عندما كنا صغاراً في المدرسة، كانت ثمة لافتات نقرأها تدعو الى مفاهيم انسانية واخلاقية جميلة تبعث في الانسان (التلميذ الصغير) روح العمل والتصدّي وتحمل المسؤولية رغم صغر سنّه، مثل؛ "النظافة من الايمان"، و"ازرع ولا تقطع"، او "القرش الابيض ينفع في اليوم الاسود"، أما اليوم فان هذه الكلمات وأمثالها غابت عن الثقافة العامة لتحل محلّها عبارات مثل: "اتق شرّ من احسنت اليه"، و"هذه مشكلتك"!، او التعكّز على آيات قرآنية في مناسبات عديدة مثل: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}، و{لا إكراه في الدين}.

من المؤكد تعرّض المفاهيم والقيم الايجابية المتبناة في أي مجتمع للتصدّع بسبب الحروب والسياسات القمعية والديكتاتورية، وما تفرزه من أزمات اقتصادية وظواهر اجتماعية سيئة، بيد إن هذا لا يكون مبرراً للقبول بهذا التصدّع كأمر واقع حتى مرور وقت طويل وتغيّر الاوضاع كما حصل في العراق المحتاج الى أرضية اجتماعية رصينة ينهض بها للتغيير الحقيقي نحو الأفضل.

في عقود خلت، مما يُسمى بـ"الزمن الجميل" كان الناس ينظرون الى التعاون والتواصي والتكافل، نظرة إجلال وإكبار، لانهم قرأوا هذه المفاهيم بعمق، و ادركوا آثارها في حياتهم فآمنوا بها وراحوا يرفلون في ظلها، أما اليوم فان مفهوم "الاحسان" مثلاً مهدد بالتصدع بسبب القراءة الخاطئة وسوء الفهم، لذا نجد البعض يترجمه بمقولة شائعة "اتق شرّ من احسنت اليه"، رغم التناقض الواضح بين فعل الإحسان، والنتيجة السلبية ضمن مفردة "الشر".

واذا ما لاحت مبادرة لنشر الفضيلة والاخلاق والايمان في المجتمع، يقفز البعض الى الواجهة بالآية الكريمة: {وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}، او الآية الكريمة: {لا إكراه في الدين}. و حتى في دائرة الأسرة عندما يجري عن ضرورة تقويم المنهج التربوي والعناية أكثر بالشباب ومساعدتهم على الاختيار الصحيح في حياتهم، نسمع بمن يروي لنا الحديث عن أمير المؤمنين: "لا تأدبوا أولادكم فانهم خلقوا لزمان غير زمانكم".

القرآن الكريم يدعو الى العمل

قضت الحكمة الإلهية لتسير حياة البشر بأحسن ما يكون، بوجود الأحكام والقواعد والسنن الثابتة الى جانب المساحة الواسعة للعمل وفق هذه السنن والقواعد، بغية تحقيق أفضل النتائج، و بالامكان قراءة آيات عدّة في غير سورة مباركة تحثّ على الحركة والعمل والكدح، انطلاقاً من داخل نفس الانسان، بتغييرها وإصلاحها، ثم الى حيث الواقع الخارجي، والمحيط الاجتماعي بالبذل والعطاء والتضحية، وفي هذا المسار الطويل الممتد مع حياة البشر يجري الصراع المرير في النفس الانسانية بين العقل الذي يدعو صاحبه الى الخير وقيم الحق والفضيلة، والهوى الداعية الى اللذة السريعة والانفعال والتفريط، ولذا نجد القرآن الكريم يحدد هوية العمل بان يكون صالحاً، كون الانسان يمتلك قدرات من شأنها فعل كل شيء.

ولكن كيف تصدر من الانسان أعمال الخير والبر لمن هم حوله، وايضاً لنفسه؟

كما وهب الله –تعالى- العقل للانسان، واختبره بهوى النفس، أعطاه الإرادة والعزيمة لتحديد المسار المفضل لديه، وليس بالضرورة تكون الإرادة ذات منحى ايجابي، كما هو الشائع، إنما من شأنها ايضاً التأجيل والتسويف والتبرير والتنصّل من أعمال الخير مهما كانت مهمة وعظيمة، إنما العبرة في النتائج، فاذا كان في نيتنا التغيير الحقيقي علينا توجيه بوصلة الإرادة نحو هذا الطريق، وإلا "فان الواقع الاجتماعي، كما الواقع الفردي، حين يتوانى عن واجباته، يقوم بتبرير التقاعس، كما ان الافكار التي ينتجها هذا المجتمع تكون تبريرية ايضاً، وكل فكرة تبريرية تكون ذات أثر سيئ في تقدم الانسان، فلا تستطيع ان تكون خلاقة، لانها ورائها دوافع ذاتية" (الثقافة الرسالية- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).

