زحمة الكلمات حول الاصلاح في العراق تكاد تشبه زحمة المرور صباح الاحد في بغداد، شعارات كبيرة تطلقها الحكومة لا تحرك ساكنا، وتقاذف بالاتهامات بين طرف يرفع راية الحرب على الفساد واخرى ترفض الاستسلام من خلال رفع ذات الراية، فلكل طريقه الخاص في التعبير عن "سياسة الفراغ".

الحكومة العراقية اعلنت نهاية الحرب على داعش، التي كانت الذريعة المناسبة للتملص من التزاماتها تجاه الشعب، فالخدمات وتوفير الوظائف وحتى الاعتراضات على اداء الحكومة ممنوع التصريح عنها لان الهدف تحرير الارض، رغم ان هناك تسع محافظات لم تكن فيها اي عمليات عسكرية وتمارس حياتها بشكل طبيعي باستثناء غياب الخدمات.

هذه الاستراتيجية في التصدي للمطالب الشعبية لا تتعلق بمنظومة الحكم الحالية فقط، اذ تطورت على مر العقود السابقة، حيث تلجأ السلطات الفاشلة الى القاء اللوم على عدو خارجي (وهمي في اغلب الاحيان)، تقذف عليه كل الاتهامات بعرقلة سير الخطط بالشكل المطلوب، وكانها وثيقة براءة عن فساد الحكومة.

نهاية داعش تعني بداية المتاعب للحكومة، فالذريعة قد ماتت ولا بد من شن حرب جديدة يتم تعليق كل الامال الشعبية حتى نهاية هذه الحرب المفترضة، ولهذا السبب فتحت السلطات الحاكمة صفحة جديدة للحرب اسمتها الحرب على الفساد من اجل استعادة حقوق المواطن المسلوبة، وتوفير حياة افضل، من خلال الاموال التي سوف تجنيها بعد تحقيق الانتصار المأمول.

هذا الفساد الذي يشار اليه دائما يعشعش في مجموعات قوية وخلفه احزاب كبرى تدافع حتى الموت، وبعضه مسنود من دول خارجية، وهو مستعد لتدمير من يعرقل الطرق غير القانونية في جمع المال والسيطرة على منافذ القرار.

لكن الارادة الوطنية اقوى من ان تهزمها زمر تشربت في ثروات الوطن، كما يقول جيش الحرب على الفساد، ولهذا من الضروري مساندة الجهود الوطنية لتحقيق نصر جديد، فيما تبقى امنيات العيش الكريم مؤجلة الى مرحلة ما بعد الحرب.

اما خصوم الحكومة واغلبهم قد مارسوا السياسة الحالية ويعرفون السبب الكامن ورائها فانهم قد استعدوا بكل الاسلحة المتاحة، فاتهموها باستخدام سلطتها للترويج الانتخابي المبكر، والانتقائية في اختيار الملفات المثيرة للجدل. انهم يجيدون فن التلاعب بالشارع لا سيما عندما يتعلق الموضوع بالجانب الطائفي.

الحرب التي تقرع طبولها كل مساء في نشرات الاخبار لم تحل ازمة الاستيقاض الاجباري المبكر جدا للمواطن البغدادي، إذ تعود الوقوف طويلا في طوابير الزحامات المرورية، وما زاد من معاناته هو جهاز البصمة الالكترونية ذلك الابتكار الثوري في دوائر الدولة المستورد من اجل ممارسة القمع ضد موظفين يجيدون شرب الشاي، وهنا لم يكن امام المواطن اي حل سوى النوم مبكرا ليستطيع ترتيب اوضاعه قبل صلاة الفجر منطلقا نحو مكان عمل يبعد كيلومترات قليلة وفق مقاييس القرن الحادي والعشرون لكنها طويلة جدا وفق واقع الطرق والجسور في بغداد.

جسر محمد القاسم الواقع في جانب الرصافة من بغداد، متهالك منذ سنوات لم تستطع حكومة الاصلاحات والحرب على الفساد وضح حد لمعاناته، فهو مصاب بشروخ بليغة تهدد بسقوطه في حال استمرار سير العجلات دون علاجه، اغلقته امانة بغداد لغرض الاصلاح، فتكدست السيارات بجميع مناطق الرصافة وانهالت الانتقادات ضد هذا الاجراء، فتحت امانة لعاصمة الجسر لكنه بقي مصابا.

لماذا اغلق الجسر ولماذا تم فتحه دون اي تغيير في حاله؟

سؤال يتداوله المواطن وتجيب عليه معطيات الواقع، العراق لا يملك مفك براغي لتصليح الجسر، وامانة العاصمة أضعف من ان تضع خلية ازمة لمتابعة هذه القضية لذلك تم تأجيلها ووضعها في خانة الاصلاحات المتنازع عليها.

الادارة التي تفشل في اصلاح جسر حيوي يمثل الشريان الابهر لبغداد لا بد ان تستبدل بأخرى ناجحة، والا فان الحكومة ستضعف كثيرا امام "حيتان الفساد"، ويصبح التجاوز الى القانون ممارسة يومية، فتخيب امال الكثير من المواطنين الذين يرون فيها قارب النجاة الاخير بعد سنوات من الخراب.

لا نستبق نتائج حملة الحكومة لمكافحة الفساد لكن وظيفة الصحافة هي التنبيه عن الاخطاء، لذلك فالفشل في ايجاد مفك براغي لجسر مصاب بالشيخوخة اسهل بكثير من شن الحرب على مافيات كبرى وقد فشلت امانة بغداد في هذا الملف وامام اعين الحكومة، فهل تستطيع ادارة مثل هذه ان تدير ملفات كبيرة على غرار الحرب على الفساد؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0