لعلنا لا نبيح سراً إذا قلنا: إن دول مجلس التعاون الخليجي أصبحت بعد أحداث (الربيع العربي) الدول الأكثر قوة بين الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط، وذلك عقب تراجع تأثير دول المشرق العربي في التفاعلات الإقليمية في المنطقة، وتحولها من دول فاعلة إلى دول مفعول بها أكثر مما ينبغي. ومع ذلك قادت الثروات المالية التي تراكمها دول مجلس التعاون الخليجي بسبب المداخيل النفطية، إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي في المنطقة العربية. إذ أسهمت هذه الفوائض المالية إلى جانب الضعف الذي لحق ببعض الدول العربية، إلى بروز حاجة لتأكيد الذات بين دول مجلس التعاون الخليجي، فاخذ نزوع بعض الدول الخليجية يتجه نحو مأسسة سياسة خارجية مستقلة عن عباءة بعضها البعض، فبرزت لنا إلى جانب السعودية وقطر، الإمارات العربية المتحدة.

وبسبب توجه أنظارنا نحو الأطراف التقليدية الفاعلة في الشرق الأوسط كإيران والسعودية وتركيا وإسرائيل وقطر، كثيراً ما يتم غض الطرف عن الدور الإماراتي في الشرق الأوسط، وهو الدور الذي لم يعد ممكناً تجاهله؛ نتيجة لتصاعد حضوره وتأثيره الملحوظ في قضايا الشرق الأوسط ولاسيما في مصر وتونس وليبيا، وهو الأمر الذي يثير الكثير من الأسئلة حول طبيعة هذا الدور فضلاً عن الدوافع التي تحكمه.

أولا: تحولات الدور الإماراتي بعد أحداث (الربيع العربي)

على خلاف دول مجلس التعاون الخليجي ظلت الإمارات ولفترات طويلة تؤدي دوراً ذات مستوى منخفض في منطقة الشرق الأوسط، وعادة ما كانت تلعب دور الشريك الأصغر للقوى الإقليمية والدولية، ونتيجة لذلك لم يكن يعار لها تلك الأهمية من قبل الغرب مقارنة بالسعودية وقطر ومصر في الكثير من القضايا العربية، ومع ذلك لم يكن القادة الإماراتيون يهتمون لذلك الأمر كثيراً.

وقد استمر الأمر على هذا المنوال، غير أن الانعطافة الرئيسية للدور الإماراتي في الشرق الأوسط جاءت بعد أحداث الربيع العربي ولاسيما بعد سقوط الرئيس حسني مبارك، وامتداد موجة الاحتجاجات العربية إلى ليبيا وسوريا واليمن والبحرين وعمان. وهو الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر في الدور الإماراتي في الشرق الأوسط، فقد وجدت الإمارات في مسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي باستيعاب الإخوان المسلمين في المنطقة ولاسيما في مصر وتونس، خطراً كبيراً على أمنها ووجودها، وتحدياً لمكانتها في النظام الإقليمي العربي لمصلحة تصاعد مكانة قطر وإيران وتركيا.

إذ أصبحت ترى الإمارات أن التحركات الإقليمية والدولية المقلقة التي صاحبت صعود حركات الإسلام السياسي السني في المنطقة العربية من الممكن أن تنعكس سلباً على النظام السياسي والاقتصادي في الإمارات على المدى البعيد، الأمر الذي يقلق استقرارها ويقوض اقتصادها.

وبسبب كل ذلك، أخذت الإمارات تنتهج سياسات الحفاظ على الوضع الراهن من أجل اعتراض أي تبدل يخل بعلاقات القوة في الشرق الأوسط من النوع الذي ينزل مكانة السعودية والإمارات في الخليج والمنطقة، لتحل محلها قطر وإيران وتركيا، الدول الداعمة لحركات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، ولاسيما في مصر.

وبالنسبة للإمارات (وبصفة خاصة السعودية) تعد مصر في غاية الأهمية؛ لكونها تمثل أحد الأطراف الفاعلة في التحالف الإقليمي المضاد للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. ولا حاجة بنا للقول: إن هيمنة الإخوان المسلمين على مقاليد السلطة في مصر قد تصب في صالح الإيرانيين، الأمر الذي يعني فقدان أحد الأطراف الفاعلة في جبهة المواجه ضد إيران.

