إنسانيات - تعليم

حكاية طفل متسرِّب

لم أرَهُ من قبل، طفلٌ في عمر الزهور، متّقدُ العينين، حنطيّ البشرة، تفوحُ البراءةُ والذكاء من مطلعهِ الصبوح، كنتُ عائداً بسيارة أجرة من العاصمة إلى مدينتي، جمعتني سيارة الأجرة بأبيه، كان رجلا وقوراً، ويبدو عليه الذوق من ملابسه المنسَقة، جلستُ إلى جانب الطفل الذي كان يتطلّع في صفحات مجلة صغيرة مخصصة للأطفال، إنه طفل مشرق يجعلك تشعر أن مستقبل البلاد غاية في الإشراق والجمال، لا عيب محدَّد في هذا الطفل، ولا في أبيه الذي يجلس جنبهُ كأنه نسخة طبق الأصل من ابنه أو العكس، ساقني فضولي إلى التطلّع في صفحات المجلة الصغيرة وصورها ومنظارها التي تشرح الصدر، أعادتني المجلة إلى طفولتي الصعبة.

كنتُ أحلم بالحصول على مجلة مخصصة للأطفال، كانت رغبتي بالتعلّم كبيرة جدا، لكن الوسائل والوسائط المتوفرة للتعليم شحيحة أو مفقودة تماما، لا مجلة، لا كتاب، لا ترفيه مخصص للأطفال، لا أنشطة كشفية أو سواها، فقر في التعليم هائل يكبت على عقول الطفولة آنذاك، اليوم وأنا أتطلّع لمجلة الطفل، وأرى انغماسه في القصص والصور والمناظر أحسدُ في سري وأقول، هؤلاء توفَّرَ لهم ما لم يتوفر لنا في طفولتنا، وفي غمرة الذكريات سمعتُ الطفل يسألُ أباه عن مفردة لم يتمكن من قراءتها مرسومة تحت إحدى الصور في صفحة المجلة، استغربتُ كيف لا يستطيع الطفل قراءة هذه المفردة، إنهُ في العاشرة من عمره تقريبا، ويفترَض أن يكون في الرابع الابتدائي، قرأها له أبوه وظل الطفل يحاول أن يقرأ الكلمة أكثر من مرة.

كان ركّاب السيارة صامتين، وبعضهم لجأ إلى النوم، إلا هذا الطفل، كانت الحيويّة بادية عليه، فسألته:

- في أي صف أنت يا بطل؟

استغربَ الطفل سؤالي ونظرَ إلي كأنني فاجأتهُ ولم يجب عن سؤالي، كررتُ عليه سؤالي نفسه، ولم يجبني أيضا، فتنبّهَ أبوه ونظرَ إلي وقال.

- إنّه تركَ المدرسة منذُ أكثر من سنة ولم تنفع معه كل محاولاتي لإعادته ثانيةً.

هذه المرة سألتُ أباه باستغراب:

- هل تعني بأنه تلميذ متسرِّب من الدراسة؟

- نعم إنه ترك الدراسة نهائيا.

- وما هي الأسباب؟

- هو يخبركَ بها.

لماذا يترك التلاميذ مدارسهم؟

لاذَ الأب بالصمت وظهرت في وجهه علامات الأسف والقهر وكثير من الألم، أما الطفل الذي كان شعلة من ذكاء وحيوية، خبا ذكاؤه وانطفأت حيويتهُ تماماً.

كرّرتُ سؤالي على الأب، لماذا ترك المدرسة، فقال اعفِني من الإجابة، هو يجيبكَ عن الأسباب إذا شاء، كان الطفل يلوذ بالصمت وبدا أكثر أسفا وقهراً من أبيه، لاطفتهُ قليلا وغيّرتُ الموضوع وبدأت بحذر أتحدّثُ معه عن الرسوم الجميلة في المجلة وهل تعجبه، فبدأ يتبادل معي الحديث بحذر، وشيئاً فشيئاً تواصل الحوار بيننا، كان أبوه ينظر إلينا بصمت، ثم أدار وجههٌ إلى الجهة الأخرى كأنه لا يريد أن يتذكّر الأسباب التي حدت بابنه إلى ترك المدرسة.

وبعد أن اعتاد الطفل على الكلام معي كرّرتُ عليه السؤال بحذر، وقلت له:

- هل هناك أسباب صعبة جعلتكَ تترك المدرسة؟

بعد صمت وتردد وبشيء من الخجل، قال:

- السبب هو المعلّم.

- المعلمّ!؟ لماذا؟ ما الذي فعله المعلم؟ هل أجبركَ على ترك المدرسة؟.

