أموال طائلة من العملة الصعبة قد لا يتصورها البعض حجمها تذهب الى دول عربية وأجنبية كأجور ومصاريف دراسية لطلبة عراقيين غير مؤهلين للدراسات العليا في جامعاتنا، وبعض من هؤلاء الطلبة ليس له من التأهيل سوى المال، وعدد كبير منهم من خريجي الكليات الأهلية التي صار وجودها عبئا على الأهالي وعلى الدولة في الوقت نفسه، فهي لا تعدو سوى مشاريع تجارية أول اهتماماتها تحقيق الربح المالي وآخرها التأهيل العلمي، وربما لا وجود لما هو علمي لدى مقاولين أنعم الله عليهم فأسسوا كليات.

وقد خرّجت هذه الكليات التي بعضها أشبه بالكوفيات والمطاعم من فئة خمس نجوم أكداسا من الطلبة الذين لا يرقى مستواهم الى خريجي الدراسة المتوسطة قياسا بمخرجات عقود سابقة، ومن يخالفني الرأي يجافي الحقيقة، ولا ينطلق من رؤية علمية دقيقة، او لديه مصلحة في بقاء الوضع على ما هو عليه.

الكارثة ان المئات من هؤلاء الأميين الأثرياء شدوا الرحال الى الخارج لإكمال دراستهم العليا في جامعات بعضها لا يرقى الى جامعاتنا، ولا تتوافر على كفاءات علمية مماثلة لما موجود في بلادنا، لكنها معترف بها من وزارتنا، ولا أدري على وجه التحديد ما هي المعايير التي اعتمد عليها لتصنيفها ضمن الجامعات التي تتسم بالجودة ليجري الاعتراف بها، والقبول بمخرجاتها.

لقد تضاعفت أعداد الطلبة الدارسين في الخارج بشكل غير طبيعي بعد أن صار التعليم الكترونيا، بضمنهم الكثير من الموظفين في الدولة بدون علم الدائرة او الوزارة التي ينتسبون لها، على أمل أن تضاف شهاداتهم لاحقا، فالمتغيرات كثيرة، والبلاد غير مستقرة، وغير المقبول قانونا اليوم، قد يصبح مقبولا غدا، او قد يجري الاحتيال على القانون بطرق ملتوية يعرف الفاسدون مسالكها، كما ان الذي يدفع الآلاف من الدولارات في الدراسة لديه الامكانية المالية لدفع مبالغ مماثلة لإضافة الشهادة او الحصول على فرصة تعيين، يُحرم منها خريجون أكفاء من جامعاتنا التي لا تقبل الا الحاصلين على أعلى المعدلات، وبعد منافسات شديدة بين المتقدمين.

الجامعات العربية والأجنبية ما عادت تتعامل مع أعداد الطلبة وفقا لإمكانياتها من الأساتذة، وما يتوافر لديها من درجات علمية مؤهلة للأشراف، فالنظام الالكتروني مكنّها من قبول أعداد لا حدود لها، كما ان الاشراف لدى بعضها لا يقتضي أن يكون المشرف مختصا في المجال الذي يدرس فيه الطالب، فلا ضير على سبيل المثال أن يكون المشرف مختصا في الادارة والاقتصاد، بينما الطالب يدرس في الاعلام، وبمقدور المعنيين في وزارتنا التأكد من هذه الحقيقة اذا ما طالبوا تلك الجامعات بتزويدهم بالسيرة العلمية للمشرف على البحث، وهذه كارثة كبرى.

هؤلاء الخريجون وبهذه الأعداد المهولة سيشكلون عبئا على الدولة، نعم انها غير مسؤولة عن تعيينهم، لكنهم سيشكلون عامل ضغط عبر التظاهرات وغيرها من أشكال الاحتجاج، تكون معها الدولة مجبرة على ايجاد السبل لاستيعابهم في الجامعات، والرضوخ لإضافة شهادات الموظفين في دوائرها.

لسنا ضد حصول الشباب على الشهادات العليا، هذا طموح مشروع نقدره ايما تقدير، ونتعاطف معه، ولكن نريد شهادات رصينة وأساتذة مرموقين، وليس كفاءات وهمية، لا نريد لباب الجامعة أن يكون مشرعا لكل من حصل على شهادة عليا، التي يحصل البعض عليها بطرق غير شرعية، حتى ان البعض استسهل هذا الطريق كما هو حال عدد من المسؤولين في الدولة.

لا أظن ان هذا الخراب بخاف على المعنيين، لكن اجراء للتصدي لما هو غير صحيح علميا لم يتخذ بعد، فباب الجامعة ليس مقدسا، بل هو أكثر من مقدس، وان دخوله يجب ألا يكون متاحا لأي كان، كيف؟ هذا ما يجب أن نفكر به. ان صمتنا ازاء ما يجري سيقلع أبواب الجامعة ويهدم أسوارها.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق