تزامنا مع ذكرى ولادة خاتم الانبياء والمرسلين ابي القاسم محمد عليه افضل الصلاة واتم التسليم، عقد مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث ندوته الحوارية تحت عنوان (التحوّل الأخلاقي كأساس للتغيير والإصلاح. النهج النبوي نموذجاً) وذلك بمشاركة عدد من الشخصيات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية في ملتقى النبأ الأسبوعي.

قدم مدير مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث حيدر الجراح ورقة الباحث في المركز باسم الزيدي، وجاء فيها:

عاصرت المجتمعات الإنسانية على مدى العقود القليلة المنصرمة تحولات كبيرة جداً على مختلف المستويات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية والسياسية وحتى الفكرية والثقافية، وما زال العالم يعيش عملية التحول المستمرة بوتيرتها المتسارعة والتي اثرت (سلباً وايجاباً) بالكثير من المفاهيم والعادات والثقافات والمعتقدات التي كانت سائدة، بل وابتكر مفاهيم وقيم جديدة أصبحت مثار للجدل والخلاف والتنازع بين القبول والرفض.

وبالتركيز في البحث على الجانب الأخلاقي في عملية التحول المادي الذي شهده العالم نجد ان هناك ضمور وتراجع كبير لا يتناسب وحجم التطور الكبير في المجالات الأخرى وهو امر يدعو للاستغراب والتعجب من جهة والى دق ناقوس الخطر من جهة أخرى، خصوصاً إذا ما شاهدنا الاثار السلبية لهذه التحولات التي رافقتها مشاكل أخلاقية أكبر، مثلما حدث في مجال التطور التكنولوجي الذي ولد الإدمان على العاب الفيديو وشبكات التواصل الاجتماعي والاباحية وغيرها الكثير.

هذا الامر بطبيعة الحال خطير جداً ويستدعي من الجميع التحرك بسرعة من اجل الإصلاح والتغيير والذي لن يتحقق من دون تحول أخلاقي أساسي في منظومة القيم يساهم في دعم التحولات الأخرى (الاقتصادية، السياسية، التكنولوجية...الخ)، ويستوعب الاثار النفسية والاجتماعية السلبية التي ولدتها هذه التحولات، وبالتالي ردم الفجوة بين التطور التكنولوجي والتخلف الأخلاقي.

من هذا المنطلق كانت الاستفادة من سيرة النبي الاكرم محمد بن عبد الله (ص) كنموذج أخلاقي متفرد ومتميز امر في غاية الأهمية والاعتبار، فرسول الله (ص) جاء في مجتمع جاهلي ومتعصب لقيم اجتماعية معينة ورافض لفكرة أي تحول او تنازل عن منظومته الخلقية التي ورثها عن اسلافه (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا ما أَنزَلَ ألله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابآءنا).

وقد بادر رسول الله (ص) الى تغيير منظومة قيم الاخلاق الاجتماعية السائدة آنذاك لينطلق نحو التحول الشامل في القيم الأخلاقية القادرة على التأسيس او استيعاب أي تغيير مستقبلي، من خلال زرع مفاهيم الأمانة والثقة بالأخر والصدق والورع والعطاء والتكافل وتحمل المسؤولية والعمل والتعلم وبالتالي استطاع النجاح في احداث باقي التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من خلال هذا التحول الأخلاقي الكبير الذي أسس له رسول الله (ص).

وقد حقق رسول الله (ص) هذا التحول الأخلاقي، الذي جعل من قبيلتي (الاوس والخزرج) المتحاربتين بدموية طوال (200) عام من الزمن الى أنصار متحابين لا يفرقهم عن اخوتهم أي شيء، بطريقة متميزة اعتمدت في جانب منها على عدم الاكراه على التغيير او الاجبار في الإصلاح بل بالحكمة والموعظة (ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وفي الجانب الاخر انطلقت من نفسه الكريمة في ان يكون القدوة الصالحة والاسوة الحسنة والمثال لمن يروم احداث التغيير في نفوسهم.

وقد زخرت سيرة الرسول الكريم (ص) العطرة من افعاله واقواله بمنهاج أخلاقي نبوي متكامل يمكن للباحثين والمهتمين الاستفادة منه في صياغة التحول الأخلاقي وعملية الإصلاح والتغيير المنشودة.

وللولوج اكثر في تفاصيل هذا الموضوع كان لابد من طرح الاسئلة التالية:

السؤال الاول: ما هو دور القيم الاخلاقية في التحولات الكبرى التي تعصف بالمجتمعات في عصر الحداثة والعولمة؟

لا قيمة للتطورات ما لم يكون هناك انسان

- عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، يعتقد: "إن جذور الامم تمتد من حيث عمقها الاخلاقي والانساني إلى افاق بعيدة، بالتالي ما قيمة الانسان اذا لم يكن لديه مساحة من الاخلاق تمكنه من أن يكون انسانا بمعنى الكلمة، لذا فان التحولات الكبرى التي حدثت في العالم خدشت هذا الجانب خدشا كبيرا، عندها تحول الانسان من انسان حامل للأمانة إلى انسان مكمل لدور الالة، بل ربما قد تم الاستغناء عن الانسان بما تقدمه الالة، لذا فالتركيز على هذا الجانب هو عنوان مهم ومهم جدا".

اضاف الصالحي "خصوصا ونحن اليوم نحتاج إلى ثورة في الاخلاق وفي بناء الانسان وتحديث القيم مرة اخرى، وأن نوجد كذلك تحولات اخلاقية تواجه التحولات الحداثوية، فضلا عن بناء منظومة فكرية تتماشي مع ما يكسبه العالم من تطور، وهذا يجعلنا امام حقيقة التركيز على الاخلاق بشكل مستمر، ناهيك عن تحديث قيمة الانسان لان الانسان هو القيمة العليا، ولا قيمة للتطورات ما لم يكون هناك انسان يقودها في المقدمة لا يتبعها في النهاية".

التحول الاخلاقي يتم في المفاصل والمراحل التاريخية المهمة

- الدكتور قحطان حسين الحسيني الباحث في مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، اكد على: ""إن الرسول الكريم (ص) قال (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، بالتالي هو عندما دعا الناس للأيمان برسالته دعاهم باسم الاخلاق وباسم الانسانية، لكنه بالمقابل لم يضرب كل القيم الاخلاقية التي كانت سائدة آنذاك، فلا يمكن لأي مجتمع وفي أي زمان أن يتم الغاء وتبديل كل القيم الاخلاقية، انما هناك دعوة لتعزيز القيم الاخلاقية الاصيلة والنبيلة، وأن تلغى تلك القيم التي لا تتناسب مع مكانة وقيمة الانسان".