ومن اجل الحفاظ على التوزيع القائم للقوة في الشرق الأوسط اصطفت الإمارات مع المملكة العربية السعودية بوصفهما القوتين الأكبر في مجلس التعاون الخليجي تحت جامع العداء المشترك للإخوان المسلمين، فبعد إن كادت قطر تكسب الرهان على مصر، لسحب بساط القيادة الخليجية والعربية من السعودية والإمارات عبر التحالف مع مصر وتأسيس محور قطري مصري في السياسات العربية- العربية، دعمت السعودية والإمارات بسخاء القيادة العسكرية المصرية للإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، وعملتا على التقارب مع مصر ودعمها اقتصادياً وعسكرياً، وذلك لتضييق الخناق على المساعي القطرية وعزلها في المنطقة العربية، وتفويت الفرصة على المساعي الإيراني في مصر. وهو الأمر الذي جعل الإمارات تراهن ومن موقع قوة على مسألة الحفاظ على الوضع الراهن من زاوية الحفاظ على التحالفات والتوازنات الإقليمية القائمة في الخليج والمشرق العربي.

ثانيا: الدور الإماراتي ومساعي البحث عن المكانة في الشرق الأوسط

بعد نجاحها في كسب النفوذ على مصر، وتضييق الخناق على قطر وعزلها بالتنسيق مع السعودية، ووسط الضعف الذي لحق بالقوى العربية التقليدية وانشغالها بالاضطرابات الداخلية، بدأت الإمارات تبحث عن مكانتها في الشرق الأوسط وسط فراغ القيادة في المنطقة العربية، من اجل تحقيق هدفين أساسيين هما: أولا/ الحصول على المكانة في حد ذاتها، ثانيا/ دعم السياسات التي تكرس مرحلة الوضع القائم التي كانت سائدة قبل أحداث الربيع العربي، بالشكل الذي يعزز من حالة فراغ القوة في الشرق الأوسط.

ففي ظل غياب الدور المصري والسوري والليبي على الساحة العربية، ناهيك عن التراجع الكبير للدور العراقي، وفي ظل تنامي قناعة اثبات الذات بين دول مجلس التعاون الخليجي والتزام كل واحدة منها (أي دول مجلس التعاون) بديناميتها الخاصة في التعامل مع القضايا الإقليمية في المنطقة، ومن أجل أن تعطي لنفسها وزناً مضافاً بين دول مجلس التعاون الخليجي، أخذت الإمارات تسعى إلى اجتراح دور خارجي في الشرق الأوسط من خلال: قيادة المواجهة ضد حركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، وتوفير الدعم للجهات المختلفة في المنطقة العربية لغاية كسب النفوذ والتأثير الإقليمي وإجهاض نتائج انتفاضات الربيع العربي.

1- قيادة المواجهة ضد حركات الإسلام السياسي

مع تصاعد حالة النفرة الإقليمية والدولية من حركات الإسلام السياسي بشقيها الاخواني والسلفي، وظهور (داعش) في العراق وسوريا، وجدت الإمارات في دعم التيار الإسلامي السني التقليدي الذي يمثله الأزهر ضالتها المنشودة في بناء دور إقليمي يعزز من مكانتها الإقليمية ومن قدرتها على ممارسة دور الداعم للإسلام السني المعتدل بالمنطقة العربية في ظل المنافسة المحتدمة على الزعامة الإسلامية بين تركيا وقطر الداعمان للتيارات الدينية السلفية والإخوانية من جهة، والسعودية الداعمة للتيارات السلفية الوهابية من جهة أخرى.

دعمت الإمارات وتحديدا أبوظبي في تموز 2014، تأسيس (مجلس حكماء المسلمين)، وذلك؛ لضرب حركات الإسلام السياسي ولاسيما بعد ادراج الإخوان المسلمين على لائحة المنظمات الإرهابية، ولدعم الأزهر في ممارسة خطاب الاعتدال، ولإدخال نفسها في منافسة ناعمة مع السعودية التي استفادت كثيراً من غياب دور الأزهر، فبسطت نفوذها لتصدر الزعامة الدينية وتمثيل السنة في المنطقة العربية.

2- توفير الدعم للجهات المختلفة في المنطقة العربية

منذ العام 2011، استثمرت الإمارات موارد كبيرة في الجهود المبذولة لمواجهة صعود جماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط، ومن اجل الحصول على المكانة الإقليمية، وتقويض الدور القطري والتركي في المنطقة العربية، تدعم الإمارات سياسات إعادة الوضع القائم في الشرق الأوسط، من خلال وقوفها في مركز القوة المعادية للحكومات التي أنجبتها انتفاضات الربيع العربي ولاسيما ذات التوجهات الإخوانية، وذلك عن طريق دعمها واستضافتها لفلول الأنظمة العربية المخلوعة بوصفها ملجأ للفارين، ودعمها للاحتجاجات والتيارات المناوئة للحكومات والحركات ذات التوجهات الإسلامية في كل من تونس ومصر وليبيا.