إن العمل والتحرك الذي يدعو اليه القرآن الكريم يصب كليةً في مصلحة الانسان؛ في جانبيه الروحي والمادي، فثمة أعمال خير وبر موعود بها الانسان بأعظم الأجر في الآخرة، كذا الحال بالنسبة للحياة الدنيا –مدار موضوعنا- فان آثارها الايجابية تعود على الانسان نفسه، وعلى المجتمع بأسره؛ {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ}، (سورة البقرة،272)، والآية الكريمة التي تتحدث عن الجهاد وأبعادها الاجتماعية: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}، (سورة العنكبوت،6)، وايضاً الآية الأخرى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}، (سورة فصلت،46).

واذا كان هذا يصدق على القرآن الكريم، فانه يصدق ايضاً على الاحاديث المروية عن المعصومين، عليهم السلام، ذات المدخلية بالشأن الاجتماعي، فهي في الوقت الذي تضع قواعد وأسس للعلاقات الاجتماعية، وتحدد أحكام للنظام الاقتصادي والسياسي، فانها تدعو ايضاً للعمل، بل وايجاد التطبيقات العملية على ارض الواقع ليشهد الناس فائدتها في حياتهم، ولعل هذا يفسّر سرّ بقاء هذه الروايات في الضمير الاسلامي والانساني، لاسيما ما نقل عن أمير المؤمنين، وعن الامام الحسين، وعن الامام السجاد، وعن الامام الصادق، عليهم السلام، وما تأسس عليه من مناهج وعلوم ما تزال تغني الاجيال والأمم، ويشهد لها بالفضل المسلمون وغير المسلمين، فهي تدعو الى التفاعل الاجتماعي، والى الاجتهاد في العلم، وايضاً لصياغة شخصية الانسان.

الشكل أم المضمون؟

عندما نجد أمير المؤمنين، عليه السلام، وهو في اللحظات الاخيرة من حياته يوصي بأن "الله الله في القرآن لايسبقنكم بالعمل به غيركم"، نعرف مدى أهمية التطبيق العملي للقرآن وما جاء فيه من أحكام وقوانين ونظم، وقد صدقت نبوءته، عليه السلام، عندما استفادت الأمم الاخرى من هذا الكتاب العظيم في ارتقاء سلم التقدم والتطور في حياتهم، بينما يحتفظ المسلمون به كتاباً مثل أي كتاب آخر مصفوف على رفوف المكتبات، وربما يستقر عليه ذرات الغبار لتركه فترات طويلة!

أكثر ما نحتفي بالقرآن الكريم في مجالس التلاوة والحفظ، ودروس التعليم، ثم تقدمنا في المجال الاكاديمي ليحتل قسماً خاصاً في الدراسة الاكاديمية، وهذا كله حسنٌ، بل ومطلوب، إنما المطلوب قبل هذا العمل به، فعندما اتقنّا كل شيء سوى العمل بالقرآن الكريم حكمنا على انفسنا بالتخلف والجهل والتبعية، كما هو حال معظم بلادنا الاسلامية، وهذا ينسحب –طبعاً- على المصادر الاخرى المقدسة، مثل كلمات أمير المؤمنين (نهج البلاغة)، وأدعية الامام السجاد (الصحيفة السجادية)، وسائر الادعية والكلمات الصادرة عن الأئمة المعصومين، فانها للحفظ والتبرك والتبتّل ونيل الثواب الأخروي، بينما يغيب عنّا بشكل غريب، الثواب الدنيوي والآثار الملموسة، او ما يُسمى بـ "الآثار التكوينية" على الانسان، وعلى المجتمع.

وكلما كانت قراءتنا للقرآن الكريم ولتراث أهل البيت، عليهم السلام، قراءة معمّقة تستدعي الخطوات العملية، كلما تمكنا من الإسهام في عملية النهوض ثم التقدم في المجالات كافة بمشاركة اكبر عدد من افراد المجتمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0