اضاف الحسيني "لذا فالتحول الاخلاقي يتم في المفاصل والمراحل التاريخية المهمة، والتي تشهد اما ثورات فكرية عظيمة أو رسالات سماوية أو احيانا يحصل تغير سلبي، فالمجتمعات الانسانية الراهنة وبالذات المجتمعات الاسلامية تواجه تحديا كبيرا، وهذا التحدي يمكن رصده من خلال عصر العولمة والحداثة، التي يتعرض فيها افراد المجتمع المسلم إلى موجات من القيم الدخيلة على سلوكياتهم واخلاقهم، وهذا واقعا ما يحصل اليوم فهناك تحول كبير في اخلاق المسلمين بسبب التأثر السلبي بالتقنيات العصرية والغربية".

يكمل الحسيني "لذا نحن اليوم بحاجة إلى ثورة، ولكن من يقوم بتلك الثورة ومن ينظر لها ومن ينفذ خططها، وهنا أصل واساس المشكلة التي اصبحت متجذرة، وهي تحتاج للحل وتحتاج للدراسات المعمقة وإلى المؤتمرات، بغية الالتفات اليها والاهتمام بها فربما تطرق فكرة هنا أو هناك، لكن بالنتيجة التحدي أصبح كبيرا جدا، وهو يحتاج إلى تضافر جميع جهود عامة الناس والمهتمين على وجه الخصوص".

عودة الإنسان إلى وضعه الفطري

- أ.م.د حسين أحمد السرحان، رئيس قسم الدراسات الدولية في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة كربلاء وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، يرى: "إن النبي الاكرم (ص) اراد أن يحدث تحولا كبيرا في المجتمع، لذلك هو صب اهتمامه نحو الانسان وهو لم يدع إلى دين المعبد أو السلطة أو ما شاكل، انما دعا إلى دين الانسان وهذا ما نجده شاخصا من خلال الحديث النبوي الشريف القائل( استفت قلبك ولو أفتاك الناس)".

اضاف السرحان "فهو اراد من خلال ذلك أن يعود بالإنسان إلى وضعه الطبيعي والفطري والوجداني، فكان هناك تركيز عالي على موضوع الاخلاق، التي اصبحت تشكل علامة فارقة في التحولات الكبرى وفي هذه المرحلة بالذات أي مع ظهور عصر الحداثة والعولمة والقيم الدخيلة، فلم تعد المنظومات القيمية محصنة داخل مجتمع معين، وانما اصبحت معرضة للتهديد أو الازاحة أو التغيير من قبل منظومات اخرى، خصوصا وأن تلك المنظومات الفكرية أكثر قدرة على التسويق وعلى الانغماس في المجتمعات".

يكمل السرحان "لذا عندما نتحدث عن التحولات الكبرى فنحن نحتاج إلى تحول اخلاقي وقيمي اكبر، شريطة أن يراعي ويناسب تلك التحولات الكبرى، وايضا أن لا يلغي دور الانسان كانسان على اعتباره هو اس الديانات وهو اس التضحيات الكبيرة، لذلك نحن نحتاج اليوم إلى تغيير كبير في المنظومة القيمية، وأن لا يكون اصحاب المعابد واصحاب السلطة هم المتسلطون على الانسان، وبالتالي صاحب السلطة يصادر انسانية الفرد باسم الجماعة وباسم الحفاظ على المذهب أو الدين أو المنظومة الدينية".

الاخلاق والجانب المادي

- الدكتور حيدر حسين أحمد آل طعمة، التدريسي في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة كربلاء، والباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، يرى "بان التطور المادي والاخلاقي يسيران جنبا إلى جنب في العالم الغربي وهذه حقيقة ملموسة، والغاية هي تنمية الحس الاخلاقي والمادي على حد سواء، فلذلك القيم والاخلاق ممكن أن تنمو حتى مع الجانب المادي وليس على حسابه، ولكن ما نراه اليوم من ذوبان للأخلاق هذا في السياسة وهو امر مشخص".

مجتمعات تتكلم عن الاخلاق بلا اخلاق

- الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية "يستفسر هل هناك تحولات كبرى بدون تحول اخلاقي، خصوصا وأن هذه التحولات الحداثوية الكبرى التي نراها اليوم كعصر الحداثة وما بعد الحداثة، هل حصل هذا ما لم يكن هناك تقدم في الجانب الاخلاقي، للأسف نحن في مجتمعاتنا الاسلامية ومن عصر الرسول(ص) وإلى الان الاخلاق هي عبارة عن كلمة مطاطية، تستثمر بطريقة تحاكي اصحاب النفوذ والسلطة، مرة يستخدمها الصحابة حتى يبررون استيلائهم على السلطة، ومرة ثاني يأتي الإسلاميون في العصر الحديث ويبررونها بطريقة اخرى، والعلمانيون كذلك يستخدمون ذات الاسلوب ويمررون الاخلاق على طريقتهم الخاصة".

اضاف العرداوي "بالنتيجة التخلف هو سيد الموقف في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، خصوصا وأن تلك المجتمعات تتكلم عن الاخلاق وهي بلا اخلاق، هذا المجتمعات لو كانت تمتلك هذه المنظومة الاخلاقية الحقيقية، فلو كانت هي فعلا متأسيه برسولها الكريم (ص) لوجدنا هذه المجتمعات لا تنظر للآخرين على انهم متفوقون وهم متأخرون، ولكن لان هذه المجتمعات تركت الاخلاق منذ زمن بعيد فتسيد عليها غيرها، ووجدنا اليوم نحن في التعليم نواجه ازمة اخلاقية، وفي السياسة نواجه ازمة اخلاقية، وفي الاقتصاد والتعاملات التجارية هناك ازمة اخلاقية، وحتى في العلاقات الاجتماعية والاسرية هناك ازمة اخلاقية".

