تدخل أزمة الطاقة المرتبطة بمضيق هرمز مرحلة شديدة الخطورة، إذ لم تعد مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار النفط، بل تحولت إلى اختبار شامل لقدرة الاقتصاد العالمي على التعامل مع صدمة إمدادات واسعة النطاق. فأسعار خام برنت قرب 114 دولارا تعكس جزءا فقط من الصورة، بينما تشير الأسواق المادية...

تشهد أسواق الطاقة العالمية مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد التوترات العسكرية والجيوسياسية في الشرق الأوسط، وما رافقها من اضطرابات مباشرة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز في العالم. وقد انعكس هذا التصعيد سريعا على أسعار الخام، وسلاسل الإمداد، ومخزونات الطاقة، وتوقعات التضخم، ومسارات النمو الاقتصادي، لا سيما في الاقتصادات الآسيوية الأكثر اعتمادا على واردات الطاقة من الخليج.

واستقرت أسعار خام برنت قرب مستوى 114 دولارا للبرميل، بعد موجة ارتفاع حادة غذّتها المخاوف من انقطاع الإمدادات وتراجع القدرة على ضمان مرور آمن ومستقر عبر المضيق. ورغم حدوث بعض التراجع الطفيف في الأسعار في جلسات لاحقة، فإن هذا الانخفاض لم يعكس تحسنا جوهريا في أساسيات السوق، بل بدا أقرب إلى حركة تصحيح مؤقتة بعد صعود قوي، في وقت لا تزال فيه المخاطر قائمة حول قدرة الأسواق على امتصاص صدمة إمدادات ممتدة.

وتكتسب الأزمة أهميتها من كون مضيق هرمز يمر عبره عادة نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية. وأي تعطل طويل الأمد في هذا الممر لا يؤثر فقط على أسعار الطاقة، بل ينتقل أثره إلى قطاعات النقل، والصناعة، والزراعة، والغذاء، والسياسة النقدية، وأسواق المال. كما أن الأزمة الحالية تأتي في وقت لم تتعاف فيه اقتصادات كثيرة بالكامل من آثار موجات التضخم السابقة، ومن تداعيات أزمات الطاقة التي صاحبت الحرب في أوكرانيا، ومن ضغوط الديون وضعف العملات في عدد من الأسواق الناشئة.

ويهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة شاملة ومنظمة للتطورات الأخيرة في أسواق النفط، وتحليل آثار إغلاق أو تقييد الملاحة عبر مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي، مع التركيز على آسيا، وصندوق النقد الدولي، والولايات المتحدة، وسريلانكا، والهند، وأسواق المال، إضافة إلى المخاطر المناخية المتزامنة المرتبطة باحتمال اشتداد ظاهرة إل نينيو.

خام برنت قرب 114 دولارا وسط اضطراب الإمدادات

تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بصورة طفيفة لتستقر قرب 114 دولارا للبرميل، بعد أن كانت قد سجلت ارتفاعا حادا في الجلسة السابقة. وجاء هذا التحرك في أعقاب هجمات جديدة في الخليج، وتصاعد التوتر المرتبط بالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وبلغ سعر العقود الآجلة لخام برنت تسليم يوليو نحو 113.51 دولار للبرميل، منخفضا 93 سنتا، أي ما يعادل 0.8 بالمئة. في المقابل، تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى 104.26 دولار للبرميل، منخفضا 2.16 دولار، أو نحو اثنين بالمئة. ورغم هذا التراجع، بقيت الأسعار عند مستويات مرتفعة تاريخيا نسبيا، بما يعكس هشاشة التوازن في السوق.

ويبدو أن الأسواق النفطية تتحرك حاليا ضمن نطاق شديد التقلب، مدفوعة أساسا بعاملين: الأول هو الخطر الجيوسياسي المباشر المرتبط بمضيق هرمز، والثاني هو القلق من سرعة استنزاف المخزونات العالمية في حال طال أمد الأزمة. فالمتعاملون في السوق لم يعودوا يقيّمون الأسعار فقط على أساس العرض والطلب التقليديين، بل على أساس احتمالات انقطاع الإمدادات، وكلفة التأمين والشحن، وقدرة الدول المستوردة على إيجاد بدائل سريعة.

