بقلم: كاليوبي آزي-هاكتيغران

في نهاية شهر فبراير/شباط، عندما بدأت أجراس الإنذار تدق للتحذير من تزايد تفشي فيروس كورونا (COVID-19)، قام البنك الدولي بتشكيل فريق عمل عالمي متعدد القطاعات لدعم تصدي البلدان لهذه الأزمة والإجراءات التي تتخذها للتكيف معها. في ذلك الوقت، لم يكن هناك سوى الصين وعدد قليل من البلدان المتضررة الأخرى تفرض التباعد الاجتماعي من خلال إغلاق المدارس. وبعد أكثر من أسبوعين بقليل، أغلق 120 بلدًا المدارس مما أثر على نحو مليار طالب في جميع أنحاء العالم رأوا مدارسهم تغلق لفترات زمنية مختلفة.

كما شهدنا من حالات الطوارئ الصحية السابقة، وآخرها حالات تفشي فيروس الإيبولا، من المرجح أن يكون التأثير على التعليم أكثر تدميرًا في البلدان التي تنخفض فيها نتائج التعلم، وترتفع فيها معدلات التسرب من التعليم، وتضعف فيها القدرة على الصمود في وجه الصدمات. وبينما يبدو أن إغلاق المدارس يمثل حلًا منطقيًا لفرض التباعد الاجتماعي داخل المجتمعات المحلية، فإن إغلاقها لمدة طويلة سيكون له تأثير سلبي غير متناسب على الطلاب الأكثر تضررًا. فهؤلاء الطلاب لديهم فرص أقل للتعلم في المنزل، وقد يمثل الوقت الذي يقضونه خارج المدرسة أعباءً اقتصادية على كاهل آبائهم الذين قد يواجهون تحديات في العثور على رعاية لأطفالهم لفترة طويلة، أو حتى توفير الطعام الكافي في حالة عدم وجود وجبات مدرسية.

كما يمكن للمكاسب التي تحققت بشق الأنفس في توسيع نطاق الحصول على التعليم أن تتوقف، بل وتنتهي مع تمديد إغلاق المدارس، وتبقى إمكانية الحصول على خيارات بديلة -مثل التعلم عن بعد- بعيدة المنال لمن لا تتوفر لديهم وسائل الاتصال. وقد يتسبب هذا الأمر في المزيد من الخسائر في رأس المال البشري وتقلص الفرص الاقتصادية.

ويتمثل الأمر الأكثر إثارة للقلق في أن غالبية البلدان المنخفضة الدخل (على سبيل المثال، في أفريقيا جنوب الصحراء) لم تبلغ عن الكثير من الإصابات بالفيروس (أو حتى أي منها) حتى الآن. وهذا ما يثير شكوكًا بشأن كل من تقديم الخدمة ومدى التأهب. ومن غير الواضح ما الذي يجب أن يوجه عملية صنع القرار في هذه البلدان: هل يجب أن تتحرك تحركًا استباقيًا على الرغم من التداعيات الاقتصادية المحتملة، أم تنتظر وترى ما سيحدث، مع ما ينطوي عليه هذا من مخاطر تفشي المرض؟ الحقيقة أن العمل في سياق مجهول يخلق مخاطر كبيرة لجميع القطاعات، بما في ذلك قطاع التعليم.

الحلول الممكنة

كان من الممكن استخدام تفشي الفيروس وحالات الإغلاق على المستوى الوطني كأفضل اختبار للإجراءات التدخلية التكنولوجية من أجل التعلم عن بعد. ولكن لسوء الحظ، بلغ عدد قليل من الأنظمة هذه النقطة وهي على أهبة استعداد. تُعد الصين بلدًا استمر فيه التعليم بغض النظر عن إغلاق المدارس، وتم ذلك عبر الإنترنت والتعليم عن بعد. أما البلدان أو النظم المدرسية الأخرى فكانت أقل استعدادًا. وقد تختلف إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا لدى معظم الأسر، ويرتبط الحصول على خدمات الإنترنت ذات النطاق العريض أو الهواتف الذكية بمستوى الدخل حتى في البلدان المتوسطة الدخل. لذلك، تُعد البرامج التي يمكنها استهداف الأشخاص الأكثر احتياجًا بسرعة أمرًا بالغ الأهمية.