 يكمل العرداوي "بالتالي اليوم نحن امام ازمة اخلاقية تعصف بنا من قاعدة المجتمع وهي الاسرة وصولا إلى قمة الهرم وهي السلطة، هذه الازمة الاخلاقية سببها أن تلك المجتمعات لم تشعر بحاجتها للأخلاق، وانما هي فقط بحاجة للحصول على الامان وعلى الحياة كيفما كانت، والا هي لو كانت تشعر بمدى حاجتها لتطور اخلاقي حقيقي لوجدنا هذه المجتمعات تتعظ من مرة أو اثنين أو ثلاثة، فنحن منذ (14) قرنا نعاني من ازمة اخلاقية، فعلى سبيل المثال رواندا وبوروندي كانت اكثر الدول تخلفا وقتلا، لكنهم وبعد مرور فترة من الزمن اتعظوا من تلك التجارب التي مروا بها، واليوم هم من الدول الافريقية المهمة في (النظافة / الاستقرار / الاقتصاد / السياسة/ التعليم)، لذلك فان اكثر الدول تكلما عن الاخلاق هي امم بلا اخلاق".

يضيف ايضا "وهذه حقيقة واقعة فالدول القوية هي ليست بحاجة أن تتكلم عن تقوية الدولة، لكن الدول الضعيفة هي دائما تتحدث عن ضرورة تقوية الدولة، اضف إلى ذلك فان اجتماعنا اليوم بحد ذاته هو عنوان صريح فلو كنا نشعر بوجود بنية اخلاقية في مجتمعاتنا، لما اجتمعنا اليوم كي نتحدث عن الاخلاق، بل ربما كنا نتحدث عن اشياء اخرى".

الاخلاق مجموعة مثل

- الحقوقي احمد جويد، مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات، اورد الينا قائلا "(لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)( أدبني ربي فأحسن تأديبي)( إنما بُعِثْتُ لأتمّم مكارم الاخلاق)، لذا فان الاخلاق هي عبارة عن مجموعة مثل وقيم منها (الصدق/الامانة/ النزاهة/ حفظ الجار/ حفظ العرض)، في العالم الغربي اليوم على سبيل المثال وضمن التسلسل الوظيفي نجد المسؤول أو الموظف يصنف على اساس النزاهة والمهارة، فالمهارة تشكل نسبة (80%) وما تبقى يكون من حصة الاخلاق، اما نحن فالعكس هو صحيح فالمسؤول العراقي والموظف العراقي يراد منه اليوم (80%) نزاهة و (20%) مهارة".

اضاف جويد "وذلك لان المهارة تتطور بمرور الوقت، لكن عندما يكون الشخص فاقد للأخلاق فلا يكون امينا على المال العام وعلى مستقبل الاجيال، فالنبي الاكرم(ص) عندما جاء على المجتمع العربي كانت يمتلك ذلك المجتمع بعض الاخلاق وبعض القيم، التي كان من الضروري أن يشيد بها من جهة وينبذ القيم الاخرى التي لا تتوافق مع الاسلام، لذا نحن نحتاج اليوم إلى أن نتصالح مع أنفسنا وهذا حتما سينسحب تلقائيا على المجتمع".

الانسان في طبيعته يحب المال

- حامد عبد الحسين الجبوري باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، يرى "إن الانسان في طبيعته يحب المال وهو عندما يحصل عليه يفرح، وكذلك بالنسبة للمديح فالإنسان من طبيعته ايضا يحب الاطراء، وايضا عندما يفعل فعلا خيرا هو يفرح، وكل تلك المعاني تلامس الوجدان، الا أن ذلك لم يتعزز بحكم التوازن المفقود ما بين الجوانب المادية والمعنوية، خصوصا ونحن نشهد حالة التحول العالمي نحو الرأسمالية أي (أن الغاية تبرر الوسيلة)".

اضاف الجبوري "فالعالم اليوم كله يبحث وراء المال، وهذا ليس شيئا مستهجنا بل لابد أن تتم عملية الحصول على الربح لرفع قيمة الانسان وليس العكس، لذا نحن نحتاج إلى اعادة التفكير بخصوص اكتساب المال وأن يكون وسيلة وليست غاية".

عزلة العالم في الجانب الاخلاقي

- علي حسين عبيد كاتب في مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، يجد "إن الاخلاق هي ليست ازمة عراقية ولا عربية ولا اسلامية بل ازمة عالمية، العالم كله يعاني من عزلة على الجانب الاخلاقي، الامام الشيرازي (رحمه الله) يصف العالم بانه عالم مجانين ويأتي بعدد من الادلة ومن الاسانيد، ويقول حربان أي الحرب العالمية الاولى والثانية قتل فيها ما يقارب (80) مليون انسان ومئات الملايين من الجرحى والمصابين، فلو كان هناك اخلاق تقوم عليها العلاقات الدولية والانسانية كان من الممكن تلافي هاتين الحربين".

اضاف عبيد "التي استخلص منها العالم وقادة العالم الكثير من الدروس والعبر إلى حد ما، لكن خلال العقدين الماضيين بدأت المادة تطغي على كل شيء وارتكست الاخلاق مرة اخرى هذا على المستوى العالمي، اما بخصوص الشعب العراقي فكان في سبعينيات القرن الماضي وما قبل ذلك وما بعدها كان مجتمعا بسيطا، وكان يتعامل بقيم عالية رغم قلة الوعي والفقر والبساطة، اما الان ورغم وجود كل وسائل العلم والتواصل والنشر وحتى الخطب الدينية اصبحت تصل بشكل مباشر، لكن بالمقابل الاخلاق انحسرت وهذا شيء لافت للنظر ومخيب للآمال".

لا يوجد درس للأخلاق

- محمد علي جواد مدير تحرير مجلة الهدى يعتقد: "مع كل تلك الاسقاطات والوضع السلبي الموجود والمناقض لقضية الاخلاق، بالتالي لابد أن نبحث عن الحلول وعن البدائل المناسبة كي نخرج من هذه المشكلة، خصوصا وان الملاحظ ومنذ قرن من الزمن هناك تطورات واضحة على كل الصعد والمجالات، فهناك تطور ملموس على الجانب ( العلمي/المهني/التجاري)، وهذا التطور ركز على الجوانب المادية مع شديد الاسف ولم يعط لقضية الاخلاق الحصة الكافية".

اضاف جواد "فالأخلاق لها دور كبير في مختلف حياة الانسان ولكن هذا مغيب، فعلى سبيل المثال في كل الوسائل التعليمية والتربوية لا يوجد هناك درس للأخلاق وهذا كان موجود سابقا، لذا فالجميع بحاجة إلى الاخلاق من الطفل الصغير إلى الرجل الكبير".