وقد زادت حدة التوتر بعد إعلان الولايات المتحدة عملية جديدة تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية. وتمكنت سفينة لنقل المركبات ترفع العلم الأمريكي من مغادرة الخليج عبر المضيق بمرافقة عسكرية أمريكية. ورغم أن هذه الخطوة أثبتت إمكانية مرور بعض السفن بشكل محدود، فإنها لا تمثل عودة كاملة أو آمنة لحركة الملاحة الطبيعية. فهي أقرب إلى إجراء استثنائي تحت حماية عسكرية، لا إلى إعادة فتح مستدامة للممر البحري.

وتشير هذه التطورات إلى أن الأسواق لا تزال تعمل تحت ضغط سيناريوهات متعارضة. فمن جهة، هناك محاولات أمريكية لتأمين خطوط الملاحة. ومن جهة أخرى، ترد إيران بهجمات وعمليات تعيق الاستقرار البحري، بما يترك المضيق في حالة من عدم اليقين الأمني والاقتصادي.

مضيق هرمز في قلب الأزمة العالمية

يمثل مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة العالمية. فهو يربط الخليج العربي بالأسواق العالمية الأوسع، وتمر عبره عادة كميات هائلة من النفط الخام والغاز الطبيعي والمنتجات المكررة. ولذلك فإن أي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس فورا على الأسعار العالمية، حتى قبل أن يظهر النقص الفعلي في الإمدادات.

وقد أشارت تقارير إلى تعرض عدة سفن تجارية لهجمات في المنطقة، واندلاع حريق في ميناء نفطي رئيسي في الإمارات بعد هجوم إيراني. كما أن محاولة الولايات المتحدة استخدام القوة البحرية لتأمين الملاحة عُدّت أكبر تصعيد منذ إعلان وقف إطلاق النار قبل أربعة أسابيع.

وتكمن خطورة الأزمة في أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر تجاري عادي، بل شريان حيوي تعتمد عليه اقتصادات كبرى، خاصة في آسيا. وتعتمد دول مثل اليابان، والهند، والصين، وكوريا الجنوبية، وعدد من اقتصادات جنوب شرق آسيا، بدرجات متفاوتة، على إمدادات النفط والغاز القادمة من الخليج. ولذلك فإن اضطراب المضيق يخلق صدمة مزدوجة: ارتفاعا في الأسعار من جهة، ونقصا فعليا أو محتملا في الشحنات من جهة أخرى.

كما أن استمرار الاضطراب يدفع شركات الشحن والتأمين إلى رفع تكاليفها، ويجبر بعض الناقلات على تغيير مساراتها أو انتظار مرافقة عسكرية، ما يزيد زمن التسليم وكلفة النقل. وفي الأسواق المادية، حيث تُشترى البراميل الحقيقية لا العقود المالية، بدأت الأسعار تعكس بالفعل ضغطا أشد مما يظهر في العقود الآجلة.

تحذيرات من سيناريو أسوأ

حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، من أن الاقتصاد العالمي قد يواجه “نتائج أسوأ بكثير” إذا امتدت الحرب في الشرق الأوسط إلى عام 2027 وارتفعت أسعار النفط إلى نحو 125 دولارا للبرميل. ويعكس هذا التحذير انتقال الأزمة من مجرد اضطراب في سوق الطاقة إلى خطر شامل على الاستقرار الاقتصادي العالمي.

كان صندوق النقد قد وضع ثلاثة سيناريوهات لمسار النمو والتضخم في عامي 2026 و2027. السيناريو الأساسي يفترض أن الصراع سيكون قصير الأمد، وأن النمو العالمي سيتباطأ بشكل محدود إلى 3.1 بالمئة، مع ارتفاع الأسعار إلى 4.4 بالمئة. لكن جورجيفا أوضحت أن احتمال تحقق هذا السيناريو يتضاءل يوما بعد يوم.

أما السيناريو السلبي، الذي بات أكثر قربا من الواقع بحسب تصريحاتها، فيفترض تباطؤ النمو العالمي إلى 2.5 بالمئة في 2026، وارتفاع التضخم إلى 5.4 بالمئة. في حين يتوقع السيناريو الحاد، وهو الأكثر قتامة، نموا عالميا لا يتجاوز اثنين بالمئة، وتضخما عند 5.8 بالمئة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن استمرار الحرب لا يرفع أسعار الطاقة وحدها، بل يضغط على مجمل النشاط الاقتصادي. فارتفاع النفط والغاز يرفع تكاليف النقل والإنتاج، ويؤدي إلى زيادة أسعار الغذاء والسلع المصنعة، ويحد من قدرة الأسر على الإنفاق، كما يجبر الحكومات على توسيع الدعم أو خفض الرسوم الجمركية لحماية المستهلكين، وهو ما يزيد الضغوط على الموازنات العامة.

