من السهل إطلاق الدعايات التضليلية بهدف تضييع الحقيقة بين كومة من الحقائق المبتورة، أو المصنوعة كلياً، وقد تمر على نسبة من الجمهور، وقد تتحول إلى مادة للسخرية، لكنها بالنهاية تكشف للمتابع المتأني حجم الخلل الذي أصاب الجهة القائمة على فعل التضليل والتجهيل.

يصدق قولنا على وزارة التربية العراقية المختصة بتعليم الأطفال والمراهقين في المدارس الابتدائية والثانوية، فهي وزارة تقترب من التجهيل والتضليل، وتبتعد عاماً بعد آخر من وظيفتها الأساسية وهي تربية الأطفال وتعليمهم.

وزارة فشلت في حفظ أهم أمانة وضعتها بيدها الأسرة العراقية والحكومة على حد سواء، وهي أمانة "سرية الأسئلة الوزارية" لطلبة الثالث المتوسط.

وامتحان الثالث المتوسط هو اختبار نهائي تتبناه الوزارة حيث تُجَرّد الإدارات المدرسية من القيام بهذه المهمة من أجل تحقيق مركزية أكبر في كتابة الأسئلة ووضع معايير موحدة تنطبق على جميع طلبة العراق تضمن لهم العبور بعدالة للمرحلة الإعدادية.

الأسئلة الامتحانية الوزارية سوف تحدد مصير الطالب، هل سوف يُحْسَب من المتميزين أم يرسب ويعيد السنة الدراسية في نفس الصف؟

الأمر يتعلق بطبيعة الطالب وطبيعة الأسئلة، لكن هناك مستجدات أضيفت إلى هذه المقاييس، فقد يكون الطالب كسولاً ومهملاً لواجباته المدرسية، ورغم ذلك سوف يُدْرَج ضمن فئة المتميزين ويُكَرّم من قبل وزارة التربية؟

كيف يحدث هذا؟

يرتقي الطالب عند تسريب الأسئلة الوزارية ونشرها عبر مواقع الانترنت وصفحات التواصل الاجتماعي، كل ما يحتاجه الطالب هو متابعة الصفحات المختصة بالتسريبات، والاستيقاظ مبكراً لملاحقة الاسئلة المسربة في ساعات الصباح الأولى، وحلها قبل توزيعها في القاعات الامتحانية، وهنا ينتهي كل شيء، لقد ارتقى الطالب إلى فئة المتميزين.

قد لا يعقل هذا، لكنه يحدث منذ سنوات، وتتسرب الأسئلة في كل مرة، والوزارة ترفض الاعتراف إلا إذا أصبح التسريب مشاعاً وتحول إلى قضية رأي عام.

وحدث أحدث تسريب في اختبار مادة الرياضيات (الحساب سابقاً)، وعلى أثرها قررت وزارة التربية تأجيل امتحانات الثالث المتوسط، ثم استأنفتها بعد زعمها حل مشكلة تسريب الأسئلة.

كما انتشرت أخبار عن تسريب مادة اللغة العربية، وكانت العملية سرية ولم تصل إلى حد تحولها إلى قضية رأي عام، واستطاعت الوزارة نفي التسريب رغم حدوثه.

وكالمعتاد أعلنت وزارة التربية العراقية عن إجراءات فورية لمحاصرة تسريب الأسئلة وآليات جديدة عاجلة في طريقة توزيعها، واتخاذ إجراءات فورية لضبط ومحاصرة تسريب الأسئلة، والتعامل الصارم مع المتورطين بعملية التسريب التي حدثت.

المفاجأة أن هذه الإجراءات لم تعجب المواطنين فحسب، بل لم تعجب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أيضاً، يقول الكاظمي: وزارة التربية لم تكن بمستوى التحقيق بشأن قضية تسريب الأسئلة.

ويضيف الكاظمي: قلت لوزير التربية بشأن تسريب الاسئلة: اداء الوزارة كان سيء جداً ورد فعل المعالجة كان أسوأ.

ويعتقد رئيس الوزراء أن هناك خلل حقيقي في وزارة التربية بشأن تسريب الأسئلة.

ما أغضب رئيس الوزراء هي نتائج التحقيق، إذ قالت الوزارة أن الأسئلة سربت من تربية الرصافة الثانية في بغداد، والمتهم بهذا التسريب هو حارس بناية تربية الرصافة الثانية الذي تمكن من الحصول على أسئلة الامتحانات.

تحول هذا الإعلان إلى مادة للسخرية من قبل المواطنين، وعزاء للحارس الذي وقع ضحية تحقيقات غير احترافية بإقرار رئيس الوزراء نفسه.

لك أن تتصور وزارة لا تستطيع أن تحسب موعد بداية العام الدراسي بدقة بحيث لا يتقاطع أول يوم مع عطلة رسمية أو أي عائق آخر، فقد حددت التربية موعد بداية العام الدراسي المقبل يوم الأول من تشرين الأول من العام الجاري.

والموعد المعلن يصادف يوم السبت وهو عطلة رسمية ما أثار تساؤلات لدى الكادر التربوي والمواطنين على حد سواء، فهل يعقل أن وزارة بحجم وزارة التربية تفشل في حساب موعد بدء العام الدراسي وضمان عدم تضاربه مع العطلة الرسمية؟

قد يعتبر البعض أن هذه هفوة بسيطة لا تستحق الذكر، لكنها تعبر عن حجم الفوضى التي تعم الوزارة وعدم قدرتها على ضبط مهامها بدقة، فلا تستطيع حفظ الأسئلة من التسريب، ولا هي قادرة على حساب المواعيد الدراسية، ولا هي توفر خدمات تعليمية متميزة للتلاميذ.

اضف تعليق