سخّر الله –تعالى- للانسان كل شيء في هذه الحياة والكون، وربما لمن كان يقرأ القرآن الكريم وهو الى جانب رسول الله، الذي نعيش هذه الايام ذكرى بعثته الشريفة، وفيها آيات تتحدث عن قدرة الانسان على تسخير الماء والهواء والتراب والشمس والحيوانات وكل ما في الطبيعة، بل حتى الفضاء اللامتناهي، فانه كمن يحملق في الفضاء المفتوح دون ان يبصر شيئاً محدداً، وله العذر في ذلك قطعاً، فالعقل البشري لم يصل الى ما وصل اليه اليوم من مراتب عالية ومذهلة من التسخير والاستثمار والكشف في الاعماق البعيدة بالارض والسماء، والكائنات الحيّة، وما تحويه الجبال والبحار، فانسان اليوم يعد نفسه أغنى واسعد انسان عرفته المعمورة منذ وجدت.

ولكن! للدين رؤية اخرى تؤشر الى حقيقة هامة، وربما مغيبة بعض الشيء؛ فقد بقي شيء واحد خارج قدرة الانسان على السيطرة والتسخير، وهو؛ نفسه التي بين جنبيه! فهي ليست العقل، بامكانه استخدامه والاستفادة منه كيفما شاء، بل وتكون الاستفادة نسبية بين افراد البشر، وحتى ربما تكون معدومة عند جماعة من الناس، بينما النفس شيء متحرك بذاته ليس من السهل السيطرة عليه، ولذا فهي مشكلة وقاتلة البشرية في أخلاقها وسلوكها وطريقة تفكيرها.

النفس ميدان المواجهة الكبرى

لعل من أهم مفاصل التغيير منذ الايام الاولى لبعثته الشريفة، ركّز النبي الأكرم على مسألة النفس الانسانية كونها منطلق الاعمال والتصرفات، كما هي قاعدة الإيمان التي يبحث عنها بين ابناء قومه، ومن ثم في البشرية جمعاء، ساعده في ذلك القرآن الكريم في تبيين هذه الحقيقة الانسانية وكيف أن الاقوام السابقة توفرت لهم فرصة التغيير نحو الافضل من خلال الرسالات السماوية والعيش الكريم والحياة السعيدة للجميع، إلا ان مشكلتهم الوحيدة، او العقبة الكأداء امامهم كانت أنفسهم هم، وليس شيء آخر، فقد جيأ لهم بالمعاجز المبصرة بما لامجال لانكارها مادياً، كما حصل مع ناقة صالح، ولكن كان هناك التكذيب والتشكيك بانها سحر، فما الذي دفع بهذا او ذاك لأن يكذب شيئاً يراه بعينيه؟

في الآية الكريمة من سورة النمل، وهي سورة مكّية، يبين القرآن جانباً من عزوف البشر عن القيم السمحاء وفرص التقدم، والحديث عن بني اسرائيل: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}، فجحودهم بما جاء من السماء لا يعني جهلهم بأحقيتها، إنما هم يعلنون بانفسهم سقوطهم صرعى أمام النفس الأمارة بالسوء، ويصف مآل هكذا انحراف بالظلم والتكبّر.

وهذا تحديداً ما حذر منه النبي الأكرم وهو زعيم للمجتمع والدولة الاسلامية الاولى في المدينة، عندما حيّا القادمين من ساحات المعارك مع المشركين، وقد علاهم الغبار، وأثخنوا بالجراح، فقتلوا وغنموا وقدموا التضحيات، فاستقبلهم النبي الأكرم على هذه الهيئة بأن "مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر"، وبين لهم أن جهادهم الأكبر هو جهاد النفس.

فالمسألة ترتبط بجهد الانسان وسعيه للتكامل والتسامي، فاذا كان يواجه العدو الخارجي مرة او مرتين، ويحصد النتيجة سريعاً وينتهي كل شيء بين هزيمة او انتصار، فان مواجهته مع نفسه في داخله عملية لن تتوقف حتى آخر لحظات حياته، وكما أن هذه النفس تجعل من الانسان عم بن سعد في الجيش الأموي، يمكن ان تجعله ايضاً انساناً عظيماً في الخالدين مثل؛ الحر بن يزيد الرياحي، وكذا الحال في حياتنا اليومية، فربما يتحول الانسان الى وحش كاسر وغادر، في تعامله مع أهله واصدقائه، كما يمكن ان يكون على طول الخط انساناً معطاءً نبيلاً ومحسنا.

