منذ فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها سماحة المرجع الديني السيد علي السيستاني لمواجهة الاجتياح العسكري لتنظيم داعش لعموم الاراضي العراقية عام 2014، ثم توالي الانتصارات على هذا التنظيم الارهابي، والشعب العراقي يبحث عن دور آخر للمرجعية الدينية في حل أزمات عدّة، او المساعدة على مواجهة تحديات اخرى، اقتصادية، وثقافية، فقد أيقضت الفتوى –لأول مرة منذ عقود طويلة- الأمل في نفوسهم بالتغيير والخلاص، كما فاجئت وصدمت المعنيين بالشأن السياسي في داخل العراق وخارجه، ممن كانوا يتصورون أن بيدهم الحل والعقد، وبيدهم رحمة السماء ومصير أهل الارض! وفاجئت ايضاً الشريحة المثقفة التي تعد نفسها المسؤولة بالدرجة الاولى عن صياغة الفكر والثقافة في المجتمع، وأنها "ضمير المجتمع".

الذين واجهوا عناصر داعش المتجحفلين على أعتاب كربلاء المقدسة، وأوقفوهم عند حدّهم، حملوا على اكتافهم بنادقهم وقاذفات "ار بي جي" المخبئة في بيوتهم وبساتينهم قبل ان تصلهم الاسلحة من الحكومة، كما حملوا في نفوسهم ثقافة المسؤولية والتضحية بالنفس من اجل القيم والموت في سبيل الله، التي لم يتعلموها إلا في أيام عاشوراء وأربعين الامام الحسين، عليه السلام.

كلمة "أصلها ثابت وفرعها في السماء"

طالما حاول البعض الإيحاء بأن السياسة حاوية ومستوعبة لكل شيء في الحياة، فهي تؤثر حتى على الحياة الزوجية في البيت الصغير! وتوجه لقمة العيش الى أفواه الناس! بيد أن وقائع السياسة بنفسها أثبتت عكس ذلك، فقد استحالت مصدراً للأزمات والنكبات حتى بات المواطن في أي مكان يشمئز من سماع كلمة "سياسة" مقرونة برجل، أو اخبار، او حتى مؤلفات وادبيات لا علاقة لها بالتنفيذ والتعامل المباشر مع حياة الناس.

وممن شملتهم محاولات الاستيعاب؛ المرجعية الدينية، وما يحيط بها من مؤسسات مثل؛ الحوزات والمدارس والمكتبات والهيئات الخيرية، بدعوى الدعم والمساندة، ثم الإسهام في "الامن والاستقرار ضمن النظام السياسي القائم"، بيد أن هذا الحلم لم يتحقق بالمرة، ليس اليوم، وإنما على طول الخط، وهي السنّة التي التزم بها علماء الدين منذ غيبة الامام الثاني عشر؛ الامام المهدي المنتظر، عجل الله فرجه، بل هو منهج الأئمة المعصومين، عليهم السلام، في التعامل مع حكام زمانهم، فعندما لم تتوفر الفرصة لإقامة النظام الاسلامي كما رسمه رسول الله، صلى الله عليه وآله، فانهم عكفوا على رسم ملامح هذا النظام في عقول واذهان الناس، فاذا كان الحكام ينفذون سياساتهم وفق مصالحهم الخاصة، فان الأئمة المعصومين كانوا يحكمون الربط بين حياة الناس، والاحكام السماوية المطابقة لفطرة الانسان وحاجاته اليومية، بل وتطلعاته المستقبلية من خلال مسارين اساس: العلم والاخلاق، ولذا لم يسجل التاريخ على مراجع الدين (الشيعة) أنهم تسببوا بإراقة الدماء لتحقيق مصالح شخصية، او عرضوا الامن والاستقرار في البلاد الاسلامية للخطر، او عرضوا عقائد الناس للتشويه والانحراف بل العكس؛ فقد كانوا على طول الخط، منبعاً للعلوم والمعارف، ومفتاحاً للتطور والتقدم ما أن تسنح لهم الفرصة والاجواء السياسية والامنية المناسبة.

وفي مطلع القرن العشرين و بزوغ فجر الوعي الاسلامي على أثر ادراك الشعوب بشاعة الواقع الذي تعيشه في ظل قمع واضطهاد و اذلال المستعمرين، أتيحت للمرجعية الدينية الفرصة لأن تثبت وجودها بقوة الجماهير في الساحة السياسية، وتخرج من حلقات الدرس في الحوزة العلمية، ومن انتاج الفقه والاحكام الشرعية، الى انتاج الثقافة والوعي بين صفوف الجماهير الغاضبة من التدخلات الاجنبية في حياتهم، وتهديد معتقداتهم، حتى كاد أن يتحول المسلمون الى عبيد كما فعل الاوربيون من قبل مع الانسان الافريقي في القرون الماضية وشيّدوا بقواه العضلية دولة كاملة مترامية الاطراف مثل؛ الولايات المتحدة الاميركية.

منذ ذلك الحين تبلور مفهوم "القيادة الاسلامية –المرجعية" في اذهان الامة، وأن مراجع الدين هم الأكفأ في نجاح مهمة النهضة، وصناعة الوعي، فهي قيادة "طبيعية منبثقة من فلسفة الحياة ومنحدرة من خالق الكون والانسان الذي أجدر بكل شيء وأحقّ وأعلم بكل شؤون الحياة، كما أنها منتزعة من صميم الاسلام والواقع الفكري والذاتي للامة". (كلمة الاسلام- الشهيد السيد حسن الشيرازي).