كما حذر صندوق النقد من تأثير الأزمة على سلاسل التوريد، لا سيما في قطاع الأسمدة، حيث ارتفعت أسعارها بالفعل بين 30 و40 بالمئة. ومن شأن ذلك أن يرفع أسعار الغذاء بنسبة تتراوح بين ثلاثة وستة بالمئة، مع احتمال امتداد الضغوط إلى قطاعات أخرى تعتمد على الطاقة أو المدخلات الصناعية القادمة من المنطقة.

نقص ملموس في إمدادات النفط

قال مايك ويرث، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة شيفرون، إن نقصا فعليا في إمدادات النفط سيبدأ بالظهور في أنحاء العالم نتيجة إغلاق مضيق هرمز. وأوضح أن الأسواق بدأت بالفعل في امتصاص فائض المعروض التجاري، إضافة إلى الإمدادات المتاحة من ناقلات الظل والاحتياطيات الاستراتيجية الوطنية.

وتكمن أهمية هذا التصريح في أنه صادر عن قيادة شركة نفطية عالمية تتابع السوق المادية عن قرب. فالفجوة بين أسعار العقود الآجلة وأسعار البراميل الفعلية في السوق المادية أصبحت مؤشرا على أن الأزمة ليست نفسية أو مالية فقط، بل ترتبط بتقلص فعلي في إمكانية الحصول على الخام والمنتجات المكررة في أماكن محددة.

ويرى ويرث أن الطلب يجب أن ينخفض ليتناسب مع العرض الشحيح، ما يعني أن الاقتصادات ستتباطأ قسرا. وسيظهر التأثير أولا في آسيا، نظرا لاعتمادها الكبير على النفط ومصافي التكرير في الخليج، ثم ينتقل لاحقا إلى أوروبا، قبل أن يصل أثره إلى الولايات المتحدة بدرجة أقل، باعتبارها مصدرا صافيا للخام.

وقارن ويرث التأثير المحتمل لإغلاق مضيق هرمز بأزمة الطاقة في سبعينيات القرن الماضي، التي شهدت اضطرابات كبرى في الإمدادات، وفرض أنظمة حصص للوقود، وطوابير طويلة أمام محطات البنزين. وهذه المقارنة تعكس حجم الخطر إذا استمر إغلاق المضيق أو ظل المرور فيه محدودا وغير آمن.

وأشار بنك جولدمان ساكس إلى أن مخزونات النفط العالمية تقترب من أدنى مستوياتها في ثماني سنوات، محذرا من سرعة نضوب هذه المخزونات مع استمرار تقييد الإمدادات عبر مضيق هرمز. وقدّر البنك أن إجمالي مخزونات النفط العالمية يبلغ نحو 101 يوم من الطلب العالمي، وقد ينخفض إلى 98 يوما بنهاية مايو.

ورغم أن المخزونات الإجمالية قد لا تصل إلى الحدود التشغيلية الدنيا هذا الصيف، فإن القلق الأكبر يتعلق بسرعة الاستنزاف، وبفقدان الإمدادات في مناطق ومنتجات معينة. فالأسواق لا تعاني بالضرورة من نقص موحد في كل مكان، بل من اختناقات حادة في مناطق محددة، أو في منتجات مكررة يصعب تعويضها بسرعة.

وتراجعت مخزونات المنتجات المكررة التجارية العالمية من 50 يوما قبل الحرب إلى 45 يوما حاليا، بينما تقترب المخزونات سهلة الوصول من مستويات منخفضة للغاية. وتكتسب المنتجات المكررة أهمية خاصة لأنها ترتبط مباشرة بالاستهلاك اليومي، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات. لذلك فإن تراجعها ينعكس بسرعة على النقل البري والجوي، والأسعار النهائية للمستهلكين.