مستوى اجتماعي ومستوى فردي

- الدكتور علاء إبراهيم الحسيني التدريسي في كلية القانون بجامعة كربلاء، والباحث في مركز آدم، يرى: "بان الاخلاق لها مستويان الاول مستوى اجتماعي والاخر مستوى فردي، وهذا ما نريد الارتقاء اليه من خلال التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع العراقي، فمثلا المادة(38) من الدستور عندما تتكلم (إن الدولة تكفل حرية الرأي بكل الوسائل بما لا يتعارض مع النظام والآداب العامة)، فالآداب هي القيم الاجتماعية".

اضاف الحسيني "إلى جانب ذلك هناك التحولات الاقتصادية فقد تحول اقتصاد العراق من اقتصاد اشتراكي إلى اقتصاد يراد له أن يكون اقتصاد السوق، ايضا تعرض إلى تحول سياسي وازمة سياسية كبيرة جدا، وتعرض كذلك إلى تحول اجتماعي كبير نتيجة الارهاب وما شاكل، وهذا مما تسبب في موجات هجرة ونزوح كبيرة جدا، نحو مدن بعينها وخلو مدن معينة من نسيج اجتماعي معين، فهذه تحولات كبرى على المستوى العراقي على اقل تقدير، اضافة إلى ذلك ما افرزته وسائل التواصل وما خلقته من تحولات كبرى في المجتمع".

يكمل الحسيني "فاليوم عندما نريد أن نحدد هذه القيم الاجتماعية وهي ليست ثابتة وانما هي ترجع للأعراف وهذه الاعراف هي نسبية من حيث الزمان والمكان، فنحتاج إلى أن نضع ضابطة لان القيم الاجتماعية بحد ذاتها هي نسبية وقد تؤدي إلى العصف بالحقوق والحريات، وذلك على اعتبار اننا لا توجد لدينا ضابطة محددة ننزل عندها، اما على المستوى الفردي فهناك تحدي كبير بسبب انهيار القيم الاخلاقية، فاليوم الفساد المالي والاداري في العراق امسى على يد كبار الفاسدين وهم متدينون في ذات الوقت، فهذا الانهيار في القيم الاخلاقية على المستوى الديني والعلماني، اصبح يشكل علامة فارقة في وجدان الامة".

يضيف الحسيني "خاصة وأن مسألة القيم على المستوى الاجتماعي هي متباينة بين مجتمع واخر وزمان واخر، لكن المستوى الثاني هو مشترك بين الانسانية جمعاء (الضمير/ الصدق / الامانة/ الشجاعة / الاخلاص)، لذا عندما نربط حديثنا هذا بمثال عن الامام علي عليه السلام وخلال فترة وجيزة استطاع أن يعيد هذه المنظومة وبتحول كبير جدا، إلى سابق عهدها أي إلى زمن الرسول الكريم (ص)، لذا نحن نحتاج إلى شخصية نموذجية على امل الوصول إلى حالة الانسجام مع الاخلاق".

لابد على المتعلم أن يكون خلوقا

- الحقوقي هاشم المطيري، منظمة العمل الاسلامي، قال: "إن المجتمع الذي عاصر رسول الله(ص) كان يعتبر السلب والنهب شجاعة ويعتبر واد البنات والنساء من الشرف، وايضا كان الرجل منهم يطوف في الكعبة عاريا، وبهذا المجتمع المتغازي المتناقض خلق رسول الله(ص) مجتمعا رساليا ودولة رسالية ولم يستخدم شيء يجانب الاخلاق، ولهذا وصف رب العزة والجلالة الرسول الاعظم(ص)(وانك لعلى خلق عظيم)، فرسول الله(ص) عندما نريد أن نتخذه قدوة ومنهج عمل بنفسه، فكان هو نموذج حي وواقعي لذلك سمي (الصادق الامين) قبل البعثة النبوية".

اضاف المطيري "الشيء الثاني الذي عمل عليه رسول الله(ص) قد جاء إلى تلك النفس البشرية وأوقظ فيها ما هو كامن وهي القيم والاخلاق، فرب العزة والجلالة عندما خلق الانسان خلقه على الفطرة، والفطرة السليمة هو الوجدان الذي من احد جوانبه هو القيم والاشياء الحسنة، لذلك كان رسول الله(ص)وبتلك الفترة البسيطة التي لا تتجاوز(23) سنة عمر رسالته الشريفة، استطاع أن يوقد شعلا من النور في نفوس الافراد بشكل عام، وتحول هذا المجتمع من مجتمع قاسي يقتل من اجل السمعة والنصرة، ناهيك عن كون ذلك المجتمع كان ذو مستوى اخلاقي متدني كون الفرد منهم كان يرث زوجات ابيه".

يكمل المطيري "نعم كانت هناك قيم يحملها العرب ولكن تلك القيم بالمفاسد الكبيرة هي لا تقاس، فرسول الله (ص) اوقد في تلك النفوس وجعل الوجدان البشري يتحرك في مسيرته، فاليوم عندما ادعو إلى الاخلاق ولا امارس الاخلاق الناس لن تقتدي بي، بالتالي الدور الرسالي للفرد مهم جدا في تقويم المجتمع، اضافة إلى ذلك هل العلم والاخلاق متلازمان؟ الجواب لا، لاسيما وان الاخلاق هي تربية والعلم هو تعلم، ولكن لابد على المتعلم أن يكون خلوقا".

اضاف ايضا "لذا فعلى جميع المثقفين والناشطين المتحضرين أن يرجعوا إلى أنفسهم فيصلحوا أنفسهم ويقوموا بهذا الدور الرسالي، وأن يكونوا شعله في ذلك المجتمع كي ينقاد الناس اليهم".

الدولة الريعية والحصول على المال بلا عمل

- الشيخ مرتضى معاش، المشرف العام على مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، "يهنئ العالم الاسلامي بميلاد الرسول الاكرم(ص)، ويسال الله عزه وجل أن يجعل من تلك المناسبة فرصة للاتعاظ والعبرة من سيرة رسول الله (ص)، ويرى ان النص القرآني القائل (وانك لعلى خلقا عظيم) هذا النص فيه مجموعة مضامين، لاسيما (واو القسم) فضلا عن وجود اربعة تأكيدات وهي (أن / اللام / على/ تقديم الخبر على المبتدأ)، هذه كلها تعتبر تأكيدات في اللغة وفي البلاغة، اضف إلى ذلك أن التأكيد الكبير في هذه الآية القرآنية كون رسول الله(ص) جاء بثورة اخلاقية عظيمة، وكل سيرته عندما ننظر اليها هي مركز اشعاع مستمر للتعلم الاخلاقي. فالرسول الاكرم(ص) وبالتحول الكبير الذي احدثه اسس من خلال الثقة التي كان يحملها على اعتباره هو (الصادق الأمين)".

