سياسة - الحكم الرشيد

الفساد: إستراتيجية لتحريك المجتمع

المحور الثاني: القطاع الاقتصادي والمالي والاداري
ورقة دراسة موجزة: د. محمد سعيد الشكرجي

نحاول فيما يلي تبيان ضرورة العلاج الجذري لمظاهر الفساد في العراق ثم تحديد مفهوم الفساد وتشخيص بيئته المرتبطة بضعف مؤسسات الدولة الحديثة ثم نعرض استراتيجية تهدف الى استعادة تماسك المجتمع ضد فساده!

1/ ضرورة العلاج الجذري:

أثبتت التجارب المختلفة في العراق، وفي بلدان مماثلة أن القوانين والإجراءات التي تهدف الى مكافحة الفساد، رغم ضرورتها، لا تكفي لمواجهة ما يمكن وصفه بوباء الفساد بل تشكل ما يمكن تسميته بعملية إطفاء الحرائق "هنا وهناك". نتفق جميعاً على ادانة الفساد وعلى ضرورة سن القوانين الصارمة والإجراءات المناسبة لمكافحته في مختلف مرافق الدولة، وهي ضرورية طبعاً وتفرضها القيم الوطنية والأخلاقية وضرورة استمرار العيش في ظل مصالح مشتركة في المجتمع الواحد. لكن تعدد مظاهر الفساد وتنوع أشكاله وانتشار ثقافة تبريره تفرض علينا الاهتمام أيضاً بالعلاج الجذري والدائم، أي على المَدَيين المتوسط والبعيد. لأن الاجراءات الصارمة قد تؤدي الى محاكمة بعض الفاسدين وتردع بعضاً آخر، لكن يمكن التوقع أن فاسدين آخرين سيحلون محلهم لقوة شبكات الفساد. ثم ان الأجهزة الحكومية الإدارية والأمنية تعاني هي الأخرى من وجود بعض الفاسدين والمفسدين في مختلف مرافقها ومستوياتها، سواء في الدوائر الحكومية أو المستشفيات أو في مجالات الاستثمار، بل لقد تغلغل هذا الوباء الى بعض الأجهزة المعنية بمحاربة الفساد، كما هو معروف.

ينتمي هؤلاء الفاسدون اذاً الى بيئة اجتماعية ويحملون ثقافة تبرر لهم سرقة المال العام ونهب المواطنين ويشكلون غالباً شبكة تعاون وتنسيق في مختلف هذه المرافق. وقد مهدت المحاصصة الحزبية البغيضة لنمو حالة التواطؤ والتعاون بين الفاسدين على أعلى مستويات السلطات المختلفة. وحيث أن تشخيص الموضوع وفهم الحاضر بجذوره ضروريان للتمكن من الانطلاق نحو المستقبل بنظرة استراتيجية، أصبح من الواجب الابتعاد عن الخطب الحماسية والتعميمات المضللة لتحديد المفهوم والتعرف على خصوصيات وضع العراق وسياقه الديناميكي، كدولة ومجتمع، لتشخيص جذور الفساد وتفكيك الأسس التي يستند اليها على الأرض وفي العقلية السائدة وصولاً الى وضع معالجة فعالة وطويلة الأمد لهذا الوباء.

2/ مفهوم الفساد يشمل الحيتان والديدان!

الفساد ممارسة عرفتها جميع الدول منذ القدم والى اليوم، بدرجات متباينة حسب درجة تماسك المجتمع وقناعة القائمين على النظام، كالموظفين ورجال الأمن، بشفافية الحكام. ففي أيامنا هذه، تعاني بلدان مختلفة من ممارسات الفساد، وتشهد حتى النظم الديمقراطية تورط شخصيات سياسية واقتصادية رفيعة، في أمريكا وبريطانيا ودول أخرى، في تَسلّم عمولات واخفاء أرباح في حسابات سرية، كما كشفت عنها "أوراق الجنات" الضريبية (Paradise Papers) أواخر 2017، لكن يبقى الفساد محصوراً في حدود أنظمة اجتماعية وقانونية متماسكة، بينما يفتك الفساد باقتصاديات العديد من البلدان النامية وينهب ثرواتها، إذ يبتلع المسؤولون مع المقاولين الغربيين أو المحليين كلفة المشاريع بكاملها أحياناً. وتشكل حالة العراق نموذجاً ينطبق على بلدان عديدة مماثلة.