وبعد نجاحها في دعم الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي للإطاحة بالرئيس محمد مرسي الذي ينتمي للإخوان المسلمين خلال العام 2013، أخذت المساعي الإمارتية تتجه نحو تونس وليبيا.

فمن اجل تكرار المشهد المصري في تونس دعمت الإمارات خطة إزاحة حركة النهضة الإسلامية في تونس من خلال التحريض على قيام احتجاجات شعبية لإسقاط حكومة الرئيس المنصف المرزوقي، قادها الباجي القائد السبسي في العام 2013 بدعم مالي وسياسي من الإمارات، وهو الأمر الذي أدى استقالة حكومة حزب النهضة وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وفوز القائد السبسي ذي التوجهات العلمانية والمدعوم إماراتياً برئاسة تونس في نهاية العام 2014. وهو الرئيس الذي ما يزال اليوم يواجه ضغوطات اقتصادية إماراتية من اجل استبعاد التيار الإسلامي من الحياة السياسية في تونس.

أما في ليبيا، فدعم الإمارات لأحد طرفي الصراع وهو: اللواء خليفة حفتر المعين كقائد للجيش الليبي من قبل (برلمان طبرق) وهو السلطة التشريعية المنتخبة والمعترف بها دولياً والمختلف عليها محلياً وإقليمياً، وذلك لإسقاط حكومة طرابلس وبرلمانها المسيطر عليها من قبل الإخوان المسلمين والمتمثل بـ: المؤتمر الوطني العام، والذي انتهت مهامه التشريعية حتى شباط 2014. ودعم اللواء حفتر ضد الإسلاميين في ليبيا بالنسبة للإماراتيين اضحى مصلحة حيوية؛ لان نجاحه يعني النهاية الحقيقية لأنظمة الربيع العربي التي جاءت بالإسلاميين في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من أن الدور الإماراتي في ليبيا يتمحور حول دعم سياسات الوضع القائم من خلال العمل على تحجيم نفوذ الجماعات المسلحة والأحزاب الذي تنتمي للإخوان المسلمين، غير أن هذا الدور اخذ يتطور باتجاه سياسة التظاهر بالقوة في الشرق الأوسط.

إذ تعد ليبيا واحدة من أبرز الدول التي تتدخل فيها الإمارات عسكرياً، وهي المثال الابرز على سياسات الإمارات الطموحة في فرد عضلاتها بالشرق الأوسط، ففي سابقة غير مألوفة قامت الإمارات في أواخر العام 2014، بتوجيه ضربات جوية (إنطلاقاً من مصر) ذات تأثير عميق ضد معاقل الإسلاميين في طرابلس، كتصعيد عسكري ضد (المؤتمر الوطني العام) والجماعات الإسلامية المسلحة المرتبطة به، وهي انعطافه كبيرة في الدور الإماراتي في الشرق الأوسط، فهذه هي المرة الأولى التي تشن فيها الإمارات ضربات جوية ضد دولة أخرى من دون تفويض دولي من الأمم المتحدة.

ومع ذلك قدمت الإمارات (وما تزال) طوال العام 2015، مختلف التعزيزات العسكرية للجماعات المسلحة المرتبطة باللواء خليفة حفتر من بينها المروحيات الحربية والأسلحة الثقيلة، بهدف اضعاف الجماعات الإسلامية المسلحة المدعومة من قطر في ليبيا، وهو انتهاك صارخ للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على توريد السلاح إلى ليبيا، وهو أيضا مؤشر خطير على مسعى الإمارات الحثيث في توظيف أطراف الصراع بالمنطقة للحصول على مكانة متقدمة بين الدول العربية.

ومن نفاد القول: تدل المساعي الإمارتية الحثيثة لكسب النفوذ في الشرق الأوسط على تغير كبير في الرؤى السياسية السابقة التي كانت تحكم البلاد، باتجاه البحث عن المكانة وسط الدول العربية الغارقة بالفوضى والاضطرابات والمشكلات الداخلية، فباستخدامها الموارد المالية الهائلة، وتوظيفها للدعم والقوة العسكرية تسعى الإمارات لصياغة الأحداث في مناطق الصراع بالشكل الذي يعزز مكانتها ويكسبها النفوذ والتأثر في الشرق الأوسط.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0