اضاف معاش "خاصة وأن أي تحول يكون في المجتمع ما لم يسبقه تحول اخلاقي في السلوك والقيم لا يمكن أن يكون تحولا ناجحا، واقرب مثال على ذلك شخص ما جاء للرسول الكريم(ص) وطلب منه النصيحة فقال له لا تكذب، ثلاثة مرات، بالتالي فان اساس نجاح أي مجتمع هو الصدق والثقة، فالاقتصاد عندما لا يكون قائما على الثقة هو اقتصاد فاشل، وهذا جوهر القضية التي نعاني منها اليوم، فغالبية المعاملات التي تجري في السوق هي خارج اطار الثقة، لذلك نحن لا نجد من يستثمر ومن يقرض ومن يشتري بضاعة وهو متأكد من صلاحية تلك البضاعة، لذا فالثقة هي اساس الاقتصاد".

يكمل معاش "وعلى هذا الاساس فبعض الدول التي نجحت في الاقتصاد هي اسست لنظام يضمن حالة الثقة بين المتعاملين، بالتالي فان الثورة الاخلاقية هي تسبق أي تحول كبير ومهما كانت نوعه وخصوصيته، فالعراق اليوم يشهد تحولا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا كبيرا، هذا التحول هو تحول فاشل لان النخب لم تسع لبناء التحول الاخلاقي والقيمي، والسبب لان الجميع كان يفكر في الربح المادي، فالسياسي لا يفكر الا بالسلطة وبحب المال، عندها هذا التحول السياسي والاقتصادي اسس لمنظومة فساد كبيرة".

وأضاف "هناك كاتب معروف في علم المستقبليات يسمى (ألفن توفلر) عنده كتاب يحمل عنوان (صدمة المستقبل)، يقول فيه اننا اليوم نواجه ازمة كبيرة جدا في عملية الانفصام بين التقدم التكنلوجي الكبير وبين عدم استيعاب النفس البشرية لهذا التحول التكنلوجي، بالتالي فان التحول التكنلوجي الحاصل اليوم لا تستوعبه النفس البشرية، الا انه بالمقابل لا يوجد تطور سلوكي وقيمي ازاء تلك التحولات، لذا فان أي تحول يحدث ما لم يكون هناك تحول يقابله في ذات الانسان بالقيم والأخلاق وحينئذ يحدث الاضطراب والاختلال، فالتقدم الاجتماعي الذي تقوده شبكات التواصل الاجتماعي اليوم تؤسس لحضارة جديدة مفككة وفوضوية، وهي لا تعرف إلى ماذا يؤسس هذا التطور التكنلوجي".

 وأضاف "اليابان مثلا اساس تقدمها هو التحول الاخلاقي من خلال منظومة القيم التي تقوم على حب العمل واعتباره شيئا مقدسا وإلى ابعد الحدود، يضاف إلى ذلك أن التفاني الاجتماعي والعمل الجماعي في اليابان يمثل عنوانا عظيما وكبيرا، وهو يرمز لحالة التخلي عن الذات والثقة الكبيرة في هذا المجتمع، على العكس ما يحصل في العراق اليوم فالتحول السياسي ادى الى تكريس الدولة الريعية والحصول على المنفعة الشخصية والحصول على المال بلا عمل".

مصدر الاخلاق الدين والغرائز

الكاتب خضير العواد، مغترب عراقي في كندا، يرى "إن مصدر الاخلاق يقوم على شيئين وهما الدين والغرائز الموجودة لدى الانسان، فالعالم اليوم يشهد حالة ابتعاد عن الدين وبالتالي كأني بالبشرية تبتعد عن القيم الاخلاقية بشكل كبير جدا، وهذا مما جعل تلك المجتمعات هي اقرب ما تكون للحضارة المادية والقوانين المادية، بالمقابل هناك الكثير من القيم الاخلاقية التي تم تجاوزها، فلذلك المجتمع الغربي اليوم على حافة الانهيار خصوصا وأن اساس المجتمع هي الاسرة، فالأسرة في الغرب منتهية جدا فلا يوجد ترابط أسري بين جميع مكونات تلك الاسرة".

اضاف ايضا "لذلك لا توجد قيمة اخلاقية في الغرب لكنهم في حقيقة الامر استفادوا من الرسالات السماوية من اجل تعزيز التشريعات القانونية، الشيء الاخر المجتمع الغربي يمارس الازدواجية في اعلى صورها خاصة وهو يدعم تلك الحروب الظالمة التي تشن بالضد من (سوريا/ اليمن / العراق/ ليبيا/ فلسطين)، فضلا عن ذلك فان مسالة اهتمامهم بشعبهم له مغزى اقتصادي ومادي، لذا هم استفادوا من بعض القوانين من اجل ترسيخ بعض القيم الاخلاقية، وهذا اساس مشكلتنا في الشرق الاوسط فنحن نحاول ترك الدين تدريجيا من جهة ومن جهة اخرى نحن غير معنيين بتنظيم القوانين التي تخدم المجتمع".

السؤال الثاني: كيف يمكن الاستفادة من المنهج النبوي في عملية احداث التحول الاخلاقي؟

- عدنان الصالحي يرى: "إن الموضوع ليس بالشيء الصعب، خصوصا وأن ما اتت به السماء عن طريق رسول الله(ص) وعن طريق الانبياء السابقين هو قابل للتطبيق. والا قد يوصف بالظلم والاجحاف وحاشى لله ذلك ان يظلم عباده، البعض من الناس يقول لماذا لا نسلك مسلك امير المؤمنين عليه السلام وهو من رسم حدود الدولة الاسلامية، البعض الآخر يتحدث بأن هذا الامر مستحيل، وهذا شيء مستغرب خاصة ونحن نعيش لحظة انتظار خروج صاحب العصر والزمان(عج)".

