لله در الشريف الرضي جمع النهج فأورث للامة كنزاً من المعرفة والادب، وعمد الى تنظيم خطب وكتب وكلمات الامام علي (عليه السلام) على هذا الترتيب قاصداً عامداً. فالخطب في العقائد والاديان وتناول الحدث العام، والكتب في الادارة والسياسة واحوال الامصار، أما الكلمات القصار فأنها في حكمة اليوم وشأن العيش البشري وفيها كلها كان الامام ينطق بالحكمة، فالحكمة شأن علي (عليه السلام) ترجمته سيرته واقواله.

وكان في بعض كلامه يجري مجرى الخطب وقد أشار الى ذلك الرضي وصنفه " المختار من كلامه الجاري مجرى الخطب" ومناسبة كلامه هذا هو " مقام محضور وموقف مذكور وخطب وارد" "الرضي" ويريد به حضور الناس واجتماعهم ووقوفهم يستكشفون قول الامام ورأيه أذا ورد خطب او عرض أمر يهم المسلمين والناس، لكن ليس برسوم الخطابة المتعاهدة بينهم. مما يكشف ان ذلك الكلام لم يكن يدخل في نظام الخطابة عند العرب، علماً ان كتاب الادب الحديث يسوقون هذا الكلام مساق الخطابة ويدرجونه ضمنها في العنوان، ويبدو ان الشريف الرضي اول من ساق هذا الكلام مساق الخطابة وأدرجه في مجرى الخطابة.

وقد ميّز الجاحظ (تـ 255 هـ) في عنوان الكلم بين الرسالة والوصية والخطابة في كتابه البيان والتبيين على الرغم من تشابه الهيأة والموضوع لكن مع اختلاف المقاصد والغايات، ولعل هذا الصنف من الخطابة كان يجري في حلقات الجدل الديني والتي يبدو انها كانت شائعة في الكوفة وهو ما نستشفه من بعض الحوادث والروايات، وقد نهى الامام علي (عليه السلام) عن بعض هذا الجدل العقيم في القدر في مسجد الكوفة، وقد نهى عنه لعقمه وعدم فائدة المعرفة به لكن الامام (عليه السلام) كان يشارك في الجدال المنتج للمعرفة، ولعل خطبته هذه في الصفات والتوحيد ومعرفة أول الدين التي إبتدأ الشريف الرضي بها كتاب نهج البلاغة، إنما كانت تدخل في هذا النوع من الجدل الديني الدائر بالكوفة، وسنعرف المزيد عن هذا الجدل وطبيعته ومدارسه في الكوفة.

وقد أبتدأ الرضي بهذا الكلام الذي يجري مجرى الخطب عند الامام علي (عليه السلام) أو بالأحرى الذي يجري في سياقات الجدل الديني السائد في الكوفة في أيام الامام علي (عليه السلام)، ولعلنا في طيات البحث نعلم ما الذي أهاب بالرضي ليكون اول الكلام في النهج.

فالكلام – الخطبة يبتدي "الحمد لله الذي لايبلغ مدحته القائلون... الخ "وقد اختار الموضوع فيها عنواناً لها أو إسماً مطولاً فيها فقال" في خطبة له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السموات والارض وخلق ادم " وهكذا الموضوع فيها هو البدايات الاولى في الخلق والتكوين، وعلى غرار هذه البدايات الاولى جاءت هذه الخطبة هي البداية الاولى في نهج البلاغة لان موضوعها بداية الخلق فصارت هي بداية النهج، وتكون ايضاً بداية خارطة المعرفة الدينية هي معرفة اول الخلق بعد معرفة التوحيد في ترتيب هذه الخطبة، ذلك لان التوحيد هو أول معرفة الدين في تحديد الامام لخارطة معرفة الدين والنهج بمجمله هو معرفة في الدين تصدر عن مدرك مهم من مدارك ومصادر المعرفة الدينية إنه الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

ثم ان بداياتها الكلام -الخطبة هي " الحمد لله " فكأن الرضي سار بالنهج في ترتيبه على نسق كتاب الله تعالى الكريم في ابتدائه بـ " الحمد لله " في سورة الفاتحة، لكن " الحمد لله " في خطبة الامام علي (عليه السلام) تدخل "لا" النفي على الجمل والعبارات التي تعقبها، بينما القرآن الكريم يعقب " الحمد لله" فيه، الاقرار بالربوبية والرحمة والملك ليوم الدين، لكن "لا" النفي في كلام الامام علي (عليه السلام) جسد يتضمن روح الاقرار، فاللفظ جسد والمعنى روح. لابأس ان نذّكر هنا بالاختلاف المركب بين الجسد والروح ولفظ النفي في السياق يؤكد الاقرار لله ويضّمنه فهو يقول " الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصي نعمائه العادون ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لايدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود " وهذه الـ "لا" تختزن بمضمون جدلي كل الحمد. فالمدحة لاتُبلغ، والنعمة لاتُعد، والحق لا يُؤدى.

وقد ينجز الكلام ما لاينجزه الفعل، وهذا خاص بالله تعالى في عرف المتعبدين، فيستعيض العبد بالكلمة اضافة الى الفعل الذي مهما بلغ لايدرك غايته في الله، او لعل مجالاتها اي الكلمة اوسع من الفعل في الرحمة المنجزة من الله تعالى يقول تعالى {قول معروف خير من صدقة يتبعها أذى}.

ثم انه تعالى قَبل منا كلمه واحدة هي" أشهد ان لااله الا الله وأن محمد عبده ورسوله " فأدخلنا دينه فضلا منه ورحمة.. فالكلمة عند الله تعالى لها مضمون الفعل وموقعه. وهنا الـ "لا" كلمة انجزت مضمون كلمة " الحمد لله" في النفي بان يبلغ مدحته القائلون، وان يعد نعمته العادون او يؤدي حقه المجتهدون، فهو اقرار بتقصير الفعل التي تجئ الكلمة العابدة تتمه او تعذره عند الله تعالى.

ومن روائع البلاغة في كلام الامام توظيف الكلمة اداة النفي "لا" باتجاه الاقرار، ثم نجد في هذا الكلام المبارك او تلك الكلمة المباركة للامام علي (عليه السلام) تفسير النفي بالنفي، وتلك ادوات خاصة في معرفة الله تعالى في فهم الامام علي (عليه السلام) وذلك أرسخ في الاقرار وأشد رسوخاً في الايمان فهو يفسر النفي في قوله "الذي لايدركه بعد الهمم ولايناله غوص الفطن "بالنفي ايضاً حين يقول معقباً على قوله الآنف وتتمة له " الذي ليس لصفته حد محدود ولانعت موجود ولا وقت معدود ولا اجل ممدود".

وتفسير النفي بالنفي هو ابلغ في اطار الكلمة التي لها مضمون الفعل في الاقرار وتوكيده، والايمان في جوهره هو نفي لكل ما سوى الله تعالى فهو الوجود الحق وكل ما سواه زائل. فان {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والاكرام} لكن ليس على طريقة الوحدة في الوجود. بل المؤمن يضع ذاته في ميزان الله فلا يعدو شيئاً له وزن في غير ميزان الله، وحينئذ يكون النفي لكل ما سوى ميزان الله. لقد روي عن الامام (عليه السلام) وهو القائم في ميزان الله تعالى قوله " ان جلسة ساعة في المسجد أحب اليه من جلسة ساعة في الجنة لأن في المسجد رضى الله وفي الجنة رضى نفسه" وحسبه في ذلك ان لا يكون في وجوده سوى الله تعالى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0