أجاب الطفل بألم شديد:

- نعم أجبرني على ترك الدراسة؟

- لماذا وكيف؟

أجاب الطفل بقهر:

- كان يضرب الطلاب بالعصا.

لا للعنف المدرسي نعم للصبر

واسترسل الطفل في حديثه، وأبوه ينظر إلينا بين حين وآخر، قال الطفل:

كان هذا المعلّم يحمل معه عصا خيزران، وكان يضرب الطلاب بقسوة، في الشتاء كان يضربني 10 ضربات متواصلة وبكل ما يملك من قوة، نبكي نصرخ، نتوسل العفو، ولكن لا يفيد هذا، فهو يواصل الضرب بحجة أننا لم نقرأ جيدا، أو لم نكتب الواجب، أو غيرها من الأعذار، مثلا تكلمت مع الطالب الذي يجاورك وطلبت منه (قلم، أو مسطرة أو أي شي)، فإن العصا تنهال عليك بقوة، والتفت إلى أبيه الذي كان ينظر إلينا، واستعان بأبيه واستشهدَ بها وقال:

- أكثر من مرة أخذت أبي معي كي يتكلم مع المعلّم ومع المدير، لكنه بقيَ يضربني بلا رحمة.

الأب وافق كلام ابنه وقال:

- لم يكن معلّماً، كان إنساناً مريضا نفسياً، وهو السبب في كراهية ابني للمدرسة، لدرجة أن الطفل رفض الانتقال إلى مدرسة أخرى رغم أنني حاولت معه مرارا، وفكرتُ أنقله إلى مدرسة أهلية، لكنه رفض وهددني بالهروب خارج البيت إذا أجبرتهُ على الذهاب إلى المدرسة.

أنا شخصيا حاولت أن أقنعه بكل ما أمتلك من اقناع أن يعود إلى مدرسة أخرى، وتكلمتُ معه عن ذكائه وعن المستقبل وأهمية العلم والشهادة في حياته، لكنه لم يستوعب كلامي وظلّ شبح المعلم وعصاه ماثلة أمام عينيه، حتى أن الطفل كان يرتجف ويشعر بالخوف عندما أتكلم معه عن المدرسة وأهميتها وحتمية عودته لها، وقال بالحرف الواحد، كرهتُ المدرسة ولن أن أعود إليها أبداً.

السؤال الآن، منْ الذي يتحمّل مسؤولية هذا الطفل ومئات المتشربين مثله، أليس هو العنف الذي يُمارَس ضد التلاميذ، نعم هناك أسباب اخرى تساعد على استمرار ظاهرة التسرّب، ولكن كل تلك الأسباب يمكن معالجتها لأنها في الغالب مادية ويمكن علاجها، لكن العنف المدرسي بالضرب أو اللفظ الغليظ لا يمكن معالجته لأنه شيء نفسي يترسَّب في أعماق المعلم، فنقص المدارس مقدور عليه بزيادة البنايات وتحسين التعليم وزيادة وسائل الإيضاح وتوفير القرطاسية وبناء الحدائق والمرافق الصحية وتدفئة الصفوف أو تبريدها، هذا كلها ممكنة المعالجة لأنها مادية، ويتم القضاء عليها بالتخطيط والأموال، ولكن كيف نقضي على العنف وهو يصدر من نفس مريضة؟

هذا السؤال نضعه أمام كل تدريسي يلجأ إلى العنف بالضرب أو بالكلام الخشن مع التلاميذ، ونقول له أنه سبب في استمرار ظاهرة تسرب الطلاب من صفوفهم وفقدانهم لدراستهم ومستقبلهم العلمي الأفضل، ليس هناك مغالاة في طرحنا لهذا الموضوع، ولا نستهدف أحدا تدريسيا أو غيره، فما ورد في هذه القصة عشته بنفسي ولم ينقله لي أحد، فالطفل الذي ركبتُ معه في سيارة الأجرة كان يستحق الأفضل، ومن المؤسف حقا أنه سيصبح عبء على نفسه وعائلته ومجتمعه بسبب خطأ العنف الذي قام به معلّمه، في حين أن المعلم هو النموذج الأمثل لتلاميذه، مطلوب أن يترك التدريسيون العنف بكل أشكاله لأنه السبب الأول في استمرار وتفاقم ظاهرة التسرّب من المدارس.

انقر لاضافة تعليق
سعيد صالح
مصر
هذه حكاية تثير الألم لكنها من صلب الواقع.. هنا في مصر نجدها وفي كل الدول العربية.. المشكلة مطروحة مين يطبق ويعالج المشكلة؟2019-01-13

مواضيع ذات صلة

3