الشرق الأوسط ينتقل تدريجياً من مرحلة كانت فيها القوة العسكرية هي المحدد الرئيس، إلى مرحلة تتقاسم فيها الجغرافيا الاقتصادية هذا الدور مع الجغرافيا السياسية... فالدولة التي تمتلك موقعاً مؤثراً في شبكات الطاقة والتجارة والاستثمار ستكون أكثر قدرة على التأثير، حتى وإن لم تمتلك التفوق العسكري؛ حيث أصبحت الموانئ والممرات التجارية أدوات نفوذ...
تتغير البيئة الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط بخطوات متسارعة وواضحة. فالحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران لم تنجح، حتى الآن، في تغيير الرؤية الإيرانية لما تسميه طهران «نفوذها الإقليمي» أو لاستراتيجيتها الدفاعية.
كما أن الرسائل الصادرة عن القيادة الإيرانية إلى الخارج، والجدل الدائر في الداخل، يشيران إلى أن إيران ما تزال مصرة على الاحتفاظ بموقعها بوصفها قوة إقليمية كبرى على الرغم من الخسائر الفادحة التي لحقت بها، والأضرار الكبيرة التي أصابت بنيتها العسكرية والاقتصادية.
وعلى الضفة الأخرى من الخليج، تتبلور لدى دول مجلس التعاون الخليجي قناعات جديدة بشأن مقاربة الأمن الإقليمي. فهذه المقاربة لم تعد تقوم على الردع التقليدي أو على بناء الشراكة الأمنية الحصرية مع الولايات المتحدة، أو على الانفتاح على إسرائيل كما اتجهت إليه بعض الدول، وإنما تتجه نحو تنويع الشراكات مع القوى الدولية الفاعلة، وبناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين وأوروبا، وعدم استبعاد روسيا من معادلة التوازنات الدولية.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن العالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة، وأن الاعتماد على شريك واحد لم يعد كافياً لضمان الأمن والاستقرار. غير أن تنويع الشراكات مع القوى الكبرى، كالصين وبريطانيا وفرنسا وحتى روسيا، لن يضمن بيئة إقليمية خالية من التحديات، ولن يمنع من بروز أزمات ثنائية أو متعددة الأطراف، ما دامت المنافسة الجيوسياسية مستمرة، وما دامت الحسابات الأمنية في المنطقة تنطلق من رؤى يحركها الخوف والشك وانعدام الثقة.
فالشرق الأوسط ما يزال يعيش ما تصفه أدبيات العلاقات الدولية بـ«المعضلة الأمنية»، حيث يفسر كل طرف إجراءات الطرف الآخر الدفاعية بوصفها تهديداً، فيرد بإجراءات مماثلة، لتدخل المنطقة في حلقة متواصلة من سباقات التسلح، والصراعات بالوكالة، وتآكل الثقة السياسية.
تدرك غالبية الدول العربية أن استمرار عزل إيران إقليمياً قد يدفعها إلى ترسيخ استراتيجية أكثر تدخلاً، وسياسات احترازية ذات طابع هجومي لكنها تنطلق، في تصور صانع القرار الإيراني، من دوافع دفاعية. فإيران تنظر إلى بقاء نظامها السياسي، ووحدة أراضيها، واستقرارها الداخلي بوصفها أولويات وجودية، ولذلك تتعامل مع بيئتها الإقليمية من منطلق الشك وانعدام الثقة، وهي حالة ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تمتد جذورها إلى تطور سياستها الخارجية والدفاعية منذ القرن التاسع عشر، وتعززت بعد قيام الجمهورية الإسلامية بفعل الحروب والعقوبات والعزلة الدولية.
وفي الوقت ذاته، تشهد المنطقة تحولات لا تقل أهمية عن التحولات العسكرية. فالصراع لم يعد يدور حول الحدود والنفوذ السياسي فقط، بل انتقل إلى التنافس على الممرات الاقتصادية، وخطوط نقل النفط والغاز، وشبكات التجارة العالمية، والسكك الحديدية، والموانئ، ومحطات الخزن والتوزيع. وباتت الجغرافيا الاقتصادية عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل موازين القوى، وربما أكثر تأثيراً من القوة العسكرية في بعض الملفات.
وتبرز في هذا السياق مشاريع تعاون تربط تركيا بالسعودية، والإمارات بالسعودية ومصر، إلى جانب المشروع الهندي الذي يحظى بدعم أمريكي ويهدف إلى ربط الهند بأوروبا مروراً بالشرق الأوسط، مع منح إسرائيل موقعاً محورياً فيه.
