هناك شواهد وأدلة لا يمكن تجاوزها، تثبت أن طبيعة البناء الذي ترتكز عليه الحوزات، في مجمل أنشطتها العلمية و العملية، تؤكد أننا إزاء نموذج ناجح، يمكن أن يكون مثالا للآخرين في البناء الحضاري الأمثل، ونعني هنا الحوزة العلمية الراسخة، والمتَّفَق بصورة شبه تامة، أي بأكثرية واضحة، على حضورها الفاعل في الساحة الإسلامية، هذا يعني أننا (في حقول ومجالات العمل الاخرى، سياسية، اقتصادية، تعليمية، ثقافية)، يمكن ان نسترشد بالبناء النموذجي للحوزة العلمية القادرة على كسب اكبر قدر ممكن من المؤيدين لها، من خلال العلاقة الجوهرية التصاعدية التي تربط بين الطرفين عبر قرون متعاقبة.

هذا يعني أن بناء النموذج يعدّ الهدف الاول للحوزات العلمية، على أن يبقى الطموح في هذا الاتجاه قائما ومستمرا، لأن الشعور بالتفوّق قد يعمل بالضد من الاهداف التي تتوخاها النماذج الناجحة، لذلك ينبغي أن يبقى الشعور بالحاجة الى التطور والابداع، هو الدافع الاول نحو تحقيق نجاحات متواصلة، من هناك لا تكتفي الحوزة العلمية ولا تتوقف بمسارها التصاعدي في البناء عند درجة معينة، لأن سلّم النجاح لا نهاية له، إنه مستمر بالعلوّ والتقدم، وهكذا ينبغي أن يكون الهدف الدائم للحوزة العلمية، حتى يتحقق البناء الفعلي للنموذج الناجح.

ولكي تبقى الحوزات العلمية في بنائها العلمي والعملي، دليلا على امكانية التطور، وحافزا لعامة الناس بالصورة الجماعية والفردية، حتى يندفع الانسان نحو التطور بصورة دائمة، فالابداع في حقيقة الامر لا يتوقف عند حد معين، وعندما تمثل الحوزة العلمية البناء النموذجي للآخرين، فإنها بذلك تُسهم في بناء المجتمع النموذجي، وهذا لن يتم من دون الخطوات والاجراءات التي تقوم بها الحوزة، لكي تثبت للجميع، أنها أهلاً للمهام الموكلة لها، وجل هذه المهام يتعلق بتحفيز الناس، (أفردا، أو مؤسسات، أو جماعات)،على بلوغ المرتبة العليا من النجاح.

وهناك مجالات عملية علمية تستطيع الحوزات من خلالها، أن تقدم كل ما يحتاجه المجتمع والفرد، من دوافع كي يمضي قُدُماً باتجاه البناء الناجح، فعندما تبذل الحوزة اقصى ما في وسعها بمجال الابداع، والاهتمام بالثقافة، وتطوير الوعي الجمعي، وعندما تستطيع أن تدير شؤونها ومؤسساتها عبر ادارة دقيقة منتظمة ناجحة، فإنها بذلك تصلح مثالا للنجاح الاداري الذي سيسهم بدوره، في تطور المهارات الفردية للمجتمع، على مستوى الادارة الذاتية (مثل ادارة شؤون الشخص والعائلة)، وعلى مستوى ادارة العمل الجماعي، كما لاحظ ذلك في المؤسسات الفكرية او المادية الانتاجية، فكلا النوعين من الادارة، يحتاج الى مهارات متطورة وفعالة لها خبرات كبيرة ومتراكمة في الجانب الاداري، ويمكن للحوزة العلمية ان تقدم النموذج الناجح في هذا المجال، للفرد والمجتمع على حد سواء.

يندرج في هذا الجانب، الاعمال التي يمكن للحوزة العلمية أن تتقنها، وتبدع فيها، بمعنى لا ينحصر نجاح الحوزات في الجانب الاداري فحسب، ولا ينبغي ان تنحصر مثاليتها في هذا الجانب، بل لابد ان يكون النجاح في مجالات اخرى كثيرة تختص بها الحوزات العلمية، كما في الجانب العلمي، حيث اعداد المهارات من طلاب وخطباء ورجال دين وما شابه، وهذا يندرج في خانة الابداع العلمي، فكلما كان الطالب الحوزوي ذا آفاق فكرية واسعة، وذا قدرات علمية واضحة، كلما أثبت ذلك نجاح الحوزة في بناء النموذج المتطور والمطلوب.