لذلك لا يمكن تحديد الفساد بعمولات المسؤولين الكبار مثلاً؟ بل هو كل ممارسة يقوم بها أحد ممثلي السلطات العامة بالاستفادة من موقعه الوظيفي، بدون وجه حق، لتحقيق مصالحه الشخصية أو استجابة لضغوط حزبه أو عائلته أو لأي سبب سواء في المجال الإداري، من تعيينات وايفادات وغيرها، أو بالتسلط على المال العام مباشرة. ويشمل الفساد المالي استلام عمولة أو رشوة من قبل الموظفين لتفضيل دافعيها على غيرهم من المتقدمين لتنفيذ المشاريع ولكن أيضاً لمحاباة طفل في المدرسة أو العناية بمريض في المستشفى، وقد يفرض الموظف نفسه أتاوة للموافقة على طلب أو ترخيص، أو غير ذلك. يساعدنا هذا الفهم الواقعي والشامل على ملاحقة حيتان الفساد و"ديدانه" في نفس الوقت! اذ نلاحظ أن الفساد في العراق، كما في العديد من البلدان المتخلفة، يستقبل الزائرين في المطار أحياناً!! ويحبط آمال المستثمرين العراقيين والأجانب أحياناً أخرى وينهب المراجعين في مختلف دوائر الدولة... هنا تكمن صعوبة مراقبة الفساد لوجود الفاسدين في كل مكان ولكونه يمثل ممارسة مرتبطة بثقافة المجتمع. في مثل هذه البلدان، تتخذ الإجراءات والقوانين وأجهزة النزاهة أهمية كبرى في مواجهة الفساد والفاسدين "الآن وهنا"، كما يقال، ولكن يجب دعمها باستراتيجية تقع في إطار معركة كبرى طويلة الأمد...

3/ بيئة الفساد وتعثر الدولة الحديثة

الخلفية الاجتماعية السياسية:

لماذا يتماسك المجتمع هناك (في الغرب) بينما يفتك الفساد بالدولة والمجتمع هنا، أي في العراق ودول مماثلة، اذ ينتشر الفساد كوباء متجذّر في واقع المجتمع؟ نفسر ذلك بأن الدولة الحديثة في العراق وبلدان الشرق الأوسط لم تنشأ كحصيلة لصراعات وتحولات اجتماعية بل بإقدام حكومات متسلطة ومرفوضة من المجتمع على تبني نسخة "غير مطابقة" للأصل الغربي وذلك بعد قرون من حكم الاستبداد الذي اعتاد على العبث بموارد المجتمع وتسبب في تجميد الفكر. لذلك يمكن الحديث عن حداثة مفقودة استُبدلت بدولة حديثة مستنسخة قامت على فرض القرارات "من فوق" وتسبّبت في تعميق الاضطرابات الاجتماعية وفي توسيع الهوة بين الدولة والمجتمع. وهنا اقتصر دور المحكومين فيها على التلقي والمعاناة أو الرفض بشكل أو بآخر، اذ اعتمد الحكام، جوهرياً وبشكل عام، على القوة العسكرية، منذ العهد العثماني والى بداية الألفية الثالثة، ولو بدرجات مختلفة وصياغات متباينة. أما مخرجات الدولة فتمثلت، رغم بعض الإنجازات هنا وهناك، بالضرائب والنهب المباشر أحياناً للمحكومين بابتزازهم وتأميم شركاتهم بلا مبرر ولا تعويض مناسب وبالتجنيد الاجباري التعسفي أو باستخدام العنف ضد المجتمع، لا سيما أيام الانقلابات العسكرية والحروب المدمرة.

البيئة الثقافية:

في هذا السياق، كرست العلاقة العدائية بين الحكام والمحكومين احتضان البيئة الثقافية والعقلية السائدة لممارسات التهرب من الضرائب والتشجيع على مخالفة القوانين والتفنن في نهب الدولة والمال العام عند التمكن. في الواقع، تشتمل منظومة القيم العشائرية التي يتبناها أو يتأثر بها غالبية العراقيين على إيجابيات رائعة، كالضيافة والكرم والشجاعة والحمية، ولكنها تكرس أيضاً الأنا الفخورة المؤسَسة على الانتماء العشائري والتي لا تعرف القبول بالوضع المتدني بإسباغ القداسة عليه، كما في الهند، ولا تتبنى تكريس مكانة الفرد في المجتمع الكبير، كما في التجربة الغربية.