وفي المقابل، تواصل الصين تطوير مشروع “الحزام والطريق” الذي يمنح إيران وتركيا أهمية جيوسياسية واقتصادية كبيرة. كما تبدي أوروبا اهتماماً متزايداً بإيجاد مسارات مستقرة لنقل النفط العراقي عبر تركيا، بما ينسجم مع سعيها لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية.
أما الولايات المتحدة، فتعمل على إعادة هندسة البيئة الإقليمية من خلال الجمع بين الأمن والاقتصاد في مشروع واحد، يقوم على دمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية، وترتيب علاقاتها مع سوريا ولبنان، واستكمال مسار التطبيع ليشمل المملكة العربية السعودية، بما يؤدي إلى إنشاء منظومة أمنية واقتصادية جديدة، تتداخل فيها المصالح التجارية مع الترتيبات الأمنية، وتصبح فيها الممرات الاقتصادية أحد أدوات صناعة النفوذ.
هذه التحولات تكشف أن الشرق الأوسط ينتقل تدريجياً من مرحلة كانت فيها القوة العسكرية هي المحدد الرئيس لميزان القوى، إلى مرحلة تتقاسم فيها الجغرافيا الاقتصادية هذا الدور مع الجغرافيا السياسية. فالدولة التي تمتلك موقعاً مؤثراً في شبكات الطاقة والتجارة والاستثمار ستكون أكثر قدرة على التأثير في البيئة الإقليمية، حتى وإن لم تمتلك التفوق العسكري المطلق.
ولهذا، فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بعدد الصواريخ أو حجم الإنفاق العسكري، بل أيضاً بقدرة الدول على إنتاج الاستقرار، وبناء الثقة، وتحويل الجغرافيا إلى مصدر للتكامل الاقتصادي بدلاً من أن تبقى ساحة للصراع.
ويقف العراق في قلب هذه التحولات، لكنه لا يزال يتعامل معها برؤية يغلب عليها الطابع التكتيكي أكثر من التفكير الاستراتيجي. فمشروع طريق التنمية، الذي يمثل أحد أهم رهانات العراق الاقتصادية، يواجه تحديات متزايدة مع انتقال اهتمام بعض القوى الإقليمية والدولية إلى مشاريع وممرات بديلة تبدو أكثر استقراراً وأقل كلفة من الناحية الأمنية والسياسية. كما أن الدول التي تنظر إلى الموقع الجغرافي للعراق بوصفه عقدة ربط بين الخليج وتركيا وأوروبا بدأت تدرس بدائل أخرى بسبب استمرار التعقيدات الداخلية.
والمشكلة الأعمق أن العراقيين، حتى الآن، لم يتفقوا على بناء منظور استراتيجي وطني للأمن والدفاع يحدد أولويات الدولة ويؤمن مصالحها المستقبلية. فما يزال الانقسام قائماً بين رؤية الدولة التي تنطلق من المصلحة الوطنية العراقية، وبين رؤى الجماعات الأيديولوجية التي تربط خياراتها بحسابات إقليمية تتجاوز حدود الدولة، الأمر الذي ينعكس على السياسة الخارجية، وعلى خيارات الأمن الوطني، وعلى قدرة العراق على التكيف مع البيئة الإقليمية الجديدة.
السؤال الأكثر أهمية: هل تدرك إيران، ومعها حلفاؤها من الفاعلين غير الدولتيين، حجم التحولات الجارية في الشرق الأوسط؟ وهل تتغلب البراغماتية السياسية على منطق الصراع المفتوح، بما يقود إلى مراجعة استراتيجية تعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي وأدوات النفوذ؟ أم أن المنطقة ستبقى أسيرة أنماط التفكير التي قادت إلى الانسداد الاستراتيجي والحروب المتكررة؟
إن المراجعة الاستراتيجية، إن حدثت، لن تكون مجرد تغيير في الخطاب السياسي، بل إعادة تعريف لمصادر القوة ذاتها. فالقوة في الشرق الأوسط الجديد لن تُقاس فقط بامتلاك السلاح أو توسيع مناطق النفوذ، وإنما بالقدرة على الاندماج في شبكات الاقتصاد العالمي، وحماية المصالح الوطنية، وبناء شراكات متوازنة، وتحويل الاستقرار إلى رصيد استراتيجي دائم.
أما الدول والقوى التي ستبقى أسيرة معادلات الصراع القديمة، فإنها قد تجد نفسها خارج النظام الإقليمي الذي تتشكل ملامحه اليوم، حيث أصبحت الموانئ والممرات التجارية والطاقة والاستثمار أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن الجيوش والصواريخ .



اضف تعليق