على الرغم من أننا بعيدون عن موقع الحادث الجلل للعلامة الشاب محمد جواد في المكان والزمان، إلا أن خبر رحيله الصادم وقع علينا وقع الصاعقة، خاصة ان سماحته لا يزال في قمة العطاء وفي مقتبل العمر، وأن مشاريعه التثقيفية بدأت للتو تزدهر وترى النور، وتنتقل الى الشباب الذين يدرسون على يد الراحل العلامة الشاب المواظب على العلم والتعمق فيه، تماشيا مع الجذور العلمية والفقهية التي ينحدر منها.

فيكفي أن نذكر وأن نطلع على القليل القليل من هذه الجذور الفقهية المعرفية العميقة، لكي نفهم من هو العلامة الشاب محمد جواد، إنه سليل العائلة الشيرازية العريقة، وجده هو العلامة الفارقة في تاريخ العلم والفقه الاسلامي، ألا وهو الامام الراحل، سماحة آية الله العظمى، المجدد الثاني محمد الحسيني الشيرازي، تغمده الله برحمته وفسيح جناته، إنه نعم المولى ونعم المجيب.

إن هذا الرحيل الصادم، مع أننا نؤمن بحكمة الله وإرادته ونؤمن بأن لا رادّ ولا سبيل إلا القبول بها، هذا الرحيل الجلل يفرض علينا مراجعات كثيرة، أهمها ماذا قدمنا في حياتنا لأنفسنا وللآخرين، وبأي الأعمال ماذا مهّدنا للحياة الأخرى التي سوف ننتقل إليها عاجلا أم آجلا، من قاعة الاختبار الاولى (الحياة)، وهل عبرنا اختبار الدار الاولى بنجاح، أم أننا في حالة تذبذب بين النجاح والفشل، أم أن فشلنا لا يزال يطغي على نجاحنا.

هكذا ينبغي أن ندرس أعمالنا وافعالنا، وأن نستفيد من تجربة الفقيد الشاب محمد جواد الشيرازي، الذي غادرنا مبكرا، لكنه ترك وراءه إرثا مهما، في مجال الفقه والدرس الحوزوي، لاسيما للشباب الذين درسوا على يديه، واغترفوا من تجربته ودروسه في الفقه الحوزوي والديني وفي مجالات المعرفة، ولا شك أن شخصية الفقيد، وأدبه الجم، وسمو أخلاقه، وارتقاء سلوكه الذي يتسق مع مكانته الكبيرة، لها الأثر المهم والراسخ في قلوب محبيه، والرعاة للأمانة والاخلاص والوفاء ممن أخذ على يديه الدرس والتعلم والفائدة.

أضف الى ذلك، هناك مريدون قريبون بالروح والقلب والمكان، من سماحة العلامة الشاب، وهؤلاء الذين كانوا على مقربة واحتكاك بسماحته، هم الذين تقع عليهم مسؤولية نقل تجربة الفقيد للآخرين، من اجل الاستفادة منها وخاصة الشباب المسلم الذي يحتاج الى النموذج دائما، ولا شك أن الفقيد السعيد رسّخ مجموعة من القيم الاسلامية والانسانية في نفوس الشباب، وجميع الذين كانوا بالقرب منه وعلى اطلاع مباشر على حياته الجادة.

فكل المؤشرات والركائز المعرفية ترى أن الشباب هم أمل الأمة، وانهم بحاجة الى النماذج الخلاقة التي تدعمهم في مواصلة طريق الاجتهاد والعلم والثقافة، وليس هناك نموذج أرقى ولا أنسب من شخصية العلامة محمد جواد الذي واتته المنية بصورة خاطفة، ولكنها لم تستطع إخفاء التأثير الكبير لشخصيته الانسانية المتسامحة، والباحثة عن النجاح والتطور القائم على السعي والاصرار والتطور المستمر.

ومع ذلك، أي مع جهوده في هذا المجال، وكما يظهر أن سماحته كان مستعدا لهذا الرحيل ومتهيئا لقدوم المنيّة المفاجئ، فالمؤمن هو من يتحسب لرحيله مثلما هو مستعد ومتحسّب لبقائه في هذه الدنيا الزائلة، لذلك ترك سماحة العلامة الشاب وراءه من الأعمال ما يكفي للتميز والتأثير بالآخرين من الشباب وغيرهم، خاصة ان سماحته باشر تقديم الدروس في الحوزة العلمية، وفي اختصاصات ومجالات مهمة، بحيث تتلمذ على يديه رهط من الشباب المؤمن المتحمس للتعلّم، وهؤلاء هم الذين سيحملون بعد سماحة الفقيد، لواء المعرفة والوعي، من أجل خدمة الاسلام والمسلمين في عموم أنحاء العالم.

إن هذه الكلمات التي دونها القلم بألم، حتما لا تفي حق الفقيد، ولا تضاهي مبلغ الألم الذي ألمّ بمحبيه ومريديه ومتابعيه، بل لا يمكن أن تضاهي المصاب الجلل الذي أصاب قلوب الأهل والاصحاب والمهتمين وهم كثيرون حتما، ولكن عزاءنا أننا نساهم في تأبين الفقيد السعيد العلامة الشاب محمد جواد، وهو الفنار الساطع في فضاء العلم والمعرفة، عسى أن ننال شيئا من بركاته في الدنيا والآخرة، خاصة أنه سليل العلماء الاجلاء من الاسرة الشيرازية الكريمة، التي عرفت بإخلاصها لآل بيت النبوة عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.

سائلين المولى عز وجل، أن يسكن الشهيد الفقيد، فسيح جناته، ويتغمده برحمته الواسعة، ويلحقه بأجداده الخلّص من الذين سبقوه الى دار الحق، ونسأله تعالى، أن يجعلنا من المتمسكين المؤمنين السائرين على هذا الخط وهذا الدرب الطويل، حتى ننال مرضاته تعالى، بشفاعة آل البيت صلوات الله عليهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0