تتزايد الرمال حين تتراجع الأشجار، وتتسع رقعة الأرض الجافة كلما فقدت الطبيعة غطاءها الأخضر. وفي بلد يُعدّ فيه التصحر واحداً من أبرز التحديات البيئية والمناخية، تبدو مشاريع التشجير خط دفاع طبيعي استراتيجي لاستعادة التوازن البيئي وتحسين جودة الحياة. إن مبادرة غرس ثلاثة آلاف شجرة في سامراء عبر حملة العراق أخضر...
تتزايد الرمال حين تتراجع الأشجار، وتتسع رقعة الأرض الجافة كلما فقدت الطبيعة غطاءها الأخضر. وفي بلد اعتاد أن تكون بساتينه ومناطقه الخضراء جزءًا من ذاكرته وهويته، يُعدّ التصحر واحدًا من التحديات البيئية التي تفرض حضورها بقوة على المشهد العراقي. فالمسألة تتجاوز جفاف التربة وتراجع المساحات الزراعية، لتلامس حياة الإنسان وصحته واقتصاده ومستقبل المدن التي تواجه ارتفاع درجات الحرارة وتراجع المساحات الخضراء عامًا بعد آخر.
يمثل التصحر في العراق قضية بيئية ذات أبعاد متعددة، تتداخل فيها عوامل التغير المناخي، وقلة الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الموارد المائية، فضلًا عن التجاوزات على الأراضي الزراعية، وضعف الاهتمام بالتشجير في بعض المناطق، وقلة اهتمام بعض المواطنين بالجانب الزراعي. وقد انعكست هذه العوامل على مساحات واسعة من الأراضي، وأثّرت في الإنتاج الزراعي، وأدّت إلى تراجع الغطاء النباتي الذي يشكّل خط الدفاع الطبيعي أمام زحف الرمال والعواصف الترابية.
وفي ظل هذه التحديات، تبدو الحاجة إلى مشاريع التشجير أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، باعتبارها خطوة أساسية لاستعادة التوازن البيئي وتحسين جودة الحياة داخل المدن. فالشجرة تمنح الظل، وتساعد على تنقية الهواء، وتخفف من حدة درجات الحرارة، وتسهم في تثبيت التربة والحد من انجرافها، فضلًا عن دور المساحات الخضراء في منح المدن مظهرًا حضاريًا ينعكس إيجابًا على حياة سكانها.
وعلى مستوى المبادرات المجتمعية في العراق، تبرز مدينة سامراء بوصفها إحدى المدن التي شهدت تحركًا تطوعيًا باتجاه تعزيز ثقافة التشجير والاهتمام بالبيئة، من خلال حملة «العراق أخضر» التي أطلقها الناشط حيدر الأكرع، واضعًا نصب عينيه هدفًا يتمثل في غرس ثلاثة آلاف شجرة داخل المدينة، في خطوة تسعى إلى زيادة المساحات الخضراء وإضفاء صورة أكثر جمالًا على شوارع سامراء ومرافقها العامة.
وقد اتخذت الحملة من جامعة سامراء نقطة انطلاق لها، لتكون البداية من مؤسسة علمية تمثل فضاءً للمعرفة والوعي والمسؤولية المجتمعية، وبمشاركة عدد من الإعلاميين والناشطين والمتطوعين من أبناء المدينة، الذين اجتمعوا حول هدف بيئي واحد يتمثل في تحويل الاهتمام بالتشجير إلى عمل ميداني يترك أثرًا ملموسًا في المكان.
ومن هنا، فإن المسؤولية الحقيقية تبدأ بعد غرس الشتلات؛ لأن الشجرة التي تُزرع اليوم تحتاج إلى رعاية مستمرة حتى تصبح جزءًا من المشهد البيئي للمدينة. كما أن إشراك المدارس والجامعات والفرق التطوعية في متابعة المزروعات يمكن أن يمنح الحملة امتدادًا مجتمعيًا أوسع، ويجعلها تجربة قابلة للتكرار في أحياء ومناطق أخرى.
وتحتاج سامراء، بما تحمله من قيمة تاريخية وحضارية ومكانة عمرانية، إلى مشاريع بيئية تتناسب مع هويتها؛ فالحفاظ على جمال المدينة لا ينفصل عن حماية بيئتها وتطوير مرافقها وزيادة حدائقها ومساحاتها الخضراء. ويمكن لحملة «العراق أخضر» أن تشكّل بداية لمسار تطوعي أوسع، تتكامل فيه جهود الناشطين مع إمكانات المؤسسات الرسمية والأكاديمية.
إن مواجهة التصحر في العراق تتطلب خططًا وطنية طويلة الأمد، تشمل إدارة الموارد المائية، وحماية الأراضي الزراعية، وتوسيع مشاريع التشجير، إلى جانب نشر الوعي البيئي بين الأجيال الجديدة. وفي الوقت ذاته، تظل المبادرات الفردية والجماعية عاملًا مهمًا في تحريك المجتمع وإثارة الاهتمام بالقضايا البيئية.
وفي المحصلة، فإن ثلاثة آلاف شجرة تستهدفها حملة «العراق أخضر» في سامراء قد تتحول إلى أكثر من مجرد رقم في سجل المبادرات التطوعية؛ إنها رسالة تحملها أيادي أبناء المدينة، وتعبّر عن رغبتهم في رؤية سامراء أكثر خضرة وجمالًا. فالأوطان التي تحافظ على أشجارها تحافظ على جزء من مستقبلها، والمدن التي يزرع أبناؤها فيها الأمل قادرة على استعادة وجهها الأخضر، مهما اشتدت تحديات البيئة والتصحر.
وفي الختام، يبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: كيف تصبح الأشجار التي غُرست اليوم في سامراء بدايةً لوعي بيئي جديد، يضمن رعايتها والحفاظ عليها، لتبقى إرثًا للأجيال القادمة؟



اضف تعليق