابية التي يمكن ان تدّعي انها تقاتل قادة الفساد او تمارس أنشطة اخرى ضارة بالدولة ومصالحها.

واستنتج البحث ايضا ان الدول العربية لديها غموض كبير وعدم شفافية عالية في قطاعات الأمن بالإضافة الى نقص الرقابة وضعف مشاركة المواطن بما يقود الى مخاطر فساد كبيرة داخل هذه القطاعات. تقرير الشفافية الدولية لعام 2013 وجد ان الجزائر ومصر وليبيا وسوريا واليمن جميعها فيها مستويات خطيرة من الفساد".

كذلك يقلل الفساد ايضا من مستوى نوعية مؤسسات الحكومة خاصة البيروقراطية. عندما يصبح البيروقراطيون معتادون على الاشتراك في ممارسات الفساد، فانه يصبح من الصعب تنفيذ السياسات العامة التي تصب في مصلحة الدولة والمواطن. في الدول الغنية بالموارد، يؤدي الهبوط في نظام الريع الى فساد آخر وبالتالي الى تمييز اكثر ضد العمال الوافدين وغير المواطنين الذين يتنافسون على الموارد المحدودة.

طرق المواجهة

1- تتطلب مواجهة الفساد اطارا قانونيا يتضمن تشريعات تتعلق بالوصول الى المعلومات وتصريحات بالاصول ونظام قضائي قوي وجهات متخصصة لمعاقبة الجرائم المتصلة بالفساد. في كل دول المنطقة، عادة لايتم فرض وتطبيق قوانين مكافحة الفساد المنشورة رسميا. بدون مسائلة، تصبح حقوق المواطنين والرغبة السياسية لفرضها، وقوانين الوصول الى المعلومات واجراءات الشفافية القانونية الاخرى كلها بلا معنى.

2- احدى الوسائل الفعالة في مكافحة الفساد هي وجود هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد، مثل تلك الهيئة القائمة في تونس، حيث الوكالة الوطنية لمكافحة الفساد INLUCC التي تُموّل من جانب الحكومة لكنها تعمل كهيئة مستقلة للتحقيق في الفساد. ولكي تنجح هذه الهيئات، يجب ان تكون متحررة من التدخل الحكومي ولديها التمويل الكافي وعدد لا بأس به من الموظفين للتحقيق في الحجم الهائل من حالات الفساد.

3- وهناك آلية اخرى لمواجهة الفساد نجحت في مناطق اخرى هي اجراءات وعمليات الحكومة الالكترونية. رقمنة العمليات البيروقراطية مثل عمليات الكمارك وتسجيل شركات الاعمال واجراءات الجباية يمكنها ان تكبح فرص الرشاوي والمحسوبية والصفقات الجانبية عبر تطبيق جميع الاجراءات من خلال بوابة الكترونية غير بشرية. ومع ان الحكومة الالكترونية قد لا تكون ملائمة لجميع الظروف، لكن الحكومات العربية التي تستخدم التكنلوجيا الرقمية وتعمّم تطبيقها سوف تخلق مزيد من الثقة لدى الناس الذين سيفضلون إكمال اجراءاتهم عبر القنوات الرسمية الملائمة.

4- يجب ان تستمر الشعوب العربية (بالاضافة الى المنظمات الدولية مثل الشفافية الدولية) بالضغط على القادة العرب لإيقاف الفساد، حتى بطرق بسيطة. كذلك، إبراز الارتباط بين الفساد والأمن، وبين الفساد والهبوط الاقتصادي من شأنه ان يحفز على المزيد من الوعي والعمل. المجتمع المدني واللاعبون الدوليون يجب ان يستخدموا الى اقصى حد الميديا والتغطية الاعلامية الدبلوماسية للفساد، لأن الأنظمة عادة تهتم بصورتها في الداخل وفي الخارج، وتسعى الى إعطاء مثال ايجابي لجهود مكافحة الفساد.

....................................
- المصدر: الحوكمة ومستقبل العالم العربي، Carnegie Endowment for International peace.
الهوامش:
(1) كليبتوقراطية، مفردة من اصل يوناني تعني حكم اللصوص، حيث يقوم نظام الحكم على القادة الفاسدين الذين يستخدمون سلطتهم لإستغلال الناس والموارد الطبيعية في بلدانهم كي يضاعفوا ثروتهم الشخصية وقوتهم السياسية. هذا النظام يستلزم الاحتيال على المال العام على حساب جموع الناس. تختلف الكليبتوقراطية عن البلوتوكراسية (حيث يُحكم المجتمع او يُوجّه بواسطة افراد من ذوي الثروة الكبيرة) وعن الاوليغارشية (وهو شكل من حكم تستقر فيه السلطة لدى عدد قليل من الناس المتميزين بالثروة او التعليم او المكانة الدينية وغيرها). النظام الكليبتوقراطي هو حكومة يديرها سياسيون فاسدون يستخدمون سلطتهم السياسية للاستحواذ على الرشاوي والامتيازات الخاصة على حساب السكان، او ببساطة، يوجّهون موارد الدولة لأنفسهم او لأقربائهم او للمرتبطين بهم. الكليبتوقراط يستخدمون قوتهم السياسية لتمرير القوانين التي تثري جيوبهم او جيوب حاشيتهم وهم عادة يخرقون او يلتفون على حكم القانون. هذا النظام اكثر شيوعا في الدول النامية او الدول المنهارة التي يعتمد اقتصادها على التجارة بالموارد الطبيعية، حيث تبيع هذه الدول مواردها لتحصل على ريع اقتصادي، وهو ريع يسهل على القادة الفاسدين سرقته دون إحداث نقص في عائدات تلك الموارد، بما يقود الى تراكم الثروة لدى النخب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8