{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}
(سورة محمد، الآية 14)

قبل أن يقوم الانسان بعمل ما او يروم تطبيق فكرة مختمرة في ذهنه على الواقع الخارجي، تحضره قوى غيبية تزوده بعزيمة ودافع باتجاه التنفيذ السريع دون أن يشعر بها، تجعل من هذا العمل مبرراً، وحسناً، بل وضرورياً جداً، وتضفي عليه الصفات الايجابية، فكما أن الساعي للخير وأعمال البر والعطاء ومساعدة الآخرين، يجد أن ثمة دوافع تبارك له عمله، فان من يعمل المُنكر يجد ثمة دوافع تبرر له وتشجعه على فعله، الى درجة مواجهة المعارضين بشدة، بل والمطالبة بتأييده ودعمه!

القرآن الكريم الذي يُعد الرائد في حقل النفس؛ بحثاً، ودراسة، ومعالجة، كشف هذا الخلل النفسي منذ تلك الايام حيث كان أول مجتمع إيماني في طور التأسيس، فهو حثّ على العمل والكدح والسعي بالتنافس الشريف، وفي الوقت نفسه حذر من "تزيين" العمل السيئ وإضفاء هالات من الجمال عليه، وهو ما يحتاجه هذا النوع من العمل، كون الفطرة السليمة مهيئة بالاساس لانتاج العمل الصالح فقط، فهي لا تقبل الكذب والغش والخيانة و أي عمل شاذ يناقض التكوين الإلهي للانسان، ولذا نجد ثمة جهد إضافي يبذل بهذا الاتجاه لإظهار الاعمال السيئة بمختلف اشكالها واتجاهاتها على أنها حسنة ولا غبار عليها، بل انها مفيدة للانسان والمجتمع!

في سجن الذات

من المشاكل التي عانت منها البشرية وتسبب في ابتعادها عن حقائق الحياة، ومن ثم عن سبل السعادة والهناء، أن يحكم البعض على نفسه بالسجن في زنزانات الذات المظلمة بشكل غريب، فهو لا يعترف إلا بنفسه وما يقوم به، وما يعتقد ويتكلم، ولا شأن له بالآخرين، رغم ما يؤكده الحكماء والعقلاء بحاجة الناس الى بعضهم البعض، وقد جاءت الرسالات السماوية والرسل والانبياء لتحل هذه المشكلة النفسية، وتنهي حياة الكهوف والانقطاع والانزواء، والانطلاق في رحاب العلم والمعرفة والتعاون، فالسعادة الحقيقية في رسالة الانبياء هي التي تعمّ جميع البشر، وليس فئة دون أخرى، كما كان اعتقاد الأقوام التي حاربت الانبياء والرسالات السماوية.

وفي وقت لاحق تم تنظيم وترتيب هذا السجن الرهيب تحت مسمّى "حرية العمل والاختيار" وعدم الحاجة ما هو خارج هذا السجن من قيم وتقاليد ومعنويات، فهو لمجرد شعوره بأنه حُر فيما يقوم به ويختار بنفسه دون تدخل وتأثير من الآخرين، فانه يحرز السعادة في حياته، بغض النظر ماهية العمل وجوهره وتأثيره عليه كفرد وانعكاساته على المجتمع، كونه هو الأساس وليس القيم التي توصل البعض الى أنها مجرد التزامات بالية تكبل حرية الانسان وتحرمه سعادته.

هذا النوع من التعامل مع الحياة يكون معرضاً قبل غيره الى عملية "التزيين" التي حذر منها القرآن الكريم قبل اربعة عشر قرناً، الاجيال والأمم، وما يزال يحذرنا اليوم، ونقرأ في أكثر من آية كريمة هذا التحذير: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، (سورة النحل، الآية63)، ففي مقابل مساعي النجاة والانقاذ من الجهل والتخلف والمعاناة، فان العمل الوحيد للقوة المضادة هو تزيين الواقع الفاسد الذي كانوا عليه، وأنهم على حق، والذي جاء به المرسلين من طرق النجاة والخير والسعادة هو الباطل، وهو ما حصل فعلاً، فكان هذا التزيين من أبرز اسباب هلاك الأقوام الغابرة وخسرانها الهدى والحق الذي كان بين أيديها، ففضلت ما تعتقد به هي، على الحقائق الكبرى والبراهين.