آسيا في مواجهة التداعيات الأشد

تعد آسيا أكبر منطقة مستوردة للنفط في العالم، ولذلك تبدو الأكثر عرضة لتداعيات الأزمة. وتشير بيانات كبلر إلى أن واردات النفط الإجمالية إلى آسيا، التي تستحوذ على نحو 85 بالمئة من شحنات النفط الخام من الخليج، انخفضت 30 بالمئة في أبريل مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، لتصل إلى أدنى مستوى منذ أكتوبر 2015.

وقد دفع الاضطراب بنك التنمية الآسيوي إلى خفض توقعاته للنمو في الدول النامية في آسيا والمحيط الهادي إلى 4.7 بالمئة هذا العام و4.8 بالمئة في عام 2027، بدلا من 5.1 بالمئة في كل من العامين. كما رفع توقعاته للتضخم إلى 5.2 بالمئة لهذا العام.

وتحاول الحكومات الآسيوية احتواء الصدمة عبر مزيج من الدعم، وخفض رسوم الاستيراد، وتقييد الصادرات، وإدارة الطلب، والبحث عن مصادر بديلة للإمدادات. غير أن هذه السياسات مكلفة، ولا سيما في جنوب آسيا، حيث تمتلك دول مثل باكستان وبنجلادش وسريلانكا هوامش مالية محدودة واحتياطيات نقدية أقل.

في الهند، أبقى قطاع التكرير الذي تهيمن عليه الدولة أسعار الوقود مستقرة نسبيا رغم ارتفاع تكاليف الخام، ما أدى إلى خسائر كبيرة في الديزل والبنزين. وفي المقابل، رفعت الهند أسعار غاز البترول المسال التجاري والكيروسين المخصص للشركات الدولية، في محاولة لإعادة توزيع كلفة الأزمة وحماية إمدادات الأسر والقطاعات الأساسية.

أما الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، فقد استفادت من احتياطياتها الضخمة وتنوع سلاسل إمداد الطاقة لديها، إضافة إلى القيود المفروضة على تصدير الوقود والأسمدة. ومع ذلك، فإن قدرة الصين على امتصاص الصدمة لا تلغي آثار الأزمة على بقية المنطقة.

وفي اليابان، التي تستورد نحو 95 بالمئة من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، تكثفت مشتريات النفط الأمريكي، رغم ارتفاع تكلفة الشحن وطول مدة الرحلة مقارنة بالشحن من الخليج. كما بدأت اليابان سحب 36 مليون برميل من مخزوناتها النفطية، في خطوة تعكس حجم الضغوط على أمن الطاقة.

ضغوط العملات والأسواق الناشئة الآسيوية

لم تقتصر آثار الأزمة على الطاقة والنمو، بل امتدت إلى العملات. فقد تراجعت عملات الأسواق الناشئة في آسيا بدرجات متفاوتة، وسجل البيزو الفلبيني والروبية الهندية والروبية الإندونيسية مستويات قياسية منخفضة مقابل الدولار. ومنذ بداية الحرب، انخفض البيزو بأكثر من خمسة بالمئة، والبات التايلاندي والروبية الهندية بأكثر من ثلاثة بالمئة، والروبية الإندونيسية بأكثر من 2.5 بالمئة.

وتؤدي هذه التراجعات إلى تعميق الأزمة، لأنها تجعل واردات الطاقة المسعرة بالدولار أكثر كلفة، ما يزيد الضغوط التضخمية ويضعف الموازنات العامة. كما أن ضعف العملات قد يجبر البنوك المركزية على الدفاع عنها عبر رفع الفائدة أو استخدام الاحتياطيات، في وقت تحتاج فيه الاقتصادات إلى دعم النمو.

وتبدو دول جنوب آسيا الأكثر هشاشة، لأنها تعتمد على واردات الطاقة، وتملك مساحة مالية محدودة، وتعاني بعض اقتصاداتها أصلا من ضغوط ديون وتضخم. وتعد سريلانكا مثالا واضحا على ذلك، إذ لا تزال تتعافى من أزمة اقتصادية خانقة في 2022، ومن آثار إعصار مدمّر، بينما تواجه حاليا موجة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة.

بدورها رفعت سريلانكا أسعار الوقود بنحو أربعة بالمئة، في خطوة من شأنها زيادة التضخم الذي تضاعف بأكثر من مرتين في أبريل بسبب ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب. ومنذ مارس، رفعت البلاد أسعار الوقود بأكثر من 35 بالمئة، كما ارتفعت أسعار الغاز والكهرباء بنسب مماثلة.

