النصف الثاني من القرن العشرين اذا كان مكرساً وخاضعاً لسطوة المسعى الأمريكي باحتواء الاتحاد السوفيتي، فقد مثلت نهاية القرن العشرين فترة أثبات الذات الأمريكي بالقدرة على إدارة النظام الدولي من منظور القوى العظمى الوحيدة، ولتحقيق ذاتيتها خاضت في بداية القرن الحادي والعشرين حربين متتاليتين لتعلن على العالم اجمع الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي، ولكن كما هو معروف في العلاقات الدولية أن التوسع يخلق التحديات للدولة المهيمنة مما يمنح الفرصة للدول الصاعدة في النظام الدولي.

وبفعل العولمة لا تستغل الدول الصاعدة في النظام الدولي فرصة التعبير عن رفضها أو عدم قناعتها بصورة مباشرة لتوزان القوى القائم في النظام الدولي، خشية من تضرر مصالحها الاقتصادية بفعل عالم الاعتمادية المتبادلة بين هذه القوى، وهذا ما دأبت عليه الصين وروسيا بعد المنحدر المالي الذي أصاب الولايات المتحدة بعد عام 2008، بدلا من ذلك، تتجه نحو توازن القوى الانتقائي، وهذا ما تقوم عليه روسيا في أوروبا واسيا، رغبة منها في الوصول إلى المكانة والأمن في أوراسيا.

وخشية من روسيا المحتملة أكثر من روسيا القائمة، أخذت السياسية الأمريكية والأوربية تعمل على التطويق التدريجي لروسيا في مجالها الحيوي، وقد تم إقفال المجال الحيوي الأول لروسيا في أوروبا الشرقية بانضمامها تماما لكل من الناتو والاتحاد الأوروبي، وتبعه بعد ذلك محاولات تأجيج الثورات في كل من جورجيا وأوكرانيا، على الرغم أن المحاولة الأخرى في تطويق المجال الحيوي الروسي في آسيا لم تتكلل بالنجاح، ألا أنها لا زالت تهدد روسيا، وذلك بفعل التواجد العسكري الأمريكي في بعض دول آسيا الوسطى والتي تمثل قاعدة مناس قرب العاصمة القرغيزية أبرزها.

ومع كل ذلك استطاعت روسيا أن تتحكم بتوازن القوى في أوروبا، من خلال إرضاع الاقتصاد الأوربي بمصادر الطاقة الروسية، مما أعطاها القدرة على التحكم بالاقتصاد الأوربي ما يعني التحكم بالقرار السياسي.

وطالما أن روسيا هي المصدر الرئيس للغاز في الاتحاد الأوربي، فأن ذلك يعني التحكم أكثر بمستقبل الطاقة في أوروبا، وطالما أن أوروبا تسعى للتخلص من الارتهان الأوروبي للغاز الروسي، فانها ترى في الاكتشافات الجديدة في إسرائيل وقطر وسيلة لأثباط الضغط الروسي، ومن ثم خفض فاتورة الغاز الروسية المتنامية، ولكن ما شأن كل ذلك بالأزمة السورية؟.

أحد الجوانب التي لم تنل التقدير في التحليل السياسي للازمة السورية هو التصاعد الدراماتيكي لأهمية السيطرة على الغاز الطبيعي ليس فقط بالنسبة لبلدان الشرق الأوسط، بل أيضا للاتحاد الأوربي، ذلك بأن صعود الأخير ليصبح أكبر مستهلك للغاز في العالم، يجعل من متغير الطاقة عنصرا في فهم النزاع الجيوسياسي حول سوريا.

تتشارك دولتي قطر وإيران في الخليج العربي أكبر حقل للغاز في العالم، لا تتنافس الدولتين على طريقة استخراج الغاز بنفس السرعة فقط، وإنما تتسابق لمن يصل إلى أوروبا أولا، عبر حلقة الجغرافية السورية. قطر تخطط لبناء خط أنابيب لنقل الغاز يمتد عبر السعودية والأردن وسوريا ومن ثم إلى أوروبا، وكذلك إيران ولكن عبر العراق وسوريا ومن ثم إلى أوروبا. في عام 2011 وقعت إيران والعراق وسوريا اتفاقاً لبناء خط أنابيب لنقل الغاز من المفترض أن تنقل الغاز من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط من أجل تزويد أوروبا. وبفضل هذه الاتفاقية، أوقفت سوريا مشروع الغاز القطري، مفضلا الاتفاق مع إيران وقبل كل شيء الحفاظ على علاقتها وتحالفها مع روسيا.