اضاف الصالحي "اذا من حيث الواقع ومن حيث التطبيق يمكن أن يكون ذلك، فلدينا افضل كتاب وافضل رسول وافضل ائمة، الا أن الواقع هو اسوا واقع والسبب يعود للتطبيق الذي مورس على يد المطبق السيء، فعندما تكون لديك معادلة رياضية متفق على صحتها مئة بالمئة ويكون الناتج خطأ المشكلة في المطبق وليس في المعادلة، اذا يمكن أن نستفاد من سيرة رسول الله(ص) وان نحذو حذوهم فعلا وقولا".

- الدكتور قحطان حسين الحسيني "يستشهد بالآية التالية (ومَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا)، فالإنسان بكيانه هو مشروع للأخلاق الحسنة وفي نفس الوقت هو مشروع للأخلاق السيئة، ولكن من يجعل للإنسان اخلاق حسنة واخلاق سيئة هي العوامل المحيطة، فهناك الجوانب المادية كثقافة المجتمع، الدين السائد، القيم السائدة، النظام التربوي والتعليمي، السلطة ايضا باعتبارها هي الضابط والحاكم الاساسي لسلوكيات المجتمع من خلال القوانين التي تصدرها وتشرعها وتنفذها على ارض الواقع".

اضاف الحسيني "بالتالي فان الاستفادة من النهج النبوي الشريف ليس بالأمر الصعب، فهناك نفسيات واخلاق اصبحت راسخة ومعتقد بها، الا أن الاخلاق عندما تكون مرتبطة بالمصلحة احيانا فهي اخلاق مصطنعة وليست حقيقية، ولكننا ورغم ذلك ندرك بان التمسك بالأخلاق يعود لنا بالمنفعة لكن نحن بطبيعتنا فوضويين، ولا نحبذ الالتزام ونعتبره قيدا على اعناقنا، وهذا خلاف المنطق فمتى ما توفرت الاخلاق قد نستغني عن السلطة".

القوة ضد الفاسدين

- الدكتور خالد عليوي العرداوي "يؤكد على أن المجتمع العراقي يمتلك القدر الكافي من المنظومة الاخلاقية الصحيحة، ولكن كما يقال في علم النفس لا حل لمشكلة بدون وعي، فاليوم الانسان لا يشعر بحجم مشكلته ما لم يكن لديه وعي بهذه المشكلة، فلا يمكن للمصاب بالمرض ان يشعر بحاجته إلى الطبيب ما لم يدرك انه مريض، بالتالي المجتمعات اليوم اذا لم تدرك حقيقة انها بحاجة إلى منظومة اخلاقية صحيحة، وتدرك ايضا انها مريضة بمنظومتها الاخلاقية الحالية المطبقة حاليا، خصوصا وأن هنا فرق كبير جدا بين أن نتحدث عن الاخلاق النبوية وأن نتكلم عن واقع معاش".

اضاف العرداوي "فعلى هذا الاساس نلاحظ حتى المشرع العراقي لدينا اصبح بلا اخلاق، والا كيف يمكن ان يبرر المشرع الدستوري لنفسه أن يعطي لصاحب الراتب الذي مقداره(11) مليون دينار، أن يعطيه ثلاثة ملايين دينار عراقي كبدل ايجار، وبالمقابل هو يأتي للمواطن العراقي الذي بدون راتب ويعيش في التجاوز ولا يعطيه شيء، اليس كلاهما يصنف على انه مواطن في هذه الدولة التي من المفترض أن يكون فيها حقوق وحريات، بالإضافة إلى ما تقدم فإن نسبة الفقر في العراق وخلال الشهرين الماضيين وحسب الاحصائيات الرسمية، وصل مستوى الفقر في العراق إلى (40%)، بل اكثر من ذلك وصل الحال ببعض الاسر العراقية لا تستطيع أن تدفن موتاها".

يكمل العرداوي "ففي ظل هكذا واقع نحن اليوم بحاجة إلى جرعة من الاخلاق، والاخلاق لا يعني أن نكون طيبين مع الاخرين، وانما لابد أن اكون شديد القوة على الفاسد وان تكون لدي القدرة على أن انزع صلاحيات الفاسد، فواحد من قيم الاخلاق أن تستعيد مجتمعاتنا قيم الرجولة والبطولة، ناهيك عن قدرتها في الدفاع عن حقها في الحياة، فالأخلاق ليست قضية للآخرة بل هي قضية للحياة وللتعايش فيما بيننا، وذلك حتى نحفظ انفسنا وعوائلنا واحفادنا واولادنا، لذا فان الأخلاق هي حالة ضرورية للمجتمع وعلينا أن نشعر بتلك الاخلاق، خاصة وانها تشكل مصدر قوة فالرسول محمد(ص) عندما جاء إلى مكة اعطى لهذه الامة القبلية المتخلفة اعطاها جرعة من الرجولة والاحساس بقيمتها".

اضاف ايضا "اما اذا بقينا نتكلم عن الاخلاق على انها فلسفة مقترنة بعنوان الطيبة فالأمور لا تبشر بخير، لاسيما وأن الاخلاق الحقيقية أن اكون شديد الوطأة على الفاسد وأن اكون فارس في الدفاع عن الحقوق والحريات، فبهذه المنظومة من الاخلاق نستطيع أن نبني مجتمعنا، والفاسد كذلك لا يستطيع أن يطبق فساده في مجتمعنا، في الختام لا زال النبي محمد (ص) واهل بيته الطيبين الطاهرين عليهم السلام هم منارة وقدوة واسوة حسنة للأحرار، ولكن علينا فعلا أن نشعر بحاجتنا للأخلاق النبوية وحاجتنا للسيرة النبوية".

- الحقوقي احمد جويد، يعتقد: "إن القضية ليست بالشيء الهين واليسير وانما هو صراع بين الخير والشر، يضاف إلى ذلك فأن من يحمل المنظومة الاخلاقية ينظر اليه المجتمع ومع شديد الاسف على انه انسان فقير وساذج، الا أن هذا الامر لابد أن يقاوم وبشدة وذلك من خلال ترسيخ القيم الاخلاقية في وجدان هذه الامة، بغير ذلك لا يمكن أن نأتي للمجتمع ونعطيه جرعة اخلاق، ما لم يسبق هذا الامر الكثير من الاستعدادات على مستوى تأسيس المؤسسات الكبيرة والفاعلة، فالنبي عليه افضل الصلاة والسلام كان وحده امة فهو يحمل كل القيم الاخلاقية النبيلة، فكانت تلك الحقيقة من المسلمات بالنسبة للنبي الكريم(ص)حيث يمتثل لأمر السماء، وذلك من خلال تجارة يقوم بها أو يؤتمن على مال أو حتى لو يؤتمن على حكم من الاحكام".