و لعل فتوى تحريم انتاج واستخدام التبغ الشهيرة في ايران، من قبل المرجع الديني الاعلى في زمانه؛ الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي، تمثل باكورة التجارب القيادية الآتية، كما شكلت جرس الانذار الخطير لأول مرة للبريطانيين المترنحين بالفخر والاعتداد بالنفس على أنهم أقوى الدول الاستعمارية المتكالبة على ثروات العالم، فقد كان الغربيون بشكل عام يتصورون أن علماء الاسلام مكانهم الثابت في المساجد ومدارس حفظ القرآن الكريم، على شاكلة الشخصية التي رسموها لرجال الكنيسة بعد ما يسمى بعصر النهضة الفكرية في اوربا، فعكفوا يدرسون خلفيات هذه الشخصية الاسلامية، وعناصر قوتها، ثم البحث عن نقاط ضعفها لتوجيه ضربة قاضية، او على الأقل تحجيمها و إعادتها الى حلقات الدرس والانفصال عن الجماهير، وهو ما حصل بعد التجربة الثانية والناجحة للقيادة المرجعية في ثورة العشرين، عندما سوّقت بريطانيا بحيلها ومكرها حكومة ظاهرها الانتماء الى الاسلام، وباطنها الارتباط بالسياسات والثقافات الغربية لتكون الثمرة التي يبحث عنها العراقيون من ثورتهم على الاستعمار البريطاني.

من يحدد البوصلة؟

لو راجعنا أول فتوى اصطدمت بالمشروع الاستعماري البريطاني، والتي صدرت من مدينة سامراء بخصوص التبغ، نجدها عبارة عن: "زراعة واستخدام التبغ في ايران بمنزلة محاربة الامام صاحب الزمان"، ولم ترد كلمة واحدة ضد البريطانيين، او تحريض الايرانيين على الشركة البريطانية التي اشترت امتياز زراعة و انتاج التبغ في ايران من الحكومة القاجارية عام 1890 ولمدة خمسين عاماً، انما سلطت الضوء على الثوابت الدينية المهددة من البريطانيين الذين كادوا ان يحولوا المزارعين الايرانيين الى عبيد يعملون في الارض الايرانية التي احتكروا زراعتها حسب الاتفاقية، كذا الحال في الفتوى الثانية المفجرة للقنبلة الجماهيرية بوجه البريطانيين، وهذه المرة في العراق عام 1920، فقد ركزت فتوى الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي على الجانب الانساني بشكل خاص، وأن "المطالبة بالحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية اذا امتنع الانكليز عن قبول مطالبهم".

هكذا البوصلة لدى القيادة المرجعية، ثوابت وأصول دينية، وطموحات انسانية، وقد عرفتها الجماهير منذ تلك الايام الخوالي، كما عرفتها النخبة الاجتماعية، وهم التجّار في ايران، والعشائر في العراق، ومع مرور الزمن واتساع مساحة الوعي ظهرت الشريحة المثقفة بمكوناتها المتعددة من أدباء، وخطباء، و علماء، و كتاب، و إعلاميين، و اكاديميين يمثلون في الهرم القيادي المنطقة الوسطى بين القيادة المرجعية والقاعدة الجماهيرية، وتجارب الماضي تثبت لنا تحقيق النجاح في مهمة القيادة المرجعية بإدارة الازمات، او صناعة واقع جديد وبديل أفضل، من خلال نجاح هذه "القيادة الوسطى" في مهمتها المصيرية بتوثيق العلاقة الصحيحة بين القاعدة والقيادة المرجعية، ونقل الرسائل بكل أمانة وصدق وشفافية الى الجماهير، والعكس يأتي بنتائج عكسية قطعاً، وفي أحسن الفروض نشهد ابتعاد المرجعية الدينية عن الساحة السياسية والاجتماعية، وعزوفها عن التدخل في أمور كبرى مثل الغزو الثقافي، او التبعية الاقتصادية، فضلاً عن ظواهر اجتماعية، و اسقاطات سياسية واقتصادية وأمنية.

إن خير ما يفعله أهل الثقافة والرأي والفكر في وسائل الاعلام، وفي منصات التواصل الاجتماعي، الارتقاء بمستوى وعي الجماهير، وتوجيه الحماس والمشاعر نحو اهداف تخدم الغالبية من الجماهير وليس الاقلية، لان "الانخفاض الفكري في واقع الامة ينتج عن ارتداد القيادة الاسلامية"، كما تنبأ الشهيد السيد حسن الشيرازي في مطلع الستينات من القرن الماضي عندما حدد بشكل دقيق ما يمكن ان يهدد الهرم القيادي بالانشطار مستوحياً من تجارب الحركة الاسلامية في البلاد الاخرى، والغريب أننا لم نشهد تحقق نبوءة الشهيد الشيرازي في تصدّع العلاقة بين أجزاء هذا الهرم، ومن ثمّ "محاولة الاحزاب الاسلامية السيطرة على الحكم من اجل تطبيق الاسلام بقوة الحكم لا بقوة الحقائق الاسلامية نفسها، وانقضاض القمة على القاعدة"! وإنما تجرؤ هذا الجزء الوسيط على القيادة المرجعية وتحديد ما يجب فعله، وطريقة التعاطي مع الاوضاع والمستجدات، وما اذا كان بطابع وطني ضمن الحدود الجغرافية، او بطابع اسلامي عالمي.

وهذا المعيار بحد ذاته، هو الذي تبحث عن الجماهير المضطهدة اليوم، التي تتبع مراجع الدين لاسيما في العراق في حل مشاكلها و ازماتها، بل وتحقيق آمالها العريضة في العيش الكريم، والاستقرار على الاصعدة كافة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8