قطر ليس لديها أية مصلحة في نجاح هذا المشروع، ليس لأنه يوفر نفوذ لإيران في الأسواق الأوربية عن طريق سوريا، بل لأنه سيفتح ثغرة استراتيجية جديدة في الطوق المفروض على ايران، ناهيك عن انه سيتماشى مع المصلحة الروسية في نقل الغاز إلى أوروبا، التي تريد الأخيرة تقليل زخمه عن طريق قطر، ومن ثم سيجعل روسيا وايران تتحكم بالغاز الأوروبي، وطالما أن المصالح الروسية والإيرانية متوافقة مع تراتبية القوى في النظام الدولي والحاجة إلى التغيير، فإن ذلك سيؤدي بالنتيجة إلى نشوء كماشة روسية إيرانية، تلتف حول عنق الولايات المتحدة في جنبها الأطلسي.

تركيا من جانبها ترى أن اختيار إيران لسوريا بدلاً عنها في مشروع نقل الغاز إلى أوروبا بالتزامن مع قطع روسيا لإمدادات أنبوب نابكو بعد سيطرتها على 80% من الغاز، يمثل تخطي لها وتحدي لمكانتها لاسيما في ظل الحلقة المفصلية لتركيا في مشروع نابكو لنقل الغاز إلى أوروبا. لم يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لإسرائيل التي أصبحت في الآونة الأخيرة أحد المنتجين الكبار للغاز الذين يبحثون عن مكان في أوروبا، فهي أيضا تواجه معضلة استراتيجية في المحور الإيراني السوري العراقي على تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أسواق الغاز في الاتحاد الأوروبي.

يقول المحلل الاستراتيجي والمستشار السياسي كريستوف ليمان "أن تصبح روسيا وإيران المورد الأساسي للغاز في أوروبا يعني الكثير، فهو من شأنه أولا أن يغطي الاتحاد الأوربي بــ50% من احتياجاته للغاز، ولمدة 100 عام، وثانيا أن يزيد من التكامل الاقتصادي بين قطاعات الطاقة الأوربية والروسية والإيرانية، ولكن أخيرا من شأنه أن يقوض النفوذ الأمريكي وحلفائه في المنطقة ولاسيما قطر وإسرائيل الذين يعدان البديل الغازي عن إيران وروسيا في أوروبا.

احدى الجوانب المتعلقة بالموقف الروسي المتصلب إزاء سوريا تتعلق بمن سيصدر الغاز في المستقبل، إذ تحرص روسيا من خلال ضمان حصتها في تقسيم مناطق النفوذ والمصالح مع القوى الأخرى، وأن تكون لها كلمتها في منطقة الغاز الناشئة في شرق المتوسط، التي تشمل قطر وإيران وإسرائيل وسوريا ولبنان وتركيا، لا سيما أن روسيا تدرك المساعي الأوربية في تحرير نفسها من الاعتماد على الغاز الروسي، لذا فهي تحرص على ألا يتنافس أي مشروع لتصدير الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا مع خطط التصدير الخاصة به.

وعندما لم تأتي الأزمة السورية أكلها بأسقاط النظام، نشبت الأزمة الأوكرانية لإشغال روسيا ولفت نظرها إلى خارجها القريب بدلا من البعيد، ولتضييق الخناق عليها من الجبهة الأوروبية عبر السيطرة على طريق نقل الغاز الروسي الواصل عبر أوكرانيا بإتجاه أوروبا، ومن ثم أنهاء القدرة الروسية في التحكم بالاقتصاد الأوروبي، وبالتالي أضعاف تشبثها بالجبهة السورية المتوسطية.

لكن لم تكن الأزمة الأوكرانية سوى مناورة غربية لزيادة الضغط على روسيا، غير أن الأنظار كانت تتجه نحو المتوسط وتحديدا سوريا، وبعد مرور ما يقارب خمسة سنوات من عمر الأزمة السورية، لم يستطع الدعم الروسي لنظام الأسد أن يخمد أحلام الشركات الأوربية والأمريكية في خط الغاز القطري السوري، فجاء التدخل العسكري، لاستعادة ما تبقى في سوريا ولتثبيت الأقدام على عقدة المشروع البديل حيث تمركز القوات الروسية قرب المنفذ الوحيد القادر على إيصال الغاز إلى أوروبا عبر سوريا.

وجلّ ما نستطيع قوله في هذا الصدد، أن روسيا لا تدافع عن بشار الأسد في سوريا وإنما تدافع عن حالها، يقول أحد المحللين الروس "إذا حدث مشروع الغاز القطري البديل وخرجت روسيا من سوريا... تستطيع أن تتصور أي روسيا هذه ستكون... ستكون فعلا دولة من الدرجة العاشرة... روسيا تدافع الآن عن حالها بسوريا".

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4