اضاف جويد "فهذا المعنى كان متجذر في حياة وسيرة الرسول الكريم(ص)، ومن الاخلاق ايضا حتى قول الحق، والامام امير المؤمنين عليه السلام يقول (ما ترك لي الحق من صديق)، بالتالي فعلا نحن امام صراع بين الخير والشر وبين الفجور والتقوى، فاليوم الحاكم وعندما يتسلط على أي مجتمع هو ينزع منه شيئين وهما العلم والاخلاق، وبالتالي نحن نحتاج إلى اعادة التفكير كثيرا بتلك المنظومة، اخيرا نتمنى أن تكون تلك الجلسة نافذة لطرح العديد من الافكار والكتابات التي تختص بالأخلاق وبالاجتماع وبحقوق الانسان وبكل مفاصل العلوم الحياتية".

- حامد عبد الحسين الجبوري "يدعو إلى اعادة ترتيب الاولويات بين الهدف والوسيلة، خصوصا وأن سبب تراجع العامل الاخلاقي هو وضع الربح في المرتبة الاولى، لذا لابد أن نرجع تلك الثقافة لاسيما على مستوى الاهتمام بالإنسان، وأن ننظر للمادة على انها وسيلة وليست غاية".

 - علي حسين عبيد، يعتقد: "إن المشكلة الاساسية تتمحور في التطبيق وهي جوهر الاشكالية التي تعترض الواقع الاجتماعي اليوم، لاسيما وأن الكل يتحدث عن الاخلاق وبإسهاب عالي لكن غير معني بالتطبيق حرفيا، بالتالي لابد أن تتم معالجتها على المستوى الفردي لاسيما على مستوى الاسرة والصف الدراسي والسوق وباقي تفاصيل الحياة".

- محمد علي جواد، يجد: "إن الاخلاق كتب عنها كثيرا ونظر لها كثيرا لاسيما في الاوساط الاسلامية، ولكن لم تتحول تلك الافكار والثقافات إلى منهج عملي، خاصة وأن الكثير من الناس يرفض فكرة التأسي بالرسول الكريم (ص) على اعتباره نموذج صعب المراس، وهنا تكمن المشكلة بالكثير من الافكار الحديثة يتم تطبيقها الان من قبل الشباب، ولكن منهج النبي الكريم(ص) يعتبر شيء مستحيل وغير قابل للتطبيق، وهذا المعنى يحتاج منا إلى عمل دؤوب وجهود مضاعفة من قبل المؤسسات الثقافية والشريحة المثقفة والمراكز التربوية والتعليمية، خصوصا وأن سيرة الرسول الاكرم(ص) هي جزء لا يجتزأ من التراث الاسلامي وجزء من التاريخ، لذا لابد أن نحول هذا النهج الفكري والثقافي إلى واقع عملي.

الامتيازات والسلوكيات المنحرفة

- الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، قال: "لو نظرنا إلى رسول الله(ص) والى ابن عمه الامام علي عليه السلام كيف كانوا قبل تولي السلطة وكيف اصبحوا بعد تولي السلطة، فلا نجد فرقا كبيرا في تعاملهم وفي قيمهم واخلاقهم ونظرتهم للاتباع وللرعية، خاصة وأن الرسول الاعظم (ص) وكذلك امير المؤمنين (ع) كان يجمع بيده السلطات الثلاثة تقريبا وهي التشريعية والتنفيذية والقضائية".

اضاف الحسيني "فماذا يكون حالة الامة لو اعطينا هذه السلطات الواسعة جدا لشخص ما، فكيف سيتصرف وما هو سلوكه وما هي القرارات التي سيتخذها، بالتأكيد لو اجرينا مقابلة بسيطة جدا مع من تولى السلطة الان في العراق، جل من فاز بالانتخابات لعام (2018) كانوا ينتقدون الدورات السابقة وينتقدون الامتيازات والسلوكيات المنحرفة التي جاء بها بعض السياسيين، لكن ما أن وصل هؤلاء إلى بريق السلطة نجد انه لم يختلف كثيرا عن سابقيه، بل انغمس في هذه المنحدر وانتهى به الامر إلى أن يدافع عن الامتيازات التي حصل عليها أو التي يزمع أن يحصل عليها".

يكمل الحسيني "من هذا نستشف بان فائدتنا من هؤلاء هي فائدة ينبغي أن تكون عملية وليست نظرية، الذي يتولى السلطة في العراق لاسيما رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء واعضاء مجلس النواب لهم مسألتين، مسالة اولى ننظر إلى الدستور العراقي مثلا قد اشترط على رئيس الجمهورية (أن يكون ذا سمعة حسنة وخبرة سياسية ومشهودا له في النزاهة والاستقامة والعدالة والاخلاص للوطن)، وهذه ايضا اشترطها المشرع الدستوري على رئيس الوزراء ومن بعده اشترطت على كل الوزراء، واشترط كذلك المشرع الدستوري عليهم جميعا ان يقسموا اليمين الدستوري وفق المادة(50) من الدستور".

اضاف ايضا" التي قالت اقسم بالله العظيم أن اودي مهامي ومسؤولياتي بتفاني واخلاص وأن ارعى مصالح الشعب واحافظ على الحقوق والحريات العامة والخاصة واستقلال القضاء والنظام الديمقراطي الاتحادي وتطبيق التشريعات بأمانة وحياد، فاين هذه المثل وهذه القيم التي اصبحت مجرد شعارات، بل الاكثر من هذا هو يقسم على أن يحافظ على مصالح الشعب والشعب يتعرض إلى هجمة شرسة، وداعش على ابواب بغداد ولا تفصلها عن العاصمة الا امتار بسيطة ويدعون إلى اعلان حالة الطوارئ في العراق، ولكن لأسباب سياسية أو غيرها لا يعلن حالة الطوارئ في العراق، فهؤلاء اذا لم يستفيدوا من درس امير المؤمنين (ع) ولا درس من رسول الله (ص) أي شيء، ونحن ايضا نتحمل جزء من المسؤولية لإعادة انتخاب بعضهم أو للترويج لأفكار بعضهم أو الدفاع عن بعضهم".