والحقيقة أنه بإمكان الإجراءات التدخلية التعليمية أثناء الأزمات أن تدعم الوقاية وتعافي الصحة العامة مع تخفيف أثر تلك الأزمات على الطلاب وعملية التعلم. وعندما تندر المرافق الصحية، يمكن تحويل المدارس إلى مراكز احتجاز مؤقتة أثناء الأزمات. كل هذا يجب أن يؤخذ في الاعتبار في عملية التخطيط، ولاسيما في مرحلتي التكيف والتعافي.

ومن الجدير بالذكر أن التعليم يمكن أن يساهم في حماية الأطفال والشباب. فهو يساعدهم على التكيف أو الحفاظ إلى حد ما على الأوضاع الطبيعية أثناء الأزمات، والتعافي بسرعة أكبر مع ما يُرجى من اكتساب بعض المهارات الجديدة المفيدة (أي اكتساب مهارات التعلم عن بعد، ومزيد من اتقان المهارات الرقمية متى دعت الحاجة لذلك). علاوة على ذلك، في بعض البيئات التي تقل فيها القدرات، خاصة في أجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء، غالبًا ما تكون المدارس هي الهيكل الحكومي الدائم الوحيد في القرى الريفية ويمكن استخدامها كمراكز مؤقتة للاستجابة للأزمات. ويمكن أيضًا تدريب المعلمين، وهم غالبًا من الأشخاص الأكثر تعليمًا في المناطق التي يصعب الوصول إليها، للعمل كمتتبعين للمخالطين ومناصرين لحملات التوعية.

كيف تدير البلدان الأزمات

تنفذ العديد من البلدان المتعاملة مع البنك الدولي أشكالًا مختلفة من هذه الاستراتيجيات، بما في ذلك ما يلي:

تعزيز مستوى التأهب مع إبقاء المدارس مفتوحة: يشمل هذا الأمر فرض إجراءات وقائية في المدارس ودعمها (أفغانستان)؛ ووضع بروتوكولات لتعامل المدارس مع الأمراض والحالات المحتملة (مصر، وروسيا، وبيلاروسيا)؛ واستخدام البنية التحتية للنظام التعليمي وموارده البشرية للتصدي لانتشار العدوى في المجتمعات المحلية (ليبيريا، وسيراليون)؛ والحد من الاتصال الجسدي عن طريق تقليل الأنشطة الاجتماعية والأنشطة خارج المناهج الدراسة (سنغافورة، وروسيا).

الإغلاق الانتقائي للمدارس: باللجوء إلى عزل مناطق العلاج، اختارت بعض الحكومات إغلاق المدارس المحلية كإجراء مؤقت (الهند على سبيل المثال). في نصف الحالات حتى الآن، رأينا هذه النُهج المحلية تتوسع جغرافيًا لاحقًا (البرازيل، والهند، وكندا، وأستراليا).

إغلاق المدارس على المستوى الوطني (الخيار الأكثر استخدامًا عالميًا): مع انتشار فيروس كورونا (COVID-19)، تعلن العديد من البلدان عن إغلاق المدارس على المستوى الوطني. والواقع أن الكثيرين يشعرون بالقلق من أن الأطفال والشباب -على الرغم من أنهم على ما يبدو أقل عرضة للإصابة بالفيروس بل وتُعد معدلات الوفيات بينهم أقل بكثير من الفئات الأخرى- قد يكونون حاملين للمرض، مما يعرض أفراد أسرهم الأكبر سنًا للخطر في المجتمعات المحلية في جميع أنحاء العالم حيث تنتشر الأسر المتعددة الأجيال.

