تكشف مصادر اللغة عند العرب في معنى التأويل أنه حركة الأشياء نحو التكون "فاللبن يؤول" وهي عملية أو حركة التخثر للبن و"النهار يؤول" وهي حركة النهار من الضحى الى الزوال و"خَشَبات الخيمة تؤول" والخشبات هي الأعمدة أو الآلات التي تبنى بها الخيمة، وما تؤول اليه هذه الأشياء هي عملية وحركة تحصل بأصالة فيها وليس للإنسان دخل في تكونها، لكن في مصادر اللغة عند العرب أيضا هناك أشياء تؤول بتدخل الانسان وعمله ومنها تقول العرب "طبخ الشراب لكي يؤول" و"أوَّلته: أي صيّرته" و"آل: رجع " و"آل مالَه يؤوله إيالة إذا أصلحه وساسه" و" أَوّلّ الكلام تأّوَّله: دَبَّرَه وقَدَّره وأولّه وتأَوّله: فسّره " ولتنتهي مصادر اللغة بتعريف التأويل استنادا الى "آل" بمعنى رجع فصار تعريف التأويل هو: المرجع والمصير مأخوذ من آل يؤول الى كذا وكذا أي صار إليه، وأَوَّلته: صيّرته إليه... – راجع معنى القرآن بين التفسير والتأويل، عباس أمير، ص 82 – 90، الانتشار العربي، بيروت/لبنان، الطبعة الأولى، السنة 2008 م.

لكن غلب في الفكر الاسلامي لاسيما الفقهي والتفسيري معنى المرجع أو الرجع أو الردّ الى الأصل الذي هو النص/القرآن على معنى التأويل، واقتصر هذا المعنى على ظاهر النص وسطحه الظاهر. قال إمام الحرمين الجويني، التأويل: رد الظاهر إلى ما إليه مآله في دعوى المؤول، و قال أبو الحسن الآمدي: قال الغزالي: التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير بسببه أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر، ثم انتقد هذا التعريف ورجّح أن التأويل: من حيث هو تأويل، مع قطع النظر عن الصحة والبطلان، هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتمال له، بدليل يعضده.

وكان أبو العباس أحمد بن تيمية يرى قصر وقسر معنى التأويل ومنع التوسع في دلالته الشرعية والاسلامية فيقول: لفظ التأويل قد صار بسبب تعدد الاصطلاحات له ثلاثة معان احدهما: يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام وإن وافق ظاهره، و هذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة...وينتج عنه الوقوف عند الظاهر... والثاني يراد بلفظ التأويل: التفسير، وهو اصطلاح كثير من المفسرين...وهو تفريغ لمعنى التأويل لصالح مفهوم التفسير الذي لم يرد فيه النص/القرآن... والثالث أن يراد بلفظ التأويل صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه ظاهره إلى ما يخالف ذلك لدليل منفصل يوجب ذلك...

لكن التأويل لا يكون خلاف معنى الظاهر بالضرورة انما هو تعدد معنى الظاهر وهو ما أغفله ابن تيمية ولعله عمدا ويتم قوله بـ... وهذا التأويل لا يكون إلاّ مخالفا لما يدل عليه اللفظ و يبينه. و تسمية هذا تأويلً لم يكن في عرف السلف وانما سمّي هذا وحده تأويلا طائفة من المتأخرين من الخائضين في الفقه و أصوله والكلام، وظن هؤلاء أن قوله تعالى: (و ما يعلم تأويله إلِاّ الله) آل عمران: 7.يراد به هذا المعنى.– في هذه الاقتباسات راجع، التأويل عند أهل العلم، الشريف أبي محمد الحسن بن علي الكتاني الأثري، ص 5 - 6، الدار بلا الطبعة بلا السنة بلا، كتب في نهاية تصنيفه أنه كتبه بمدينة عمان من ارض الأردن عام 1416 هـ -

وبذلك تراجعت أهمية التأويل بعد قصره وقسره في المعنى الأول ونسبة تعريفه الأخير الى المتأخرين ومخالفتهم للسلف في ذلك المعنى الثالث مما وضعه في دائرة الشك والارتياب بالنسبة الى فقهاء الاسلام، وتأثر العقل الاسلامي عامة بهذا الارتياب فافقده قدرته على التوسع والاتساع فيما يصير إليه من جديد الفكر والمعرفة التي تشترط الصيرورة الدائمة فيما تصير إليه من انتاج وصيرورة مستمرة.

ويعد التأويل القاسم المشترك بين آليات فهم النصوص المقدسة، وبهذا تتشارك اليهودية والمسيحية والاسلامية في طريقة نشأة الفهم الديني لها، هذا الفهم الذي يتضمن التفسيرات والشروحات في العصور الأولى لهذه الديانات ثم الاجتهادات في العصور المتأخرة، وتنضاف اليها في تلك المشاركة النصوص المقدسة شبه الدينية كالبوذية واللاوية والكونفوشوسية حتى النصوص الوثنية واساطيرها القديمة تتشارك بآليات التأويل في تكوين الفهم لديها.