وقد زاد سعر الكيروسين المستخدم في الآلات الزراعية، وارتفع سعر البنزين والديزل، ما انعكس مباشرة على تكاليف النقل والغذاء. وبلغ التضخم السنوي في مؤشر أسعار المستهلك في كولومبو 5.4 بالمئة في أبريل، مقارنة باثنين بالمئة في مارس، وهو رقم يتجاوز توقعات البنك المركزي.

وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه سريلانكا تحاول استعادة الاستقرار بعد أزمة 2022، حين نفدت احتياطياتها من العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد الغذاء والوقود والأدوية. كما تعرضت البلاد لإعصار في نوفمبر أسفر عن مقتل مئات الأشخاص وأحدث أضرارا مادية مباشرة تُقدر بنحو 4.1 مليارات دولار.

وتعتمد سريلانكا على برنامج إنقاذ من صندوق النقد الدولي بقيمة 2.9 مليار دولار، لكن ارتفاع أسعار الطاقة يشكل تحديا كبيرا لجهود التعافي. فكل زيادة في أسعار الوقود تضغط على الأسر، وترفع تكلفة الإنتاج، وتزيد الحاجة إلى الدعم، ما يعقد مسار الإصلاح المالي.

من جهتها رفعت الهند أسعار غاز البترول المسال المخصص للاستخدام التجاري والكيروسين للشركات الدولية، في ظل اضطراب الإمدادات بسبب الحرب. وبلغت الزيادة في سعر أسطوانة غاز البترول المسال التجارية سعة 19 كيلوغراما في نيودلهي نحو 993 روبية، أي ما يمثل ارتفاعا يقارب 48 بالمئة.

ومن المتوقع أن تؤثر هذه الزيادة بشدة على المطاعم والأنشطة التجارية الصغيرة، التي سبق أن قلص عدد منها نشاطه منذ بدء الأزمة. كما ارتفع سعر الكيروسين للرحلات الدولية بنحو خمسة بالمئة في نيودلهي، ما يزيد الضغوط على قطاع الطيران.

وتعتمد الهند بشكل كبير على واردات الطاقة، ولا سيما غاز البترول المسال، إذ تستورد نحو 60 بالمئة من احتياجاتها منه. ورغم تأكيد الحكومة أن البلاد لا تواجه نقصا كبيرا في الوقود، فإن إدارة التوازن بين حماية الأسر والقطاعات الأساسية من جهة، وتحميل الأنشطة التجارية جزءا من التكلفة من جهة أخرى، تظل مسألة شديدة الحساسية.

إل نينيو يضيف طبقة جديدة من المخاطر

إلى جانب أزمة الطاقة، تواجه آسيا احتمال اشتداد ظاهرة إل نينيو، التي قد ترفع الطلب على الكهرباء بسبب موجات الحر، وتقلص إنتاج الطاقة الكهرومائية، وتضر بالمحاصيل الزراعية. وهذه المخاطر المناخية تأتي في توقيت بالغ الصعوبة، إذ تعاني المنطقة بالفعل من ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والشحن.

وقد حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من احتمال حدوث إل نينيو بين مايو ويوليو، مع مؤشرات أولية إلى أنها قد تكون قوية بشكل خاص. وتؤثر هذه الظاهرة عادة على أنماط الطقس، إذ قد تسبب الجفاف وحرائق الغابات في إندونيسيا، أو الأمطار الغزيرة والفيضانات في مناطق أخرى.

ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الطلب على التبريد، ما يضغط على شبكات الكهرباء التي تعاني أصلا من نقص الوقود. كما يهدد الجفاف إنتاج الطاقة الكهرومائية في دول تعتمد عليها بدرجة كبيرة. وقد أظهرت تجربة الصين في 2022 حجم هذه المخاطر، عندما تسببت موجة حر في تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية في سيتشوان بأكثر من 50 بالمئة، ما أثر على المنازل والصناعة.

وفي القطاع الزراعي، قد تؤدي الظروف الأكثر حرارة وجفافا إلى تراجع الإنتاجية، خاصة إذا قلل المزارعون استخدام الأسمدة بسبب ارتفاع أسعارها. وهذا قد يفاقم تضخم أسعار الغذاء، ويزيد انعدام الأمن الغذائي في الدول المعتمدة على الواردات والمعرضة لتغير المناخ.

