دخل المتحور الجديد اوميكرون داخل حلبة الإعلام وأصبحت الاخبار الخاصة فيه تستحوذ على النشرات الإخبارية، وكأنه ازمة إنسانية جديدة تهاجم البشرية او وحش عاد من مكان بعيد، لا نعرف ماذا ينوي فعله، وبالتوازي مع هذه الأحاديث عن الضيف المتحور تلوح بعض الدول الى إغلاق حدودها مع الدول الأخرى في حال ظهرت فيها إصابات بينما ذهب البعض الآخر الى خيار الإغلاق تسابق الزمن لعدم الوقوع في الكارثة.

بمثل هذه الظروف يجري الحديث وبصورة مكثفة عن آليات توفير الاحتياجات الضرورية للإنسان، وتجتهد الدول في ابتكار طرق كثيرة للتبادل التجاري وتأمين الحركة التجارية الدولية، والحرص اشد الحرص على استمرار الحياة، اذ تعتبر توفير المأكل والمشرب من اساسيات ديمومة الحياة.

وما يغيب عن هذه الأحاديث هو كيفية تأمين الغذاء الفكري لملايين الطلبة الذين جنيّ على مستقبلهم الدراسي عند ظهور الجائحة، حين هجرت المدارس وأصبحت المنازل هي أماكن للعلم بدلا من أماكن للراحة، وصار الأهالي يؤدون وظيفة مزدوجة هي التربية والتعليم، ينوبون محل الطواقم التربوية التي يقع على عاتقها القيام بهذه المهمة الإنسانية البحتة.

مثلما تهرع وكالات الإغاثة الدولية لمد يد العون لشرائح واسعة ممن تأثرت بنيران الجائحة، من الأفضل ان تشمل هذه الجهود الحقل التعليمي، ومن غير الصحيح ان يكون هذا الجانب خارج إطار المنظومة العلاجية للمشكلات التي عصفت بالتربية والتعليم واخفاء الآثار او التقليل منها، فالأكل يمكن ان يوفر بأبسط الجهود، لكن يبقى العلم كنز ثمين يصعب الحصول والحفاظ عليه.

فما فائدة ان يمتلأ جوف الانسان بما لذ وطاب، لكنه خاوي من العلم والمعرفة، فالتعليم هو الغذاء الذي يجب ان يقدم على غيره من الموائد، فهو المنقذ للأرواح والضامن الوحيد لديمومتها مفعمة ومنتعشة، ومن هنا يجب الا تسمح جميع الجهات الرائدة في مجال التعليم بمعية أولياء الأمور لعجلة العلم بالتوقف مهما كلف الامر، لا سيما وان والتجربة المريرة لا نزال نحصد مساوئها، فالكثير من الطلبة في المراحل الابتدائية لا يعرفون ابسط الأشياء عن موادهم الدراسية.

كونهم لم ينخرطوا بالقاعات المدرسية وينهلون منها جرع علمية مركزة كما سبقهم من الأجيال الماضية، فهم اليوم يقعون ضحية التصرفات والقرارات الحكومية الجائرة بحق مستقبلهم، فلو فرضنا ان قرار إغلاق المدارس او التلويح فيه جاء بحسن نية، لكنه يبقى قرارا خاطئا الى حد ما، فلا يصح بأي حالة من الحالات ان تحدث فجوة بين الطالب والمقاعد الدراسية.

العراق لديه خصوصية ربما يختلف بها عن البلدان الأخرى، فلكل جيل فيه قصة موجعة وتعايش مع الازمات والويلات التي سلبته وجهه المشرق، وحولته الى آلة تعمل لتعيش، مهملا جميع الممارسات التي يؤديها بنو جنسه، كالتفكير والتعلم والسفر والمتعة وتحقيق الرغبات الخاصة والعامة.

ومع ذلك بقيت عجلة التعليم مستمرة بالدوران، فمن اشد خطرا على حياة الطلبة، أجواء الحروب ام أجواء انتشار الفيروس؟، شيء طبيعي الجزء الأول اشد تأثيرا وتهديدا على حياة الافراد، وهنا أتذكر حادثة مدرسة بلاط الشهداء في بغداد التي تعرض لقصف صاروخي ابان حرب الخليج الأولى او الحرب العراقية الإيرانية.

ذكرنا هذه الحادثة ليس لنقدمها مثالا على رخص الانسان وقلة قيمته، لكن استحضرناها لنوضح أهمية التمسك بالعلم بمختلف الظروف والحالات الطارئة، مع التذكير بوجود الفارق البسيط بين المرحلتين من حيث المقارنة، فالحروب عادة لا توجه او تلاحق الافراد بمنازلهم، لكن الفيروس لا يعترف بالحدود الز مكانية، لكن يمكن التغلب عليه عبر الالتزام بالإجراءات الوقائية والتأكيد على عدم التراخي معها.

وتشير الإحصائيات في عام 2021، إلى أن هناك ما يقدر بنحو 72 مليون طفل في جميع أنحاء العالم غير منخرطين إلى المدارس في مرحلة التعليم الابتدائي، وإذا اضفنا أعداد غير المنتسبين إلى المرحلة الثانوية، يرتفع هذا الرقم إلى 280 مليون، وهذه الأرقام الضخمة لها مؤشرات خطيرة على المجتمع على المدى البعيد، اذ تخلف ملايين من الأشخاص البالغين يعانون من صعوبات في القراءة والكتابة، كما يسهم نقص التعليم في الحد من الخيارات المتاحة للعمل ويؤدي إلى استمرار آفة الفقر وانعدام الأمن الاجتماعي.

مثير للاهتمام بعض الآراء التي تقول ان العراق لا يمكن ان يتمرد على قرارات منظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات المهتمة بالصحة والتعليم عالميا، ولكن ما يؤخذ على هذا الرأي ان منظمة الصحة عندما تفرض التعليم الالكتروني، تأخذ معيار التعليم ومستوى الرقي فيه على الدول الاوربية، ولا تراعي المستويات التعليمية المنخفضة في البلدان العربية مقارنة بغيرها في القارة الاوربية، لذا يصبح هذا القرار من الاحمال الإضافية والمعوقات الرئيسية بالنسبة للكثير من الدول بينها العراق ذو البنى التحتية المتهالكة تربويا.

الخلاصة البيئة التعليمة لا يمكن للأطفال مفارقتها في مقتبل العمر، كونها تمثل بيئة آمنة تحميهم من المتغيرات الاجتماعية وما يحيط بهم من مخاطر مختلفة أهمها الاستغلال الجنسي والوقوع بشبك عمالة الأطفال الذي يجبرهم على نمط عيش بعيد عن مظاهر الحياة الطبيعية.

اضف تعليق