وينتج هذا القاسم عن مشترك آخر هو وظيفة النصوص في حياة البشر في تأسيس المعنى الذي يلجأ الى الرمز في تعبيراته ونصوصه ليرفد المعنى بإمكانية التجدد والبقاء، وتلك اهم وظائف الرمز في النصوص المقدسة، ولا يتحقق التجدد والبقاء في تحولات المعنى إلا بآليات بالتأويل.

فالنصوص المقدسة تختزل الدلالات الدفينة، وكانت الأساطير القديمة تؤسس لهذا المنحى في عمل النصوص المقدسة في اختزانها للدلالات، وهذه الدلالات لاسيما غير الظاهرة هي حقل عمل التأويل، ومن هنا ينخرط التأويل في علم الدلالة بشكل أقوى من بين العلوم الانسانية – راجع معجم العلوم الانسانية، جان فرانسوا دورتيه، ترجمة جورج كتورة، ص 187، دار الكلمة، الطبعة الأولى السنة1430 هـ 2009 م – لاسيما وان علم الدلالة يشكل العلاقة بين الكلمات والاشياء.

وفي عملية تكاملية في حقل استثارة الدلالات الدفينة في النصوص أو الدفائن المعرفية فيها، تهدف النصوص المقدسة الى استثارة دفائن العقول وفق الرؤية الدينية الخالصة بتحميلها الاشياء من المعنى ما يدعو دائما الى التأمل والتفكير فيها، وهنا يقول الامام علي ابن ابي طالب "انما بعث الله الانبياء لاستثارة عقول الرجال" ثم من خلال ما تحفزه تلك النصوص على التفكير واجالة النظر في الحقائق الالهية والكونية والحياتية البشرية – التاريخية.

لقد تكررت عبارات ألا يتفكرون ألا يتدبرون ألا يعقلون في آيات القرآن الكريم ويبدو التفاعل واضحا بين النص والتأويل في تاريخ الفهم الديني وتكوينات الفكر الديني، وما يمنح العلاقة بالتأويل زخما أقوى في الأديان أن النص الديني الأول يكون في لغة عليا تكف عن المباشرة بالفهم أو تماس الفكر بالسطح/اللفظ حصرا مما يمنح التأويل ذلك النطاق الأوسع في تجربة اللّوح/النص - من التلويح بالرمز - في التنزل في غور أبعاده واكتشاف المعاني الكامنة في اشاراته وتلويحاته، ومن الممكن أن نتأول في اللوح المحفوظ بما أنه مصدر كل النصوص الإلهية أنه التلويح بالعلم اللانهائي المحفوظ في جوف الغيب، التلويح به للمصطفين من البشر والملائكة للاطلاع عليه وليس ذلك المعنى لّلّوح الماثل في الاذهان من معنى الالواح المعهودة للكتابة أو الرقم. فاللوح هو الرمز لإمكانيه سبر الغور فيه والتنزيل منه في اصطفائية النبوة في الاديان وهو ما تحمل دلالته الرواية الاسلامية في نزول القرآن من اللوح المحفوظ – حول اللوح المحفوظ واستقرار العلم الالهي فيه وتنزله منه راجع بحار الأنوار، الشيخ محمد باقر المجلسي، تحقيق محمود درياب، مجلد 22 ص 209، دار التعارف/بيروت الطبعة الأولى السنة 1421 هـ - 2001 م -

والظاهر في النص الديني دون الباطن لا يمنح القدرة دائما على ادراك المعنى/الأصل الذي يظل في أغلب الأحيان يستقر في باطن النص في تاريخ الفهم الديني وفق مذاهب الشيعة في الاسلام والتي يذهب البعض منها بعيدا في الباطن والتأويل حتى يجاوزوا المعقول وهم الغلاة من فرق الشيعة، بينما يقف البعض منها عند حدود الاعتدال وعدم تجاوز الرواية عن أئمة أهل البيت وهم الأمامية، وأما أهل السنة فانهم يرون المعنى/الأصل في القرآن في المتشابه من آيات القرآن وفق مصدري التفسير عند أهل السنة وهما ابن عباس وتلميذه مجاهد، إذ يعرف ابن عباس آيات المحكم - آيات الظاهر- بانها " ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به "وأما آيات المتشابه فهي " منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به " فالحكم يستشف من الظاهر في المحكم من الآيات، واما المعنى فإنه يدرك في المتشابه من القرآن عامة من مقدمه ومؤخره وامثاله وأقسامه وما يُؤمن به، وقد عاب ابن عباس على الخوارج "أنهم يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه" أي لا يعرفون المعنى في آيات القرآن، وأما عند مجاهد فإن المحكم عنده هو ما عند ابن عباس وأما المتشابه فأنه ما يصدق بعضه بعضا وبذلك يكشف عن المعنى في القرآن دون سند خارجي، لكن نصر حامد أبو زيد يعدّه مقدمة لما سيقول به المعتزلة من التأويل المجازي للقرآن - الاتجاه العقلي في التفسير، حامد نصر أبو زيد، ص 134 – 144، المركز الثقافي العربي،الطبعة الخامسة، السنة 2003 م – رغم ان المعتزلة اعتمدوا سند العقل، وهو سند خارجي في تفسير ومعرفة المعنى في القرآن والذي يستند اليه معنى التأويل عندهم.

