للنصيحة آثار إيجابية، لما تتضمنه من معانٍ جميلة وعميقة: كالإخلاص والصدق وحب الخير والوفاء وغيرها من قيم الأخلاق الفاضلة.

وقد أولى الإسلام أهمية كبيرة للنصيحة، لما لها من آثار إيجابية في بناء حياة الأفراد والمجتمعات، وتعميم الخير، والتعاون على البر والتقوى، ونشر قيم الأخلاق المحمودة في المجتمع.

إن الإسلام يأمر بكل خير، ويدعو إلى كل فضيلة؛ فقد دعا إلى التحلي بفضيلة النصيحة، والتناصح بين الناس بما يعود عليهم بالخير، فالنصيحة إنما تنبع من حب الإنسان المؤمن الخير لأخيه كما يحبه لنفسه، وهو الغاية من النصيحة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لِيَنصَحِ الرّجُلُ مِنكُم أخاهُ كنَصيحَتِهِ لنَفسِهِ»، فكما يحب الإنسان الخير لنفسه عليه أن يحبه لإخوانه وأصدقائه ومعارفه وكافة المؤمنين، وكما يكره الشر لنفسه عليه أن يكرهه لغيره أيضاً.

فالمؤمن من طبيعته أنه يحب الخير لنفسه وأخيه، وتجد فيه نزعة حب الخير للآخرين متأصلة، ليشيع الحق والخير والصلاح في المجتمع، وهو ما يحفزه للنصح والتوجيه والإرشاد، قال الإمامُ عليٌّ عليه السلام: «المؤمِنُ غَريزَتُهُ النُّصحُ». فالمؤمن من سجيته النصح لإخوانه وإرشادهم إلى الطريق المستقيم، وهذا من أخلاق المؤمن؛ ولذلك فـ «النَّصيحَةُ مِن أخلاقِ الكِرامِ» كما قال الإمامُ عليٌّ عليه السلام.

إن النصيحة خلق من أخلاق القرآن الكريم، وفضيلة من فضائل الإسلام العظيم، ونقرأ في البيان النبوي ما يؤكِّد لنا عِظم مكانة النَّصيحة من الدِّين، وأنَّها عِماده وقوامه، حيث قال النبيّ صلى الله عليه وآله: «الدِّينُ النَّصيحَةُ».

يكفى النصيحة فضيلة وشرفاً وفضلاً وعلواً أنها صفة من صفات الأنبياء، وفضيلة من فضائل الرسل، وهم النماذج الكاملة الذين اخترهم الله تعالى لتبليغ رسالاته إلى خلقه، إذ نجد في القرآن الكريم عدة إشارات مهمة إلى أن من أهم وظائف الأنبياء والرسل النصح والإرشاد إلى الناس.

والنصيحة كما هي من صفات الأنبياء والرسل، كذلك هي من صفات الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، حيث كان همهم الأساس النصح والإرشاد للناس، وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى ذلك معتبراً إياها من حقوق الأمة على الإمام، حيث قال: «أيُّها النّاسُ، إنّ لي علَيكُم حَقّاً ولَكُم علَيَّ حَقٌّ، فأمّا حَقُّكُم علَيَّ فالنَّصيحَةُ لَكُم... وأمّا حَقِّي علَيكُم فالوَفاءُ بالبَيعَةِ، والنَّصيحَةُ في المَشهَدِ والمَغيبِ».

فمن حق المؤمن على المؤمن تقديم النصيحة له، قال الإمامُ الصّادقُ عليه السلام: «يَجِبُ لِلمؤمنِ علَى المؤمنِ النَّصيحَةُ لَهُ في المَشهَدِ والمَغيبِ». وعنه عليه السلام قال: «المؤمنُ أخو المؤمنِ يَحِقُّ علَيهِ نَصيحَتُهُ».

والإنسان الناصح الصادق والأمين في نصحه محسن لمن نصحه ومشفق عليه، وينبغي مقابلته بقبول نصيحته والأخذ بها، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: «اسمَعوا النَّصيحَةَ مِمَّن أهداها إلَيكُم، واعقِلوها على‏ أنفُسِكُم». وعنه عليه السلام قال: «مِن أكبَرِ التَّوفيقِ الأخذُ بالنَّصيحَةِ».