التزكية البوصلة

السؤال الذي يقفز بقوة: ما هي أدوات ترويض هذه النفس المتمردة؟

القرآن الكريم الذي كان الدستور السماوي بيد رسول الله، يبين لنا أعظم وسيلة، وأكثرها تأثيراً، وهي؛ عملية التزكية، {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، وهي عملية تحتاج الى جهد وتركيز ومتابعة متواصلة طوال حياة الانسان دون أية غفلة، و ربما العملية تشبه الى حدٍ كبير مثل قيادة السيارة بين الخطوط المرسومة في الشارع، فمبقدار التركيز يكون السير بين الخطوط دون مساس عجلة السيارة بالخطوط على الارض، فضلاً عن تحقيق أقصى درجات الأمان من الانحراف وحصول حوادث الاصطدام القاتلة، والتزكية هي التي تضمن سلامة السيارة (الانسان) من اية خدوش او ضربات من هنا وهناك. وجاء في مصادر اللغة أنه "زَّكَّى الشَّخصُ :تزكَّى، اهتدى وصلح وتطهّر".

وفي السنوات التي عاش فيها رسول الله مع اصحابه في المدينة، علّمهم كيفية استخدام هذه الوسيلة العظيمة، فعندما كان جالساً ذات مرة مع اصحابه، وجاء أحدهم وكان من الفقراء ذو ملابس رثّة، واراد الجلوس الى جانب صحابي مثله، أسرع الاخير لجمع ردائه والتنحّي جانباً للابتعاد عن هذا القادم، فرصد النبي هذا الموقف وقال له: "أتخشى أن يأخذ من غناك شيئاً؟! او ان يضع عليك شيئاً من فقره"؟!

وفي أي موقف وحالة يلاحظها النبي الاكرم في حياة الناس كان يوصيهم ويشدد عليهم بتزكية انفسهم وتهذيبها من الكذب والخيانة والغدر والحسد والكراهية، وعن كل ما هو سلبي من السلوك الفردي، وحتى الاجتماعي، فالتقوى التي تنضج في الافراد وتستحيل ثقافة عامة لدى الجماهير توفر اكبر الفرص للنمو والتطور، فضلاً عن حلها أكبر المشكلات والمعضلات.

وفي حديث له عن حياة الرسول الأكرم، يقرن سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- بين النفس المزكاة، وبين الحصول على الحياة الطيبة التي بشر بها القرآن الكريم –السعادة وفق المصطلح الحديث- ويلفت الى نقطة دقيقة في قوله تعالى: {فلنُحيينَّهُ حياةً طيبة}، بأن الله لم يقل "لنجعل حياته حياة طيبة، أونعطيه الحياة الطيبة، وإنما نحوّل حياته كلها الى حياة طيبة، وهذا النوع من الحياة، وهي الحياة الطيبة، يفتقده البشر حالياً"، فالقضية ليست عطاءً وهبة، او قانون ثابت في الحياة والكون، مثل نزول المطر من الغيوم المتكثفة في الهواء، وفي مثل شروق الشمس نهاراً، وظهور القمر مساءً، وغيرها من القوانين والسنن الإلهية، بقدر ما أنها تتعلق بحركة وجهد جهيد من الانسان لمواجهة شيء يتحرك بسرعة ربما تفوق حركة الانسان فتسبقه الى النتائج قبل التفكير بالتغيير، ولذا تكون النتيجة بقدر الجهد المبذول وهي؛ حياة طيبة، بما تعنيه الكلمة من معانٍ.

واذا نرى اليوم ابتعاد الناس –الشعوب والأمم لاسيما شعوبنا الاسلامية المعنية اكثر- عن الحياة الطيبة والسعادة فانما لتضييعها هذه الفرصة العظيمة، واستبدالها بوسيلة تفيد لظاهر السلوك والتصرفات وهو ما يبحث فيه "علم النفس"، فهو يبحث في حالات الكآبة، ومشاعر الضِعة، والضغينة، ومختلف العقد النفسية، بما يشبه العملية الميكانية؛ "إن تفعل هذا فالنتيجة ذاك"، وفي تطور جديد راح هذا العلم ليخطو الى الامام للتخلص من السمة السلبية الطاغية على عمله واستنتاجاته، وان القضية تتعلق بمعالجة مرض، بالحديث والتنظير في "علم النفس الايجابي"، وتحفيز مشاعر الحب، والأمل، والتفاؤل، وكلها في الطريق الصحيح بيد انها لا تسبر غور ومكامن النفس الانسانية وكيف انها قادرة احياناً أن تزيّف الحُب والأمل، لتكون وسائل خداع وتضليل اشخاص وربما شعوب، ومن حصول الكوارث، فمن ينمّي في نفسه التواضع واستيعاب النصيحة، والاعتراف بالذنب ثم التوبة، والشكر، والقناعة وغيرها من الفضائل والمحاسن، فان هذه الصفات والحالات هي التي تجعله صادقاً في مشاعره بحب الآخرين، والمشاركة معهم في اعمال البر والاحسان.

اضف تعليق