لذلك لا يمكن أن نتصور نجاح الحوزة من دون تحقيق التميّز والابداع في تخريج كفاءات عالية ومتميزة من الطلاب، بإمكانهم المساهمة الفعالة في تقديم العون العلمي الثقافي الديني الى المجتمع لاسيما الشرائح (الفقيرة) التي غالبا ما تحتاج الى التنوير والتوضيح بصورة دائمة، لكي تبقى قادرة على فهم واقعها وتعمل على تطويره، وحتى يتسنى لهذا المجتمع أن يحقق النجاح المطلوب في المجالات كافة، وهذا بدوره سوف يمنح المجتمع قدرة على مجاراة الحداثة والمعاصَرة، ومن ثم الاصطفاف الى جانب الامم والشعوب التي تتصدر قيادة العالم علميا وحضاريا، وكل ذلك يعتمد على النموذج الناجح الذي تمثله الحوزة العلمية للآخرين.

لذلك فإن واقع الحال يفرز لنا، حوزات علمية فاعلة ذات بناء ناجح، لها تأثيرها المباشر على طبقات واسعة من المسلمين، في حين هناك حوزات بالاسم فقط!!، بمعنى لا يعرف منها الناس سوى اسمها، بسبب ضعفها وقلّة فاعليتها في المجتمع على الأصعدة كافة، كونها أساسا لا تشكل نموذجا للناس، لأسباب معروفة، اما انها فاقدة لاستقلاليتها وتابعة للحكومة أو منظمات تقودها وتسيّرها كما ترغب وفق اهداف مغرضة ومحددة مسبقا، أو انها غير متميزة علميا، حتى في الجانب الاداري قاصرة وشبه عاجزة، لذلك لا يمكنها ان تشكل مثالا يحتذى به، على خلاف الحوزة العلمية الرصينة، إذ تعتمد التطوير والمواكبة والابداع والتجديد والتركيز على تخريج الكفاءات، وغالبا ما تنجح الحوزات العلمية الموثوق بها بكل الاختبارات التي تتعرض لها والازمات التي تواجهها.

ويمكن ان يكون للتواصل الفعال مع الجامعات الاكاديمية وإيجاد حال التكامل ان يخلق نموذجا حضاريا متميزا يشكل خطوة ديناميكية لإيجاد التراكم المعرفي البناء والتقدمي.

كذلك فان وجود المؤسسات الفكرية الرديفة في الحوزات مثل مراكز الدراسات والأبحاث يشكل عنصرا هاما في بناء الزخم الفكري العميق لخلق حالة الإنجاز الابتكاري والمتقدم والمستشرف للمستقبل.

ومن تجسيد نمذجة الحوزات هو الذهاب بمنهجية استراتيجية متكاملة نحو خلق المؤسساتية الموضوعية حيث يكون للاهداف الحضارية الكبرى المحورية الأساسية، بعيدا عن المصالح الفردية والفئوية المؤقتة.

وعنصر الاستشارية هو اهم أعمدة خلق النموذج الناجح عبر عملية جمع العقول واستيعابها وبوتقتها دون تهميش او استبعاد او استئثار، لذلك فان الشورى والاستشارية في هيكلية الحوزات العلمية تساهم بشكل جوهري في بناء النموذج الصالح وتحوله الى نمذجة منهجية معيارية لاجيال المستقبل.

من هنا لابد للحوزات العلمية الرصينة من الاصرار على أن تكون نموذجا للبناء الناجح، ودافعا يحفّز الفرد والمجتمع لكي ينحو بصورة دائمة صوب النجاح والتميّز، وهذا هو الذي يتحقق فعلا في الميادين العلمية العملية، بسبب قناعة الناس بالحوزة العلمية الراسخة، على خلاف الحوزة التابعة التي غالبا ما تعاني من الضعف في جميع المجالات على حد سواء.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1