إذا أردنا التمسك بفكرة "الأمة الشيعية" بدعوى مواجهة القوى الغاشمة التي تسبب اليوم بزعزعة الأمن والاستقرار في العالم، فهذا يعطي رسالة خاطئة تطمئنهم بأنهم لن يكونوا أمام قوة الحضارة الإسلامية، وإنما أمام قوة لها حدودها الجغرافية، ومساحاتها السكانية، ولا تبغي سوى الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي، وهو ما يمكن التفاوض عليه!
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.
سورة الأنبياء، الآية: 92
بين ظلال التحديات الخارجية الماحقة، ومشاعر الخيبة واليأس في الداخل، يبحث الانسان المسلم عمّا يمنحه القوة والمنعة كشخص، و كهوية، وانتماء للتخلّص –على الأقل- من مشاعر الخيبة واليأس من قدرته على مواجهة الهيمنة الخارجية على حياته في كل شيء، وفي نفس الوقت من قدرته على مواجهة الفساد والفشل والانحراف في الأنظمة السياسية الحاكمة في البلدان التي تحمل الهوية الإسلامية.
و رغم ما يرشح من اذهان المثقفين في كتاباتهم، وما يعبر عنه عامة الناس خلال تعليقاتهم على هذه الكتابات على منصات التواصل الاجتماعي، والتقاء الاثنين عند نقطة اليأس من وجود حلّ او خروج الى سبيل، رغم كل ذلك، يعزّ عليهم التخلّي عن القرآن الكريم، هذا الينبوع المتدفق دون توقف، والإرث الحضاري والثقافي الذي خلفه رسول الله، والأئمة الهداة المعصومين من بعده، وايضاً؛ المصلحون والأخيار ممن ضحوا بكل شيء لإبقاء جذوة الحضارة الإسلامية متقدة في النفوس، إنما المشكلة اليوم في ابتعاد هذا الينبوع والإرث الحضاري عن معايير القوة الحضارية في الوقت الحاضر، وبقائه في شرنقة التاريخ الجميل، وانقطاعه عن مسيرة التطور في الحياة.
فاذا كانت للحضارة الإسلامية فترة ازدهار فيما مضى من الزمن، فهل يبرر لنا اليوم القفز على ركام الفشل والهزيمة والانحراف، والبحث عن قوة وتفوق إسلامي من خلال أطر وهويات بديلة؟ وهل يصحّ أن تكون لدينا أكثر من "أمة"، وأكثر من "حضارة"؟!
استبدال العقيدة بالسياسة والايديولوجيا
الآية الكريمة التي صدرت بها المقال، اعتقد أنها تجسد محور الهوية والانتماء الى الإسلام، لما فيها من الحكمة السامية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فالحضارة والحياة السعيدة للمسلمين في إطار الأمة الواحدة، والبوصلة للوصول الى الهدف الأسمى؛ هي العقيدة، وجوهرها؛ عبادة الله –تعالى- ونفي مختلف اشكال العبادة التي تعرّف عليها الانسان منذ فجر الحضارات، ومنذ وعى على نفسه في الازمان الغابرة، فبدأ بعبادة الذات، ثم عبادة المال، وعبادة الحاكم القوي، ثم عبادة الأصنام واللجوء الى تعدد الآلهة بدعوى التعرّف على المسارات المعنوية في الحياة لحفظ النفس، والنسل، ومصادر العيش من المخاطر المختلفة.
وهذا تحديداً ما بشّر به رسول الله، صلى الله عليه وآله، أبناء قومه المشركين عندما دعاهم الى نبذ عبادة الأصنام، وقد استنكروا ذلك، فجاءه عمّه أبو طالب ينقل رسالتهم فقال له: "أي عمّ! أو لا أدعوهم الى ما هو خيرٌ لهم منها، أدعوهم الى أن يتكلموا بكلمة واحدة تدين لهم العرب، ويملكون بها العجم"، وهي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فهي ليست مجرد كلمة تُقال، إنما تختزل المنظومة الحضارية الجديدة للبشرية، فالقضية لم تكن عبادة الله –تعالى- بأداء الصلاة والصيام والحج وسائر الفرائض فقط، وإنما تضم الأخلاق، والثقافة، والفكر، ولم يكن بوسع رموز الجاهلية آنذاك فهم هذا المغزى، بيد أن البشرية في العالم شهدت هذا النور فيما بعد، من جزر اندونيسيا والصين، حتى بلاد المغرب العربي وافريقيا.