البراهين القاطعة تزكّي العمل

في الازمان الغابرة كان الانسان بحاجة الى براهين وأدلة ملموسة ليؤمن بوجود إله واحد وقادر وخالق الكون، وذلك من خلال معاجز الانبياء الخارقة، ولو أن المعاجز لم تكن كافية لكثير من الناس ليصلوا مرحلة الايمان، وذلك لأسباب كثيرة لسنا بوارد الحديث عنها، مع ذلك كانت الرحمة الإلهية تنزل على البشرية على شكل إضاءات وبصائر للهداية، فكان يعطي الانبياء قدرات خارقة كأن يمكن عيسى من إعادة الروح الى الميت، او يشفي الامراض العضال، ويخرج للنبي صالح، ناقة من جوف الجبل، ويعطي القدرة لعصا خشبية صغيرة لأن تشق البحر الهائج نصفين وتفتح فيه ممراً يابساً ليعبر من خلاله بني اسرائيل المؤمنون بالله، ثم تطبق على مطارديهم من فرعون وجنوده، ومعاجز أخرى عديدة جذبت عدد قليل من الناس الى الايمان، فيما أصرّ الآخرون على كفرهم وإنكارهم للخالق الواحد.

بينما اليوم فان تطور الفكر وارتفاع مستوى الوعي والثقافة أغنى البشرية عن معجزة خارقة ليؤمنوا بوحدانية الله، او بمحورية القيم في الحياة، وأن هنالك حياة أخرى بعد هذه الحياة، وأن ثمة ثواب وعقاب على ما يفعله الانسان في حياته، فقد آمن معظم الناس بكل ذلك، وأكثر من ذلك؛ أضحى الجميع يعتدون بأنفسهم أنهم أحرار في أنفسهم وأعمالهم كما خلقهم الله –تعالى- وتحت هذا الشعار تحديداً نشهد حصول كوارث رهيبة في العالم وبشكل لا يُصدق، فالجماعات الارهابية والتكفيرية التي حصلت على دعم غربي كبير في سوريا، وتحديداً من اميركا لتفعل المجازر المريعة والانتهاكات غير المسبوقة، لانها تبحث عن الحرية في بلادها وتريد استعادتها من نظام سياسي صادر هذه الحرية، وتحت نفس هذا الشعار يدعم الغرب الشواذ جنسياً في كل مكان بالعالم لانهم يريدون ممارسة حياتهم الجنسية بحرية بغض النظر عن موقف المجتمع والقيم والتاريخ وأي شيء خارج عن الذات الانسانية.

هؤلاء وغيرهم عندما يحدثون أنفسهم بما يقومون به يعدون انفسهم أصحّ الناس عقلاً، وأحسنهم عملاً، وأصوبهم طريقاً في الحياة، والسبب في ذلك؛ أن العواقب والآثار المترتبة خارجة من حساباتهم كما خرجت مفردات معنوية، كالنصيحة، والتوبة، والتواصي، والإيثار، والتضحية، وعندما يعترض عليهم أحد، يكون جوابهم: نحن مسؤولون عن تصرفاتنا وأعمالنا، ولا دخل لأحد بنا، واذا ما لحق بأحذ ضرر ما، فهو المسؤول لانه وقف في طريقنا!

إن كثرة الحديث عن الاعمال الخاطئة في العالم يجب ان يصحبه حديث أسهب وأكبر صدً عن العواقب والآثار السيئة على حياة الناس والاجيال، مثال ذلك؛ الحديث الطويل والعريض عن مرض الايدز منذ عقد الثمانينات حيث شهد انتشاراً واسعاً في كثير من دول العالم، غاب عنه الحديث عن الاسباب والمناشئ، والتفكير بمعالجة اسباب هذا المرض الجنسي قبل معالجة المرض نفسه، ورغم مرور اكثر من ثلاثين سنة على ذلك، نشهد دولاً تدّعي التحضّر والتقدم العلمي تبارك لزواج المثليين بين الرجال وبين النساء، وتعد ذلك جزءاً من مفهوم الحرية في حياة الانسان، فضلاً عن استمرارها في السكوت عن الإباحية الجنسية السائدة في معظم هذه الدول رغم معرفتها التفصيلية بالآثار الكارثية على صحة المجتمع في حاضره ومستقبله، وانها امراض معدية وخطيرة.

سقنا الامراض الجنسية مثالاً قريباً من الواقع، وثمة أمثلة كثيرة في العالم تمثل حالات شاذة من الاعمال المسببة للضرر البالغ على الآخرين، وهو ما يجب تسليط الضوء عليه في مختلف وسائل الاعلام، وفي موضوعات الكتب والمؤلفات للتحذير من تصرفات ونمط من السلوك ينعكس سلباً على المحيط الاجتماعي، ربما في المدينة الواحدة، وربما تتسع دائرة التأثير لتشمل العالم بأسره، كما حصل في ظهور مرض "كورونا المستجد"، ومن قبله أمراض وبائية معدية وفتاكة مثل السارس، وانفلوانزا الخنازير، وقبلها انفلوانزا الطيور، ونحن قبل ان ننصح سكان الصين والبلاد البعيدة بما يجب فعله، علينا التوجه لانفسنا والنظر فيما نقوم به ونفعله من تصرفات، وحسبنا حديث أمير المؤمنين، عليه السلام حيث يقول: "خير عملك ما أصلحت به يومك و شره ما استفسدت به قومك".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1