لذلك وبدل انبثاق الدولة الحديثة عن المجتمع، تسبب وضعها وأداؤها في العراق الى أن تصبح عدوة المجتمع في عيون غالبية جماعاته وأفراده وفي تقوية تمسكهم، حتى في المدن، بروح العداء المتأصلة في ثقافتهم القبلية العشائرية لكل ما تمثله الدولة والمدينة. ومن ذلك انتشار ظواهر "ترييف المدينة"، التي تعكس ضياع قيم المدينة والريف معاً، وشيوع ما نسميه اليوم بالفساد الإداري والمالي. اذ يخلع الموظف الحكومي رداء خادم العموم للتلبس بلبوس الشيخ البدوي أو العشائري المفروض على العموم، أي الآخرين، فنراه يحرص على أبهة المكتب وزيادة مدخوله بتقبل الرشوة بمختلف أشكالها من هدايا وخدمات متبادلة مع أقرانه!! وقد يفرض الأتاوات على المراجعين ويُهين الفقراء منهم، وينهب المال العام بالوسائل المتاحة، عمولات وايفادات وغيرها، ويصبح "فرهود" البوادي والأرياف ممارسة مُدنية ونهب أموال الدولة بلا حدود الا (الخوف من الفضيحة).

إضافة الى ذلك، يشهد المجتمع ظواهر نابعة من عقدة استنكاف البدوي من العمل اليدوي بالخصوص، وهي عقدة كامنة في نفوس الكثيرين منّا، وأهم هذه الظواهر في المدن: التفنن في اختلاق الأعذار للتملص من ضوابط العمل وممارسة الغش ضد الآخرين والسرقة عند التمكن واعتبار كل ذلك "شطارة". وهكذا يساعدنا تشخيص ما نسميه بالحداثة المفقودة وغياب الرقابة الاجتماعية، بالمعنى المَدني (روح القوانين عند مونتسكيو)، على تفسير استمرار الثقافة المعادية للدولة وانتشار الفساد وصعوبة ملاحقة الفاسدين وشبكاتهم، وتمتعهم بأرضية ثقافية واجتماعية مشجعة، عموماً وليس دائماً بالطبع. كل ذلك يفرض علينا التفكير بوضع استراتيجية شاملة تدعم الإجراءات الفورية المباشرة وتسمح بتطبيق علاج متدرج ولكن فعّال وجذري...

4/ استراتيجية لاستعادة تماسك المجتمع ضد فساده!!

في مواجهة هذا الوضع الاجتماعي الحاضن للفساد، نقترح تنفيذ استراتيجية تحريك الجوانب (Parallel Strategy)، مقارنة باستراتيجية المواجهة (الساموراي) أو تلك القائمة على عمل شبكة مؤيدين (المكيافيلية) وغيرها. تعني استراتيجية تحريك الجوانب، في حالتنا، دعم القوانين والإجراءات والأجهزة المختصة بمحاربة الفساد من خلال حملة تربوية مجتمعية تتمتع بدعم قادة القطاعات الاجتماعية المختلفة بهدف تحريك أفرادها لمؤازرة هذا التوجه المركزي. ونرى أن تقوم هذه الاستراتيجية على إطلاق حملة لمدة يومين أو ثلاثة وبشكل دوري كل شهر ثم كل شهرين ثم كل ثلاثة شهور وهكذا بالتناقص الى حملة واحدة سنوياً مع زيادة عدد أيام الحملة في كل مرة. تشترط هذه الحملة لنجاحها انخراط القطاعات الاجتماعية المختلفة من خلال قياديين (أفراداً وهيئات) مؤثرين عليها وقادرين على تحريك أفرادها وكسب تأييدهم لتحقيق هذا الهدف المركزي والوطني الطابع.

تطبيق المقترح:

كتطبيق واقعي لهذا المقترح على الحرب المزمع شنها على الفساد من قبل رئيس مجلس الوزراء والذي شكل مؤخراً (المجلس الأعلى لمكافحة الفساد)، يقوم مقترحنا على توظيف طاقات المجتمع العراقي لدعم القوانين والإجراءات ضد الفساد في اطار استراتيجية تقوم على مشاركة مجتمعية في هذه المعركة من خلال انخراط القيادات المختلفة، من سياسيين وإعلاميين واقتصاديين وتربويين ومراجع دين، من مختلف الأديان والمذاهب، ومنظمات مجتمع مدني لتأمين تحرك الجميع، في نفس الوقت، وذلك للحصول على أكبر تأثير ممكن على مختلف أفراد المجتمع وفي اتجاه ذات الهدف، أي مكافحة الفساد والفاسدين، سواء الحيتان منهم أو الديدان!