ومما يجدر الإشارة اليه، أن كيان الأمة الواحدة الذي أسسه رسول الله، صلى الله عليه وآله، والذي استمر لقرون عدّة تحت عنوان "دولة الخلافة"، عصفت بها الانشقاقات السياسية بسبب أخطاء كارثية للحكام في العهد العباسي فظهرت دول متعددة في شرق الوطن الإسلامي وفي غربه، مثل الدولة البويهية في ايران، والدولة الحمدانية في سوريا، والدولة الأدريسية في المغرب العربي، فقد تعددت الانتماءات السياسية وبقيت العقيدة واحدة، تضخ الثقافة والعلم والمعرفة في جميع البقاع الإسلامية، والأهم من هذا؛ البقاء في خندق واحد أمام التحديات الخارجية، فجميع هؤلاء كانوا يواجهون أعداء متعددين تحت راية واحدة وهي؛ الإسلام، وهذا ما حدا بباحث مصري كبير لأن يسلط الضوء على هذه الزاوية من التاريخ الإسلامي، وهو يتحدث عن أحوال الممالك الإسلامية بأن "ثمة ظاهرة يقف أمامها الباحث حائراً مفكّراً، فان تلك الجهود التي بذلتها الامارات المتوزعة والقيادات المنقسمة في تثبيت دعائمها، وفي ترسيخ اقدامها، وفي دعم سلطانها –وكانت كفيلة بأن توقف عجلة التقدم والإصلاح وإشاعة الامجاد- لم تستطع ان تثني من عزم الرجال، أو تفلّ من وحدتهم، او توقف زحف الابطال نحو مواطن العزّة والقوة، والوقوف بوجه الغزاة والطامعين من اعدائهم الذي كانوا ينتهزون الثغرة في الصف، والفرقة في الصف". (الصاحب بن عباد، من سلسلة أعلام العرب- الدكتور بدوي طبانة).
هل التشيّع مشروع مواجهة سياسية؟!
من هنا نكتشف المشكلة في التحول من التوحيد الى التكفير، ومن العقيدة الى الفكر –الأيديولوجيا- ومن الدين بشكل عام الى السياسة، بدلاً من أن يكون الدين هو المحرّك للسياسة كما كان في القرون الماضية، ومن أسباب هذا التحول؛ وجود فايروس الانحراف عن ثوابت عدّة في العقيدة ومنها؛ الولاية، فبدلاً من أن تكون كما أرادها الله –تعالى- وأوصى بها النبي الأكرم قبل وفاته، بالنصّ والتعيين المباشر كما حصل في بيعة الغدير، أضحت بيد من يمتلك قوة المال والسلاح، وبما أن علماء الدين مشغولون دائماً بقراءة القرآن وتفسيره، وتدوين الحديث، ودراسة العلوم الدينية، فقد وجدوا في النظرية السياسية الجديدة ضماناً لحياتهم ومصالحهم، وهذا ما استنكره علماء الدين من ورثة مدرسة الامام الصادق، عليه السلام، و أكدوا أن من صفات الحاكم المسلم؛ العدل والإحسان، والمساواة في توزيع الثروة، والعفو، والحرية، وهو ما أورده سماحة المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي في كتابه "الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والسلام"، عندما بين أسس الدولة الإسلامية وفق الضوابط التي حددها رسول الله، ومن بعده أمير المؤمنين.
واذا تدبّرنا في حديث رسول الله لأمير المؤمنين مشيراً الى "شعيته" بأن المقصود؛ الاتباع والمؤمنين بولايته، كما أن الدلالة اللغوية تؤكد هذا المعنى، وهو ما أشارت اليه أكثر من آية قرآنية: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإٍبْرَاهِيمَ} في إشارة الى نبي الله نوح، عليه السلام، كما في قصة نبي الله موسى، عليه السلام؛ {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}، وليس بالضرورة أن تكون التسمية لمذهب او كيان ديني مستقل، وهي الثقافة التي سعى لتكريسها الأئمة المعصومين، عليهم السلام، وسار على نفس النهج؛ علماء الدين طيلة القرون الماضية، فكانوا يمثلون رمزية دينية عامة داخل كيان الأمة وخارجها، وفي البحوث العلمية يشدد علماؤنا المعاصرون على التمييز بين المخالف والمعاند او الناصب للعداء لأهل بيت رسول الله، فالمخالف في بعض الاحكام الدينية، لن يكون بمستوى الناصبي في التعامل والتعاطي في مختلف شؤون الحياة.