وجاء في تعريف التأويل عند الامامية أنه دفع الايهام بعد رفع الابهام ويعني به توجيه المعنى في القرآن بما يرجع به الى الوجه المعقول من محتملات القرآن – التمهيد في علوم القرآن، محمد هادي عرفة، ج 3 ص 25، مؤسسة التمهيد /قم، الطبعة الثالثة السنة 1432 هـ 2011 م – وتبدو علاقة الباطن بالتأويل عند الامامية أساسية وحاكمة في توجيه التأويل ووظيفته الدينية والتفسيرية، فقد روت الامامية في الحديث عن رسول الله قال " ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن " وقد سأل أبي جعفر محمد بن علي الباقر عن ذلك فقال " ظهره تنزيله وبطنه تأويله......يجري كما تجري الشمس والقمر " مما يفسح مجالا للمعنى في القرآن يتجدد كلما تجددت الشمس في مشرقها والقمر في أهلته - م ن، ج 3 ص 26 – ونستشف وفق مدلول الباطن عند الامامية أن مجرى القرآن وبقائه في الدهر انما يكمن في دلالة الباطن/التأويل وأن وراء الظاهر من اللفظ في القرآن يكمن في الباطن المعنى المقصود في القرآن كما يقول الشيخ محمد هادي عرفة – م ن، ج 3 ص 26 –

ولعل أبو القاسم علي بن الحسين الشريف المرتضى ت 436 هـ أول من أخرج وظيفة التأويل بما هو متعلق بالمتشابه في القرآن من ضيق الافق الذي اكتنفه في تاريخ الفكر الاسلامي، فقد كان محصورا في أراء ونظريات المجبرة والمشبهة والملحدة كما يقول الشريف المرتضى وما يستدل به هؤلاء من المتشابه بتأويلهم القاصر علميا وفكريا، وكذلك يشير الى استغلال الطاعنين في الاسلام للمتشابه من القرآن، ويرى أن ما صنف من كتب في هذا الباب من المتشابه في القرآن لم يحط بمعاني التأويل ومراميه في القرآن ولذلك يشرع في تفسير سورة الحمد وأوائل سورة البقرة على طريقة أو منهجية التعدد في المعاني المستنبطة والمتعددة في الآية الواحدة وهو ما يستوفي معنى الباطن/التأويل في تطبيقه منهجا في الفهم والتفسير.

ومنهجية المرتضى تبدأ بأسئلة واقعة تاريخيا أو مفترضة ذهنيا في مجمل آيات القرآن وليس المتشابه حصرا، وبذلك يعمم أسلوب التأويل على القرآن كله ساعيا الى التمهيد في تأويل المتشابه والكشف عن المعنى المتعدد فيه ولذلك يؤجل القول في تفسير وتأويل قوله تعالى " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " حتى بلوغها فهو يمهد الى معرفة التأويل من خلال المحكم والمتشابه في سورتي الفاتحة والبقرة لاسيما أحرفها الأولى المقطعة – رسائل الشريف المرتضى، أبو القاسم علي بن الحسين المرتضى، ج 3 ص 287- 305، منشورات مؤسسة النور للمطبوعات/بيروت – لبنان - وتكمن وظيفة الآيات المتشابهة في تحريك السؤال والجدل في المعنى منها وفي عامة القرآن وتتحرك آلية التأويل بقوة في العلم الاسلامي لاسيما علم التفسير وعلم الكلام لغرض الاجابة على هذه الأسئلة المشككة حيتا والمستفهمة احيانا وبذلك تكون الرصيد الفكري والعلمي في تراث وتاريخ الاسلام.

وبالقدر الذي كان الوقوف عند الظاهر او المحكم لدى الخوارج وهو ما تكشف عنه عبارة ابن عباس وكذلك عند أهل الظاهر وعند أهل الحديث في قبالة أهل الرأي يتسبب في الجمود الفكري وظهور الحشوية في كل أوقات وتاريخ الاسلام ومنشأ السلفية فيها، فأن التأويل عند المتكلمين والأصوليين وفلاسفة الاسلام ومتصوفة الاسلام كان يدفع بالفكر الاسلامي الى الاستجابة المستمرة الى التحولات التاريخية والثقافية التي مرت بها الحضارة والأمة الاسلامية في زحمة التحديات التي واجهتها الأمة الاسلامية لاسيما في تاريخها الوسيط ومنذ القرن الرابع الهجري الذي بدأت فيه موجات الغزو للدولة والحضارة الاسلامية وحتى نهاية الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر الهجري.

وهو ما يؤكد إمكانية بناء العقل الاسلامي وقدرته على بناء وصيرورة الافكار لديه من خلال التأويل بالمعنى الذي يفسح المجال أمام العقل وبإضاءة النقل.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1