"طوبى لمن أطاع ناصحاً يهديه و تجنّب غاوياً يُرديه"

أمير المؤمنين، عليه السلام

كلما تكالبت المحن واشتدت الأزمات، تضاعفت الحاجة لجهود الإصلاح وتقويم الأمور في الميادين كافة، حتى وإن كان الأمر يتعلق ببلد منهار ومدمر بسبب كارثة طبيعية، او حروب أهلية أو خارجية.

أحياناً يكون الحراك الجماعي بتفعيل الأيدي والجهود العضلية، فنكون على طريق التعاون والتكافل، وأحياناً اخرى يكون هذا الحراك غير مرئي ومؤثر بعمق، فربما يحصل في بلد مثل العراق ان تتوفر فيه معظم مقومات الحياة مع وافر الامكانيات المادية من ثروات وقدرات بشرية، مع عمق حضاري ورصيد ثقافي ضخم، إنما يحتاج الأمر الى تقويم لبعض الحركات في الطريق لتحقيق الاهداف المرجوة، مع استثمار أمثل لما موجود من تلكم الامكانات والقدرات.

ولكن! هذا بشرط الاتفاق المُبرم بين الجميع –الغالبية العظمى- على قرار الإصلاح الحقيقي، والمضي في طريق التنمية والتطوير بالاستفادة من الطرق السليمة المتفقة مع منطق العقل، لا أن تكون المسألة مجرد أمنيات، وشعارات، وادعاءات، فأن يكون العراق –وأي بلد ناهض آخر- مزدهراً، ومتقدماً، وسعيداً بابناءه، لهي "أمنية كُلّ شائقٍ يتمنى". إنما المهم في الإيمان الراسخ بامكانية التغيير، ثم الإرادة والعزيمة، حينئذٍ يكون مفهوم الموعظة، والنصيحة دارجاً في سلوك الافراد والجماعات في كل صغيرة وكبيرة.

حتى لا نخسر الموعظة

جاء في اللغة: "المَوْعِظَةُ: عِظَة؛ ما يُوعَظ به من قَوْل أو فعْل وتذكير بالواجبات ودعوة إلى السّيرة الصّالحة: القول الرقيق".

إنه من جميل المفاهيم الانسانية الداعية الى التقارب الفكري والذهني بين البشر، وأجمل ما عبّر عنه رسول الله، في حديثه: "المؤمن مرآة أخيه المؤمن"، و"إن من حقّ المؤمن على أخيه المؤمن النصيحة"، فالمسألة داخلة في الحياة اليومية، كما هي الطعام والشراب والاحتياجات اليومية، فهل بوسع أحدنا الاستغناء عن النظر الى المرآة قبل الخروج من البيت؟! الجميع يحرص على التحقق من منظره، من قمة رأسه، وتسريحة شعره، وبدلته وحذائه. وهنا؛ القضية تتعلق بالعادات والسلوك اليومي في الصباح وحتى المساء، داخل البيت، او خارجه؛ وفي جميع مرافق العمل والدراسة، وفي كل مكان، تمثل الموعظة إطاراً جميلاً للنصيحة تُهدى لصاحبها، وكلما كانت العلاقة أقرب وأوثق، كان الحرص –يُفترض- لتقديم النصيحة أكبر، كما لو صادف أحدنا أبنه، او أخيه، أو أمه او أبيه، يسير نحو حفرة في الطريق غير منتبه اليها.

المشكلة تنشأ من شعور نفسي بالاكتفاء الذاتي في عملية التصحيح، وهو شعور دخيل ليس من صميم التركيبة النفسية للانسان السويّ، إنما السبب في سوء التفاهم الحاصل بين الواعظ او الناصح، والطرف المقابل، كأن يكون أخ، او ابن، او صديق، ثم إن الانسان بطبعه ذو نزعة اعتدادية يأنف الإشارة اليه بخطأ في قول او فعل، ولذا نقرأ في "غُرر الحكم" لأمير المؤمنين، حكمة أخرى نضيفها على ما صدرنا به المقال؛ "نصحك بين الملأ تقريع"، وإذن؛ فالمسألة فنية، تستدعي الانتباه الشديد لانجاح عملية الموعظة فيما بيننا، وهي تحمل مضامين؛ النصح، والإرشاد، والتذكير، و جميعها تشكل باقات جميلة لتصحيح المسار وتجنب الخطأ تُهدى لاصحابها على انفراد بعيداً عن أعين و اسماع الآخرين لعدم إثارة النزعات والكوامن السلبية في النفس، بالمقابل تحفيز مشاعر الحب والثقة والاطمئنان إزاء ما يسمعه ويتلقاه من الآخرين، لاسيما اذا عرف أن الوعظ يمثل إضاءة كاشفة للطريق وإنارة للفكر تأتيه دون مقابل، ودون أية ضجة.

ارتكاب الخطأ واقع انساني

يؤكد لنا العلماء والحكماء أنه ليس من العيب ارتكاب الخطأ، ولا الجهل بالاشياء، إنما العيب في الإصرار على الخطأ وعلى الجهل وعدم تصحيح الحالة، هذه الحقيقة ينبغي ان تكون نصب أعيننا كأفراد في مجتمع واحد، يضم مختلف الشرائح والمستويات، فكما أن الخطأ جائز من طالب في المدرسة –مثلاً-، فان الخطأ جائز ايضاً من المعلم الذي يروم نصحه وتذكيره، فهو ليس بإمام معصوم، إنما يحمل النوايا السليمة، فاذا اعطينا الاهتمام البالغ للطالب ولمشاعره إزاء الموعظة والنصح بالشكل الخاطئ، فاننا سنغلق الابواب أمام كل من ينوي الوعظ والنصح للآخرين، وإن كان على مقدرة كبيرة من فن الحديث والذكاء الاجتماعي، لأن النظرة العامة ستكون بمنظار الادانة والتشكيك، و تزداد هذه النظرة ظلامية عندما تُشحن بصور ذهنية من وحي الخيال عن "مصادرة الحريات"، و"تكميم الأفواه"، و"قتل التفكير والابداع"، وغيرها من العبارات المستوردة من تجارب الشعوب الغربية في غابر الزمان.

الموعظة الحسنة التي أوصى بها القرآن الكريم هي التي تزرع الحب في نفوس افراد المجتمع، بحيث يكون حالهم مصداق الحديث النبوي الشريف: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"، بمعنى أن الذي يتلقى الموعظة والنصيحة، ربما يكون في مكان وزمان آخرين هو يتحمل هذه المسؤولية، فليس هنالك شريحة خاصة بالوعظ، في مقابل شريحة تتلقى الوعظ على طول الخط، إنما المسألة تكاملية بامتياز، وطالما كان مراجع الدين الكبار يدعون علماء الاخلاق ليرتقوا المنبر ويحدثونهم –وجميع طلبة العلوم الدينية- عن مسائل الأخلاق وتهذيب النفس، ونقل عن أحدهم كبار الفقهاء أنه دعا أحد خطباء المنبر أن يلقي عليهم موعظة أخلاقية "فقد قست قلوبنا"! فالخوض المستمر في مسائل العلم والمعرفة والبحث والاستنتاج، وايضاً العمل والانتاج والبحث عن الربح الأكثر ينسي الانسان نفسه، وما يمكن ان يصيب القلب التصدّع والقساوة ما يحجبه عن المسير الصحيح، ويعرضه لمخاطر الانحراف –لا سمح الله-.

اضف تعليق