المكان بغداد، والزمان قبل شهور، كاميرا الهاتف تصور مجموعة من الشرطة العراقية في زاوية صغيرة وهم يتجمعون حول صبي صغير تبدو عليه الصدمة والرعب، احدهم يحمل سكينا في يده، ويظهر في اصبعه خاتم يشير الى انه رجل مهذب، يحلق رأس الصبي بالسكين، ومن خلفه مجموعة من الشرطة يتلفظون بكلمات خادشة للحياء، الطفل يبرر لهم ويؤكد انه غير مذنب، يطلب منه رجل الامن وصف جسد والدته، تبدو علامات الصدمة اكثر على وجه الصبي، يؤكد عليه الشرطي، فيسكت الصبي، يصرخ الشرطي بوجهه تبدو علامات الانهيار على وجه الصبي ويبدأ بوصف جسد امه، يشعر الشرطي بنشوة الانتصار على الصبي عبر اجباره على فعل خادش للحياء، فضلا عن قص شعره بالسكين، فالإهانة اكتملت.

الامر يثير الحزن كثيراً لكنه ليس مفاجئاً بالمطلق، لان أسس بناء هذه الثقافة موجودة ومتجذرة في المجتمع العراقي، ولسنا هنا بصدد التنكيل وجلد الذات، ولا نريد تقديم القرابين للأجنبي عبر الحديث السيء عن مجتمعاتنا، هنا نريد توصيف سلوك مجتمعي سيء ولا بد من الانتباه له، هنا سلوك يمثل اقصى درجات الخروج عن الاخلاق، وهنا فقط نكتشف قيمة الاخلاق العامة وقيمة الحفاظ عليها أيضا بكل تفاصيلها حتى لا نتعرض نحن يوميا الى مثل مشهد الطفل هذا، الاخلاق هي التي تميز الانسان عن الوحوش عبر تقنينها لسلطته في حال اتيحت له بشكل مطلق، فبعد انهيار السلطة القانونية علينا اعلان النفير العام للحفاظ على ما تبقى من أسس أخلاقية رادعة حتى لا يتحول المجتمع الى وحوش، خلال رحلة اصلاح النظام السياسي والقانوني.

على الجانب الاخر من الاخلاق، وتحديدا في المجال السياسي الذي افرز هذه الظاهرة فالمشكلة مركبة، انها نتاج للسلطة السياسية والمجتمع أيضا، فقد أعطت السلطة للقوة والعنف الجسدي واللفظي المكانة الأولى في منهاجها اليومي للتعامل مع الناس، لم ترسخ لمبادئ العدالة بل غرست قيم العنف والاعتداء على الاخر وسلبه ارادته، واستلاب الإرادة يبدأ من حرمانه حق اختيار ممثليه اما بطريقة مباشرة كما كان يحدث زمن الحكم الدكتاتوري، او بطريقة غير مباشرة كما يحدث في عمليات تزوير الانتخابات وحرق الصناديق الانتخابية ومنع تفسير الدستور بطريقة صحيحة وتضييع الكثير من المواد القانونية او منع تفعيلها، يشعر الشعب انه في حالة حرب مع السلطة، يبدأ بالحرب ضد السلطة فتقعه يقتل او يجرح، يهدأ ثم يعود، واذا فشل في هزيمتها وغالباً ما يحدث هذا، يعلن الهزيمة لكنه ينصهر في قلب السلطة، وما بين الحرب ضد السلطة والانصهار فيها تبقى عجلة العنف تدور حاصدة كرامة الانسان او جسده.

تترسب المشكلة السياسية لتنعكس على النظام التعليمي، فالمدرس يمارس العنف البشع ضد طلبته، وهناك امثلة كثيرة من بينها مقطع فيديو متداول أواخر عام 2018 لاحد المدرسين في مدينة الموصل يقوم بضرب طلابه بطريقة غير رحيمة، خلع احذية الطلبة ووضعهم على الكراسي وضربهم بالعصا على اقدامهم العارية، بينما يصرخ الأطفال بقوة مرتعبين وكأنهم في غرف التعذيب في سجن أبو غريب. نعم المشهد شبيه بالسجون التي تقيمها الأنظمة الديكتاتورية.