يعني ذلك أننا سنحصل على حركة اجتماعية تطلق الطاقات الحية في المجتمع، لكون هذه الحركة موجهة وعفوية في نفس الوقت، وليس مجرد حملة وطنية دورية لمحاربة الفساد. تشمل هذه الحملة عناصر عديدة نذكر منها: برامج توجيهية وندوات على القنوات التلفزيونية ومحطات الراديو، مواقف (فتاوى) مراجع الدين وخطب في الجوامع والكنائس وغيرها من المعابد، اجتماعات ونشاطات منظمات المجتمع المدني إضافة الى تصعيد المظاهرات الحالية لمحاصرة الفساد والفاسدين. ويمكن أن تتضمن الحملة أيضاً تحريض المواطنين على الامتناع الجماعي عن تقديم الرشاوي عند مراجعتهم لدوائر الدولة مع توفير عناصر أمن ومخابرات في الدوائر المختلفة لدعم "اعتصام" المواطنين وفضح الموظفين الفاسدين وشبكاتهم.

وهكذا سنحصل على عنصر التجاوب الشعبي مع الهدف وعلى ممارسة تربوية تستفيد من الأنا الفخورة في اتجاه إيجابي هذه المرة، اذ ستردع صاحبها خوفاً من الوقوع في الخزي الذي سيطال الفاسدين مع ترسيخ الحملة لمعاداة الفساد في نفوس أفراد المجتمع وتأكيد مشروعية الحرب على الفاسدين وضرورة استرجاع المال العام منهم. عندها سنتمكن من تشخيص العناصر العنيدة التي ستظهر على المشهد لمعالجتها وفق القوانين المتعلقة بالموضوع أو بتوفير الاهتمام اللازم بها لتحقيق اندماجها في هذه الحركة التي أصبحت جماعية.

مساهمة في بناء الدولة:

بناء على ما تقدم، ستساهم هذه الاستراتيجية أيضاً في تقدم عملية الصراع الاجتماعي بالمعنى الإيجابي للمصطلح وعلى أسس حقيقية تتعلق ببناء الدولة الحديثة والمجتمع المدني وستساهم بالتالي أيضاً في تعويض ما أسميناه بالحداثة المفقودة، في أهم جوانبها، أي التفاعل الاجتماعي لتحقيق الاندماج المجتمعي. فالمجتمع والوطنية وحب البلاد مفردات تجريدية أو نظرية لا تعني الكثير على أرض الواقع في ظل استقواء الهويات الثانوية أو الفرعية والتشظي المجتمعي المرافق لها. لذلك فان هذه الحملة ستساهم بوسائل إعلامية وتربوية وممارسة جماعية ذات تأثير نفسي وسلوكي، في صهر الانتماءات الفرعية وتكييف المصالح الفردية والجماعية في إطار احترام المصلحة العامة والقوانين والمال العام وفي ظل الانتماء للمجتمع الواحد.

ختاماً، ينبغي التذكير بحقيقة مهمة: أننا هنا لسنا بصدد اتخاذ قرارات لتغيير الواقع!!!، بل بإطلاق عملية (Process) تغيير اجتماعي ديناميكي، أي مستمر، متدرج وعميق الأثر، وذلك بالاستفادة من الإمكانيات التي يتيحها نظامنا الديمقراطي رغم اخفاقاته. وبالتالي ستؤدي هذه العملية الى تعزيز بناء الدولة الوطنية والنظام الديمقراطي الوليد، وستسمح أيضاً بتقدم الفرد والمجتمع معاً.

.................................
* تدعو الأمانة العامة للهيئة الاستشارية العراقية للإعمار والتطوير (ICADP)، التي تأسست عام 2010، الأخوات والإخوة الزملاء الأعزاء من الأكاديميين والخبراء العراقيين المختصين في مختلف المجالات والميادين العلمية والثقافية من داخل العراق وخارجه، لتقديم رؤيتهم لإصلاح الوضع في العراق، من خلال: تقييم تجربة الحكم والعملية السياسية وإدارة الدولة ما بعد عام 2003 وإيجاد الحلول الناجعة لإخفاقاتها، عِبرَ مشاركتهم بدراساتهم ومقترحاتهم العلمية كلٌ حسب اختصاصه، وتقييمها بالشكل التالي:
أولاً ـــ تحديد المشاكل والمعوقات فيما يتعلق بالموضوع الذي يتم إختياره.
ثانياً ـــ تقديم الحلول والمقترحات العلمية الواقعية لها دون الخوض في تفاصيلها.
وإرسالها عن طريق البريد الالكتروني: E- mail: icadp@ymail.com
د. رؤوف محمّد علي الأنصاري/الأمين العام

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4