التضخم والسياسة النقدية في الولايات المتحدة

في الولايات المتحدة، حذر نيل كاشكاري، رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي في منيابوليس، من أن استمرار الحرب في إيران سيزيد مخاطر التضخم والأضرار الاقتصادية، مما يحد من قدرة البنك المركزي على تقديم توجيهات واضحة بشأن أسعار الفائدة.

وتضع أزمة الطاقة مجلس الاحتياطي الاتحادي أمام معادلة صعبة. فمن جهة، يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى رفع التضخم، وقد يضطر البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية أو الامتناع عن خفض الفائدة. ومن جهة أخرى، تؤدي الزيادة الكبيرة في أسعار الطاقة إلى إضعاف الطلب الاستهلاكي، ما قد يضغط على سوق العمل والنمو، ويدفع البنك المركزي إلى التريث أو حتى التيسير.

وقد أبقى الاحتياطي الاتحادي نطاق سعر الفائدة المستهدف ثابتا بين 3.5 و3.75 بالمئة، مع الإبقاء على صياغة تشير إلى أن الخطوة التالية قد تكون خفض الفائدة. غير أن عددا من مسؤولي البنك عارضوا هذا التوجيه، معتبرين أن مسار الفائدة سيعتمد على أثر الحرب في الاقتصاد والتضخم.

ويعكس ذلك أن صدمات الطاقة لم تعد تُعامل بوصفها عوامل عابرة فقط. فعندما تأتي فوق سنوات من التضخم الأعلى من الهدف، يمكن أن تؤثر في توقعات التضخم وتدفع الشركات والمستهلكين إلى تعديل سلوكهم السعري، ما يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.

وانعكست أزمة الطاقة على المستهلك الأمريكي، حيث ارتفع متوسط أسعار البنزين إلى 4.43 دولار للجالون، بزيادة تقارب 40 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وفي كاليفورنيا، تجاوزت الأسعار ستة دولارات للجالون، ما أثار غضبا واسعا لدى السائقين.

وتؤثر أسعار الوقود المرتفعة في سلوك المستهلكين عبر تقليص الإنفاق على السلع والخدمات غير الأساسية. وقد سجلت سلاسل مطاعم أمريكية مثل وينجستوب ودومينوز نموا أقل من المتوقع في المبيعات، مع إشارة الشركات إلى أن ارتفاع الوقود أجبر العملاء على تقليص الإنفاق.

وتُظهر تحليلات قطاع المطاعم أن سعر أربعة دولارات للجالون يمثل نقطة تحول حساسة؛ إذ يبدأ تأثير أسعار الوقود على زيارات المطاعم بالتضاعف عند هذا المستوى. فإذا ارتفع متوسط البنزين إلى 5.10 دولار أو أكثر، قد تتراجع زيارات مطاعم الوجبات السريعة بنحو ثلاثة بالمئة.

وتكشف هذه التطورات أن أزمة النفط لا تبقى محصورة في محطات الوقود، بل تمتد إلى المطاعم والتجزئة والنقل والخدمات. فكل دولار إضافي يدفعه المستهلك للوقود هو دولار أقل متاح للإنفاق على أنشطة أخرى.

المستثمرون أمام خطر صدمة نفطية حقيقية

رغم ارتفاع أسعار النفط، لا يبدو أن المستثمرين تأهبوا بالكامل لاحتمال حدوث صدمة نفطية حقيقية تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير. فأسواق الأسهم، مدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي وأرباح شركات التكنولوجيا، واصلت تسجيل مستويات قوية، بينما لم تعكس العقود الآجلة للنفط كامل التوتر الذي يظهر في السوق المادية.

وتُتداول بعض البراميل الفعلية في السوق المادية قرب 130 دولارا للبرميل، وهي مستويات أعلى بكثير من العقود الآجلة لخام برنت. ويشير محللون إلى أن الأسواق المادية تعكس الواقع على الأرض بشكل أوضح، بينما تعكس العقود الآجلة أحيانا التصورات والآمال بشأن انتهاء الأزمة.