اعادت السلطة دوران عجلة العنف والاهانات بشكل معاكس، قام محافظ الموصل في حينها باستدعاء المدرس الى مكتبه، بين يدي المحافظ مطأطئاً رأسه، يوبخه المحافظ بقسوة منقطعة النظير يستدعي حرسه ليجلبوا له ما يطلق عليه "المطركة" ليضربه ضربا مبرحا، يطرده من مكتبه فينفذ المعلم الأوامر، يصرخ به المحافظ من اجل العودة، فلا العودة مسموحة ولا المغادرة، كل ما عليك أيها المعلم الوقوف امامي لأشبعك اهانات.

وفي مجال التعاملات اليومية، يبدو العراك بالأيدي وما تجود به الطبيعة من خشب وحديد هو السلوك الطبيعي لحل الخلافات الشخصية، فقد ظهر أحدث مقطع فيديو قبل أيام عبر مواقع التواصل الاجتماعي لعامل في احدى محطات الوقود بالناصرية وهو يتعرض لكمٍ هائل من الاهانات اللفظية والجسدية لأنه طالب مجموعة من الشباب بدفع ما تبقى من فاتورة الوقود.

ما الذي اختلف اذاً المعلم يهين الطالب، والمحافظ يهين المعلم، والشرطي يهين الصبي، والمواطن يهين عامل محطة الوقود، وهذه مجرد امثلة مشهورة، اما المخفي فربما لم يسلم منه عراقي واحد، نحصل على إهانة وتعنيف في المؤسسات الحكومية جميعها، لا فرق بين المؤسسات الأمنية والتربوية والخدمية الا بنوع العنف وشدته، وما بين المحافظ والمعلم والشرطي والموظف والمواطن علاقة اتفقوا فيها على خرق القواعد الأخلاقية والقانونية، لا يحق لاي احد منهم اخذ دور الجلاد، وليس من حقه ان يتجاوز الحدود العامة لوظيفته، من حيث توفير الامن كما هو حال الشرطي، او تربية الأطفال ليندمجوا مع النظام الاجتماعي كما هو حال المعلم، او الحفاظ على مسافة واحدة من الجميع كما هو حال المحافظ والوزير وكل مسؤول حكومي.

قد يستطيع القانون معالجة حالات الاعتداء التي يقوم بها موظف حكومي، لكن هناك عنف لفظي تتداوله حتى وسائل الاعلام ونسمعه يوميا في الأسواق، هو نفسه عنف الشرطة ضد الصبي، فألام او الأخت هنا هي الوسيلة لممارسة السادية ضد الاخر، ومن المفارقة ان تتحول الى وسيلة للتعبير عن الصداقة، فالصديق لا يمكن الشعور بالأمان بقربه الا بعد الحصول على جواز الاعتداء على الام او الأخت، هي علاقة معقدة بين ان تكون العدو اللدود فتحصل على نصيبك من الالفاظ اللاأخلاقية، أو أن تكون صديقاً حميماً فتحصل على نفس النسبة من الالفاظ اللاأخلاقية.

على المجتمع معالجة مشكلة الاخلاق، وعلى السلطة السياسية والقانونية تعزيز هذه الاخلاق، ولا يمكن التنازل عنها بغض النظر عن كونها موجهة ضد أي أحد.

انقر لاضافة تعليق
محمد علي
العراق
من بعد إذن الدكتور مسلم، أجيب على السؤال الوارد في العنوان: بنعم؛ ممكن العيش بدون أخلاق في ظل نظام حكم يفتقد للأطر القانونينة الصحيحة، كما يفتقر الى القيم الاخلاقية والانسانية، بالامكان تصفح أيام النظام البعثي في العراق وكيف علّم الناس على أن المهم في الحياة الحصول على الوظيفة والمال والزلفى الى السلطة والحزب، وليس الأخلاق والآداب والفضيلة، كما فهم الناس من ذلك النظام -وكل نظام على شاكلته- أن الولاء له أهم وأعظم من الايمان بالقيم والالتزام بالاخلاق والآداب. مع الشكر الجزيل2020-08-04

مواضيع ذات صلة

31