قد يبدو اننا نعيش في عالم معتوه، فيه الناس يستعبدون أنفسهم تحت اسم الحرية. عالم لا شيء فيه مجانا سوى الحرية ذاتها. باختصار، نحن نعيش في عالم من المفارقة فيه يكون المسار الى المعرفة مرصوفا بتناقضات تشير الى الحقائق الأعمق. ان الهدف من التعليم هو تعليم الأجيال الجديدة لتمشي هذا المسار المثير للمفارقة، إدراك أعمق الحقائق ضمن نموذج من المفارقة.

ان بداية هذا المسار الى الفهم هي اول وآخر المفارقة، انها بداية ونهاية كل مسارات الفهم. الاولى يجب ان تكون الاخيرة، والاخيرة يجب ان تكون الاولى. في جوهر هذا المأزق الواضح هو التناقض الظاهر باننا يجب ان نضحي بأنفسنا لكي نستطيع ان نعيش حقا. يجب ان نضحي بأنفسنا لكي لم نعد ميتين. يجب ان نضحي بأنفسنا لكي يمكن إعادة الحياة الى الحقيقة الكامنة وراء الذات المحطمة والعالية الصخب. اولئك الذين يبقون انانيين ويضعون انفسهم اولا، سيكونون دائما في الاخير، سيبقون ضائعين في الفراغ اللامتناهي للذات، يفشلون في اتخاذ المسار الاختياري للإدراك الذي يحرر الذات من ذاتها. اولئك الذين يضعون أنفسهم في الأخير بوضعهم الآخرين اولاً سوف يهربون من سجن الذات من خلال أفعالهم غير الانانية.

توما الاكويني لخص هذا المأزق الهام في جوهر جميع التصورات في اصراره بان التواضع هو الشرط المسبق لكل تقدم نحو فهم الحقيقة. انه التواضع الذي ينتج ثمار الامتنان الذي يفتح العيون للتساؤل والإعجاب، انه التساؤل الذي يقود الى روح التأمل الذي يفتح الذهن والقلب نحو كل الحقيقة. هكذا يقول الأكويني، كلماته تضرب في جوهر التعليم الحقيقي.

اولاً، يجب ان يأتي التعليم بمقتضى وضرورة التواضع، الذي يمكن رؤيته كعلاج لسموم الأنوية التي يسميها الثيولوجيون بالفخر.. اذا كان الفخر هو الاساس في التعليم وليس التواضع، نحن سوف نفتقد الاعتراف والتقدير اللذين يفتحان العيون للتساؤل. هذا التعليم يمنع امكانية التأمل الذي يفتح القلب والذهن على قداسة الخير والحقيقة والجمال، نحن سيكون لدينا تعليم يضع العقل والقلب في دائرة مغلقة. المفارقة هي ان التعليم الفخور الذي يضع التعبير عن الذات كهدف أعلى هو في الحقيقة يمنع الذات من معرفة ذاتها، واذا كانت لا تعرف ذاتها فهي لا تستطيع التعبير عن نفسها.

أنا انظر لنفسي بعيون تنظر فقط لي ولذاتي وليس الى الحقيقة الاكبر التي انا وذاتي جزء منها. الذات هي أبعد مسافة من اي نجم حسب قول شيستيرتون، نحن نستطيع فقط النظر الى النجم البعيد الذي هو الايغو عبر تعلّم النظر الى ماوراء الذات نحو النجوم في السماء والنجوم التي تشع في عيون جيراننا.

يقول اوسكار وايلد "نحن دائما في المنطقة الضحلة"، "ولكن بعض منا ينظر الى النجوم". عندما لا ننظر للنجوم الصغيرة اللامعة، متسائلين عن ماهيتها وعما تدل عليه، ستكون لدينا فقط فجوة الذات التي نختبئ فيها مفضلين ظلام الثقب الاسود للذات فيه لا نكون اكثر من ظل مثير للشفقة. هذا يفسر لماذا تعليم اليوم يدعو للفخر كخير أعلى، منتجا أجيالا غير قادرة وغير راغبة في رؤية الضوء المنطلق وراء ظلام ويأس الذات.

لذلك، فان التعليم هو انشغال في الحقيقة الكامنة وراء الذات. انه انشغال بالآخر. انه تعليم لمنح انفسنا للآخرين في خيرية نسميها الحب، انه تعليم لمنح انفسنا للآخرين في حقيقة نسميها معرفة الحقيقة الموضوعية، انه تعليم لنعطي انفسنا للآخرين في جمال ينكشف عندما نرى بعيون مفتوحة على التساؤل.

ديكارت قاد العديد من الناس الى الارباك في ادّعاءه الشهير انا أفكر اذاً انا موجود. يمكننا الجدال باننا نعرف اننا موجودون لأننا نفكر، لكننا لا نعرف ماذا نحن او منْ نحن. نحن نستطيع فقط ان نعرف تلك الحقائق العميقة عبر إشغال تفكيرنا بما هو وراء أنفسنا، بتعريض افكارنا للواقع الموضوعي، عبر جعل افكارنا خادمة للحقيقة. فرقة الروك الايرلندية U2 اصبحت اقرب الى قلب الواقع عندما أعلنت بانه عندما نريد تقبيل السماء سنحتاج لنتعلم كيف ننحني. سيكون صحيحا ايضا القول اننا نحتاج نتعلم كيف ننحني إذا اردنا رؤية السماء في ضوئها الحقيقي. انا انحني اذاً انا أتساءل، انا أتساءل لذلك انا ارى. هذا هو الطريق الذي يحررنا من الذات.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2