الاستعانة بمصادر التعلم والتعليم عن بعد للتخفيف من فقدان التعلم:

لجأ العديد من البلدان إلى التعلم عن بعد كوسيلة للحد من الوقت الضائع في المدارس (عبر الإنترنت بالكامل في الصين، وإيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، والمملكة العربية السعودية؛ والهواتف المحمولة أو البث التليفزيوني في فيتنام، ومنغوليا). بالإضافة إلى البنية التحتية والاتصال، تُعد معرفة المدرسين والإداريين بالأدوات والعمليات اللازمة أيضًا عوامل رئيسية في توفير التعلم عن بعد (سنغافورة). وترسل بلدان أخرى الدروس إلى الأطفال في منازلهم كواجبات منزلية (لبنان).

في بلغاريا، أنشئ أكثر من 800 ألف حساب لجميع المعلمين وأولياء الأمور، مع تعبئة دور النشر لإتاحة الكتب المدرسية والمواد التعليمية في محتوى رقمي للصفوف من الأول إلى العاشر، وستبث قناتان برامج تعليمية على التليفزيون الوطني. مع لجوء المزيد من البلدان إلى إغلاق المدارس، ستكون هناك حاجة إلى المزيد من الإبداع. على سبيل المثال، يمكن أن يكون تكييف المنصات المتاحة حاليًا للاستخدام على الهواتف الذكية أو الاتفاق مع شركات الاتصالات على إلغاء تكلفة الوصول إلى المواد التعليمية على موقع تابع لوزارة التعليم أو كلاهما جزءًا من جهود التخفيف من حدة الأزمة.

التطلع إلى المستقبل

نهج دوري للتعليم في حالات الطوارئ

ما نتعلمه إذن من أزمة فيروس كورونا (COVID-19)، على غرار ما رأيناه في الأوبئة السابقة، هو أن التأهب أمر حاسم. على الرغم من وجود سيناريوهات مختلفة، يفترض العديد منها أن انتشار فيروس كورونا سيحدث على شكل موجات، مما يعني أن عملية التصدي له يجب أن تكون دورية. ويجب على البلدان التي لم تتضرر بعد أن تشرع في "التأهب"، مع البدء بوضع خطط للاستجابة. وهذا من شأنه أن يسهل عملية "التكيف" بمجرد حدوث الأزمة والتقليل من تأثيراتها السلبية إلى أدنى حد ممكن. ويمكن أن تتضمن الخطة استحداث بروتوكولات لعمليات الفحص داخل المدارس، ونشر حملات ممارسات النظافة العامة، وفرض إغلاق المدارس، وتوفير التعلم عن بعد، واستخدام المدارس المغلقة لأغراض الطوارئ، وما إلى ذلك.

مع انحسار مرحلة الطوارئ، يمكن للمجتمعات المحلية الانتقال إلى وضع "التعافي"، حيث تنفذ الحكومات سياسات وتدابير لتعويض الوقت الضائع. وقد تتضمن النُهج المتبعة تعديلات على الجدول الزمني للعام الدراسي مع إعطاء الأولوية للطلاب في الصفوف التي تستعد لامتحانات مصيرية، والاستمرار في التعلم عن بعد بالتوازي مع المدارس. والبلدان التي أبدت قدرة أكبر على الصمود في الأزمات المتكررة، مثل البلدان في شرق آسيا، كانت هي القادرة على الاستفادة من الدروس السابقة والاستجابة بسرعة للأزمات الجديدة، مثل الأزمة الحالية. فقد تمكنت من استخدام الزخم الحالي لإعادة التأهب والاستثمار في الأنظمة وتعزيزها في المستقبل.

من الأهمية بمكان العمل المشترك بناءً على الخبرة المكتسبة من حالات التفشي السابقة (السارس، والإيبولا، وغيرهما) لدعم الحكومات في فهم الخيارات المتاحة. في هذا المجال، يعمل البنك الدولي مع البلدان في جميع أنحاء العالم في كل مرحلة من المراحل الثلاث؛ التأهب والتكيف والتعافي. ويمكن لمسؤولي التعليم وواضعي السياسات استغلال هذه الأزمة كفرصة لاستحداث نماذج تعلم جديدة يمكن أن تصل إلى الجميع، والتأهب لحالات الطوارئ، وجعل النظام التعليمي أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات.

https://www.albankaldawli.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0