- الحقوقي هاشم المطيري "يجد أن الشعارات البراقة دائما تأتي مصيدة إلى الناس لاستغلالهم، اما بخصوص امكانية الاستفادة من سيرة رسول الله(ص) حتما نستطيع الاستفادة من تلك السيرة العطرة، والسبب كوننا مأمورين مسلمين أن نقتدي بسيرة الرسول(ص) وقوله وتقريره، وكان رسول الله(ص) يعمل كما تعمل الناس وكذلك امير المؤمنين عليه السلام يعمل كما تعمل الناس، فكان الرسول الكريم(ص) والائمة الهداة يفعلون ما نستطيع، لذا يجب علينا جميعا ان نسعى إلى بناء انسان رسالي، وهذا الانسان يحمل رسالة القيم والاخلاق ورسالة رسول الله(ص)، وبالتالي ستتحول امتنا إلى امة مؤمنة بتاريخها بقيمها بأخلاقها برسالتها، واذا استطعنا أن نجعل من هذه الامة امة مؤمنة نسبيا، فسوف نخلف حضارة اسلامية انسانية كما خلفها المعصومين صلوات الله عليهم اجمعين".

التخلق بأخلاق الله

- الشيخ مرتضى معاش، قال: "يذكر في الاحاديث والادعية بان لله سبحانه وتعالى له الف اسم، فلماذا يحتاج الله سبحانه وتعالى إلى الف اسم، لان هذه الاسماء تشير إلى اخلاق الله سبحانه وتعالى وهو يعلمنا الاخلاق ما هي، ويقولون عندما يتخلق الانسان بأخلاق الله سبحانه وتعالى تكون له بوابة ومفاتيح للحياة ويستطيع أن يفعل أي شيء، من اجل يصل إلى العظمة كما وصل رسول الله (ص) الى العظمة المطلقة (وانك لعلى خلقا عظيم)، لذلك فهذه الاسماء هي بوابات للنجاح وبوابات للسعادة وبوابات للطريق الصحيح والسليم، لذا لابد أن نقرأ تلك الاسماء ونتأملها ونطبقها".

اضاف معاش "ولكن الغريب في الامر أن اغلب الناس يطبقون اسلوب الفرعنة وينازعون الله سبحانه وتعالى في عملية استعباد الآخرين والاحتكار والاستئثار والتعسف بالعنف والاستبداد والطغيان، وفي مقابل هذا نحتاج إلى صناعة الشخصية الصالحة السليمة (ولكم في رسول الله اسوة حسنة)، فرسول الله(ص) اوجد لنا معاني الشخصية الصالحة وهي تعتمد على (التسامح/ العفو/ اللاعنف)، لذلك فان المجتمع الجاهلي الذي كان قائم على (العنف/ الثأر/ الانتقام/ العنصرية/ السلب)، هذا (اللاعنف/ التسامح/ التضامن/ التكافل/ الاخوة) صفات هي اعمدة لبناء الشخصية الصالحة والناجحة، لذا نحن نحتاج كنخب تريد أن تحمل رسالة النبي وشخصية النبي(ص)، أن تكون شخصية متميزة وصاحبة مسؤولية للخروج ليس من اجل مجتمعه فقط بل من اجل مستقبل ابناءه والتفكير في مستقبل الاجيال القادمة وأن نكون نموذجا صالحا يقتدي به ابناؤنا".

يكمل معاش "وهذا واقع ملموس فهناك الكثير من الناس اصبحوا نماذج صالحة يحذو حذوها الناس، لاسيما وأن الناس واقعا يحبون النموذج الصالح ويتبعونه، لكن عندما يكون هناك فقدان للنموذج الصالح بالنتيجة ينتهي الامر، وهذا ما تشير اليه الآية القرآنية (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)، هذه الآية ترسم خارطة طريق نحو هذا المفتاح الكبير وهو الاخلاق، وهو الذي يفتح بوابة التحولات، وفعلا نجح رسول الله(ص) في رسالته وفتح باب التحول الكبير للإنسانية ليس الان فحسب بل للمستقبل القريب والبعيد".

اضاف ايضا "هي مسيرة مستمرة تحتاج من الانسان أن يتعلم ويتعلم حتى يصل إلى مرحلة النضج والتكامل، لذلك نقترح على مراكز الدراسات أن تقوم بتصحيح الوضع الفاسد القائم الذي يعيشه بلادنا الان، وذلك من خلال كتابة منهج اخلاقي عن سيرة الرسول(ص) ويدرس في المدارس من الابتدائية إلى الجامعة وإلى جميع الفئات الاجتماعية، شريطة أن تكون مناهج اخلاقية عملية تربوية وليست فقط وعظية".

الكاتب خضير العواد، يرى: "إن غاية الرسالات السماوية هي سعادة الانسان في الدنيا وسعادته في الاخرة، بينما غاية الرسالات الوضعية هي سعادة الانسان في الدنيا، وهنا تشترك غاية الرسالات السماوية والوضعية بهدف واحد وهو سعادة الانسان في هذه الدنيا، والاساس الذي يعتمد عليه الانسان في السعادة هي مسالة القيم الاخلاقية وانتشارها في المجتمع، وافضل نموذج لابد أن يحتذي به الانسان هو رسول الله(ص)، بحيث خلال هذه الفترة القصيرة التي لا تتجاوز(23)عام حول هذا المجتمع، استطاع أن يغير الكثير من الثقافات البالية التي كانت ينتهجها العرب".

اضاف "لاسيما ثقافة واد البنات ونصرة المظلوم ناهيك عن مسائل اخرى كانت تتبع في العصر الجاهلي، لذا نحن اليوم مطالبين بان نحذو حذو رسول الله(ص) وأن نقتدي به ونسير على خطاه حتى نصل إلى السعادة، فواحد من العوامل الاساسية التي اعتمد عليها رسول الله(ص) في نشر القيم والاخلاقيات في المجتمع هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر".

"الشيء الثاني الامام الحسين عليه السلام الشعار الاول الذي أطلقه (اني لم اخرج أشرا ولا بطرا، وإنما خرجت من أجل الإصلاح في امة جدي رسول الله لآمر بالمعروف وانهي عن المنكر)، بالتالي فان زيارة اربعينية الامام الحسين عليه السلام اليوم يراد لها أن تجسد حالة القرب من سيرة الرسول الاكرم(ص)، حيث تجد الاخلاقيات العالية في اعلى صورها، فلابد أن ننمي تلك الثقافة لجعلها منهاج عمل على مدار العام وليس لأيام معدودات".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0