وقد قدرت شركة فيتول أن السوق قد تفقد مليار برميل من الإمدادات بحلول تعافيها من الأزمة. كما أشار مدير وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن أسعار النفط لا تعكس بالضرورة الوضع الراهن، وأن العالم يجب أن يستعد لأسعار أعلى.

ويرى بعض المستثمرين أن استمرار صدمة النفط ثلاثة إلى ستة أشهر قد يترك أثرا مستداما على التضخم. ومع اقتراب الأزمة من هذا النطاق الزمني، بدأ بعض مديري الأصول يفضلون الاستثمارات المرتبطة بالسلع، والبنية التحتية، والأصول الحقيقية، وشركات تعدين الذهب، كوسائل للتحوط ضد المخاطر.

التداعيات الاستراتيجية بعيدة المدى

لا تقتصر الأزمة على السؤال المباشر حول موعد انتهاء الحرب أو إعادة فتح مضيق هرمز. فالمخاطر الأعمق تتعلق بإعادة تشكيل مسارات التجارة والطاقة والتحالفات الدولية. وإذا طال أمد الاضطراب، فقد تسعى الدول المستوردة إلى تنويع مصادر الطاقة بسرعة أكبر، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، وتوسيع الاستثمار في الطاقة المتجددة، والغاز الطبيعي المسال، والبنية التحتية البديلة.

كما قد تؤدي الأزمة إلى تسريع توجهات كانت قائمة أصلا، مثل إعادة توطين بعض الصناعات، وتقليل الاعتماد على ممرات بحرية محددة، وزيادة الإنفاق على الأمن البحري. لكنها في الوقت نفسه قد تخلق تحديات مالية هائلة للدول الفقيرة والمتوسطة الدخل، التي لا تملك القدرة نفسها على امتصاص ارتفاع الأسعار أو تمويل الدعم.

وفي آسيا، قد تدفع الأزمة الحكومات إلى مراجعة أمن الطاقة باعتباره جزءا من الأمن القومي. أما في أوروبا والولايات المتحدة، فقد تزيد النقاشات حول التضخم والفائدة والاعتماد على الوقود الأحفوري تعقيدا. وفي الأسواق المالية، قد يعيد المستثمرون تقييم المخاطر الجيوسياسية بعد فترة من التركيز المفرط على أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

خاتمة

تدخل أزمة الطاقة المرتبطة بمضيق هرمز مرحلة شديدة الخطورة، إذ لم تعد مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار النفط، بل تحولت إلى اختبار شامل لقدرة الاقتصاد العالمي على التعامل مع صدمة إمدادات واسعة النطاق. فأسعار خام برنت قرب 114 دولارا تعكس جزءا فقط من الصورة، بينما تشير الأسواق المادية، وتراجع المخزونات، وضغوط العملات، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، إلى أن الأثر الحقيقي قد يكون أعمق وأطول أمدا.

وتبدو آسيا في قلب العاصفة بحكم اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج، وتواجه دولها خيارات صعبة بين دعم المستهلكين، وحماية المالية العامة، وضمان الإمدادات، واحتواء التضخم. وفي الوقت نفسه، تضيف ظاهرة إل نينيو المحتملة بعدا مناخيا يزيد الضغط على الطاقة والزراعة والغذاء.

أما عالميا، فتضع الأزمة البنوك المركزية أمام معضلة معقدة بين مكافحة التضخم وحماية النمو، وتدفع المستثمرين إلى إعادة النظر في افتراضاتهم بشأن المخاطر الجيوسياسية وأسعار الطاقة. وإذا استمرت الحرب حتى 2027، كما حذر صندوق النقد الدولي، فقد ينتقل العالم من سيناريو تباطؤ محدود إلى مرحلة أكثر اضطرابا، تتسم بتضخم أعلى، ونمو أضعف، وتوترات اجتماعية واقتصادية أوسع.

وعليه، فإن الاستجابة الفعالة للأزمة تتطلب أكثر من إجراءات مؤقتة. فهي تحتاج إلى تنسيق دولي لتأمين الملاحة، وإدارة رشيدة للمخزونات، وحماية الفئات الأكثر تضررا، وتسريع تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد. فكلما طال أمد الأزمة، تراجعت قدرة الأسواق والحكومات على امتصاص الصدمة، وازدادت احتمالات تحول اضطراب الطاقة إلى أزمة اقتصادية عالمية ممتدة.

اضف تعليق