ولابد عدم التفريط في قبول النصيحة خصوصاً إذا كانت صادرة من أهل الحكمة والعلم والفضل والتجربة في الحياة. وشكر من يقدم النصيحة لك؛ لأنه إذا نصحك ناصح أمين فإنه يحب الخير والتوفيق لك، وعليك مكافئته بالشكر والامتنان على نصيحته، فإن مناصحك مشفق عليك ومحسن إليك كما أشار الإمامُ عليٌّ عليه السلام إلى ذلك بقوله: «مُناصِحُكَ مُشفِقٌ علَيكَ، مُحسِنٌ إلَيكَ، ناظِرٌ في عَواقِبِكَ، مُستَدرِكٌ فَوارِطَكَ، ففي طاعَتِهِ رَشادُكَ، وفي مُخالَفَتِهِ فَسادُكَ».

ومع الأسف هناك من يزعل من النصيحة أو يغضب أو ينفعل، ولا يحب أن ينصحه أحد؛ وهذا خطأ، لأن الناصح قد يبصّرك بعيبك، أو ينبّهك من غفلتك، أو ينهاك عن غيّك، أو يرشدك إلى طريق الحق والخير؛ فعليك أن تكافئ الناصح إليك بالشكر والإحسان لأنه محسن ومخلص في صداقته لك.

إن الصديق الصدوق والمخلص هو من يبصرك بعيوبك، لا من يغشك بمسايرتك وإن أضحكك، قال الإمام علي عليه السلام: «الصَّديقُ الصَّدوقُ: مَن نَصَحَكَ في عَيبِكَ، وحَفِظَكَ في غَيبِكَ، وآثَرَكَ على‏ نَفسِهِ»، وعنه عليه السلام قال: «إنّما سُمِّيَ الصَّديقُ صَديقاً لأنّهُ يَصدُقُكَ في نَفسِكَ ومَعايِبِكَ، فَمَن فَعَلَ ذلكَ فاستَنِمْ إلَيهِ فإنَّهُ الصَّدِيقُ».

وقال الإمامُ الباقرُ عليه السلام: «اتَّبِعْ مَن يُبكيكَ وهُو لكَ ناصِحٌ، ولا تَتَّبِعْ مَن يُضحِكُكُ وهُو لكَ غاشٌّ». وقال الإمامُ الصّادقُ عليه السلام: «أحَبُّ إخواني إلَيَّ مَن أهدى‏ إلَيَّ عُيوبي».

وللنصيحة آداباً ينبغي العمل بها، ومنها: أن تكون النصيحة سراً لتكون أوقع في النفس، وأقرب للقبول بها، فقد ورد عن الإمام العسكري عليه السلام أنه قال: «مَن وَعَظَ أخاهُ سِرّاً فَقَد زانَهُ، ومَن وَعَظَهُ عَلانِيَةً فَقَد شانَهُ»، فالنصيحة أمام الناس ذم وتقريع، كما أشار الإمامُ عليٌّ عليه السلام إلى ذلك بقوله: «نُصحُكَ‏ بَينَ المَلَأِ تَقْريعٌ». فمن أراد أن ينصح أحداً فعليه أن ينصحه سراً حتى يحافظ على كرامته ويسهل عليه قبولها، وإلا فإن الغالب أن ترفض النصيحة إذا كانت أمام الملأ بسبب الشعور بالإهانة، أو لوجود كبر وغرور وعجب بالنفس عند المنصوح له تمنعه عن قبولها.

ومن المبادرات الطيبة أن يبادر الإنسان نفسه إلى طلب النصيحة والمشورة ممن يراهم أهلاً لذلك، وعلى الناصح أن يخلص في نصيحته للمستنصح، وقد اعتبر رسولُ اللَّهِ أن ذلك من حقوق المسلم على المسلم، فقد قال صلى الله عليه وآله: «حقُّ المسلمِ على‏ المسلمِ سِتٌّ: [وذكر منها] وإذا اسْتَنْصَحَكَ فانْصَحْ لَهُ‏» ومثل هذا الإنسان يتقدم ويتطور، لأنه يستفيد من تجارب وأفكار وعقول غيره، وقد قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: «أعلَمُ النّاسِ مَن جَمَعَ عِلمَ النّاسِ إلى‏ عِلمِهِ».

ولا يقتصر أمر النصيحة على الأفراد، بل حتى المجتمعات بحاجة للاستفادة من أهل الخبرة والتجربة والعلم، وذلك بطلب النصيحة منهم، حتى يتقدم المجتمع ويتطور، وإلا فإن المجتمع الذي تغيب عنه حالة التناصح في أوساطه يبقى يراوح مكانه، ولا خير يرجى منه، فقد قال الإمام علي عليه السلام: «لا خَيرَ في قَومٍ لَيسوا بناصِحينَ ولا يُحِبُّونَ النّاصِحينَ».

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4