هذا السياق يجعلنا نعطف على كربلاء الامام الحسين، و واقعة عاشوراء التي ينظر المسلمون اليها كإحدى معالم التشيع لعمق العلاقة ومتانتها في إحياء المناسبة، وتبني مشروع النهضة الحسينية بشكل عام، بيد أن الملفت للنظر أن في هذه الواقعة الملحمية يتبلور الدين كله في جبهة الامام الحسين، عليه السلام، فيما تتمظهر الطائفية بأجلى صورها في الجبهة المقابلة، وبنصّ حديث الامام الحسين مخاطباً إياهم: "يا شيعة آل أبي سفيان"! فهو، عليه السلام، كان يرفع لواء الإصلاح في أمة جدّه المصطفى، وليس لاتباعه والمؤمنين به فقط، و لعل من معاجز النهضة الحسينية أنها تحولت من الأقلية الخاسرة في ساحة المعركة الى أكثرية منتصرة بقيم الدين والأخلاق والإنسانية طوال القرون الماضية، والى اليوم، بينما تحولت الأكثرية العسكرية المنتصرة آنذاك، الى فلول يطاردها الخزي والعار والندم على ما جنت أيدي القتلة، ولا أحد اليوم في عرض وطول العالم الإسلامي يدّعي لنفسه أنه سليل افراد جيش عمر بن سعد، بل راح المؤرخون والباحثون المسلمون للكتابة بوعي وحذر، وأحياناً بإنصاف عما جرى يوم عاشوراء.
فعندما نقول أن "التشيّع" كعنوان لجماعة معينة في الكيان الإسلامي، هو أول من رفع لواء مواجهة الظلم والطغيان والانحراف في نظام الحكم الإسلامي منذ الأيام الأولى لوفاة رسول الله، و مروراً بالدولة الأموية ثم العباسية والى يومنا الحاضر، فانه ينصرف الى الثقافة الشيعية التي كان أول أبطالها؛ أبوذر، وعمّار، ثم الأخيار والصالحين ممن واكبوا مسيرة الأئمة الهداة، والى علماء الدين المجاهدين في التاريخ المعاصر ممن جسدوا الثقافة الشيعية كما أرادها رسول الله، وأمير المؤمنين، والامام الحسين، بالإصلاح والبناء في إطار كيان الأمة الإسلامية الواحدة، فقد جاهدوا وضحوا وألّفوا لنشر ثقافة ومعارف القرآن الكريم، وتكريس سيرة المعصومين في حياة أبناء الأمة.
إن التمزق والتشظي الذي حذر منه علماء ومفكروا الأمة، ومنهم؛ المرجع الشيرازي الراحل في عديد مؤلفاته، ودعوته الى الوحدة، والأخوة، وإحياء القوانين الإسلامية، نراه اليوم يضرب كيان البلدان الغربية، إذ لم يعد العلم والتكنولوجيا والقانون، والنظام، والقوة العسكرية من العوامل الموحدة لهم لأن فايروساً أقوى مما عندهم أصابهم في مقتل، فقد بات الانسان في الغرب، ومن قبله في مختلف انحاء العالم، يشكو الفقر، والظلم، والعبودية من قبل الأقلية القوية بالمال والسلاح، مما يضعنا أمام استحقاق حضاري وتاريخي كبير لصياغة إطار واسع يجمع المسلمين في كيان الأمة الواحدة، متجاوزاً الحدود السياسية المصطنعة والهشّة التي تفصل ما بين الشعوب المسلمة.
فاذا اردنا التمسك بفكرة "الأمة الشيعية" بدعوى مواجهة القوى الغاشمة التي تسبب اليوم بزعزعة الأمن والاستقرار في العالم، فهذا يعطي رسالة خاطئة تطمئنهم بأنهم لن يكونوا أمام تلك القوة الحضارية الهائلة التي امتدت من أقصى الشرق الى أقصى الغرب، وإنما أمام قوة لها حدودها الجغرافية، ومساحاتها السكانية، ولا تبغي سوى الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي، وهو ما يمكن التفاوض عليه!
إنها الفرصة الذهبية لأن يرى المسلمون في جميع أنحاء العالم نور الحقيقة التي سطع أول مرة بظهور خاتم الأنبياء محمد، صلى الله عليه وآله، ثم تم حجبه لاسباب وعوامل عديدة ربما لا تخفى على القارئ الكريم، وتذكيره من جديد بأنه ينتمي الى حضارة التوحيد التي ضحى من أجلها رسول الله والخيرة من أصحابه، وعليه أن يصدق قول رسول الله، وهو الصادق المصدّق، بأن التزامه بمقومات هذه الحضارة يكون انساناً محترماً ومهاباً أمام جميع أبناء الأمم في العالم.



اضف تعليق