خطورة اللحظة الراهنة لا تكمن في احتمال عودة الحرب فحسب، إنما في طبيعة التحول الذي قد تُحدثه. فالصراع المحتمل لن يكون مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل اختبارا لنماذج جديدة من إدارة القوة، حيث تداخل الأدوات الصلبة غير التقليدية، وتُعاد صياغة مفاهيم الردع والهيمنة. وهذا ما يمنح الأزمة بُعدا...
أولاً- البيئة الدولية الراهنة:
تتسم البيئة الدولية الراهنة بدرجة عالية من المرونة وعدم اليقين، إذ تتقاطع فيها رهانات القوة مع اعتبارات الردع، وتتداخل مسارات الدبلوماسية مع احتمالات التصعيد العسكري. وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز الملف الإيراني بوصفه أحد أكثر بؤر التوتر حساسية، ليس فقط لارتباطه بالبرنامج النووي، إنما لتشابكه مع بنية النظام الإقليمي وتوازناته الهشّة.
وفي ظل تجدد الحديث عن جولات تفاوضية أمريكية-إيرانية في باكستان، يلوح في الأفق سؤال جوهري يتجاوز الظاهر الإجرائي للمباحثات إلى عمقها الاستراتيجي: هل نحن إزاء مسار تسوية حقيقية، أم أمام مسار تكتيكي تُدار فيها الأزمة بوسائل دبلوماسية مؤقتة تمهيدا لتحولات أكثر حدّة وشدّة؟
ثانياً- الفجوة بين مطالب الأطراف المتصارعة:
إن تحليل طبيعة الفجوة بين مطالب الأطراف يكشف عن تعارض بنيوي لا يمكن اختزاله في خلافات تقنية أو تفصيلية. فالرؤية الأمريكية تنطلق من منطق الضبط الشامل، الذي لا يكتفي بكبح الطموح النووي الإيراني، بل يسعى إلى إعادة تشكيل السلوك الاستراتيجي لإيران، من خلال منظومة قيود ممتدة زمنيا ووظيفيا، تشمل قدراتها الصاروخية وشبكة نفوذها الإقليمي. وعلى الضفة الأخرى، تؤسس إيران مقاربتها على مفهوم السيادة الصلبة، إذ تُدرج قدراتها الدفاعية وتحالفاتها ضمن إطار الأمن القومي غير القابل للمساومة أو التنازل، معتبرةً أن أي تنازل جوهري في هذا المجال من شأنه أن يخل بتوازن الردع ويعرضها لتهديدات وجودية.
ثالثاً- التعارض البنيوي في التفاوض:
ان هذا التعارض البنيوي يُفضي إلى نتيجة مفادها، أن التفاوض الجاري لا يتحرك في أفق الحل بقدر ما يدور في فلك إدارة التناقض. إذ أن الفجوة ليست كمية يمكن ردمها بواسطة تسويات مرحلية، بل نوعية تمسّ جوهر التصورات الأمنية للطرفين. ومن ثم، فإن أي تقدم تفاوضي يظل هشا وقابلا للانتكاس، ما لم يُعاد تعريف الإطار المرجعي للصراع ذاته.
وفي هذا السياق، تكتسب فرضية التفاوض كأداة لكسب الوقت قدرا معتبرا من الوجاهة التحليلية، إذ تشير خبرة العلاقات الدولية إلى أن العمليات التفاوضية في حالات الاستقطاب الحاد غالبا ما تؤدي وظيفة مزدوجة، فهي من جهة تُخفّف مستوى التوتر الظاهر، ومن جهة أخرى تتيح للأطراف إعادة ترتيب مواردها وتعزيز جاهزيتها.
وبذلك، تتحول الدبلوماسية إلى غطاء مرن يسمح بإدارة الانتقال من حالة إلى أخرى دون كلفة سياسية فورية.
وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة الحراك التفاوضي الراهن بوصفه جزءا من دينامية أوسع لإعادة التمركز الاستراتيجي لكلا الطرفين المتصارعين. فالولايات المتحدة ومن خلفها الكيان الإسرائيلي يسعيان جاهدين إلى ترميم منظومات ردعهما، وتعزيز انتشارهما العسكري، وإحكام شبكات تحالفهما الإقليمي والدولي.
في حين تعمل إيران على تعميق قدراتها الدفاعية، وتوسيع نطاق تأثيرها، وتحصين جبهتها الداخلية في مواجهة الضغوط والأزمات. إن هذا التوازي في السلوك يعكس إدراكا ضمنيا لدى الأطراف بأن احتمالات التسوية الشاملة محدودة، وأن الاحتفاظ بخيار التصعيد يظل عنصرا حاسما في معادلة التفاوض.
رابعاً- سيناريو احتمال فشل التفاوض والعودة الى استخدام القوة العسكرية:
وضمن هذا الإطار، يبرز سيناريو الضربة الاستباقية مجددا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحليفها الكيان الإسرائيلي كأحد الاحتمالات التي تتداولها مراكز القرار، ليس بوصفه خيارا حتميا -بالنسبة للولايات المتحدة-، إنما كأداة ضغط قصوى تُستخدم عند انسداد الأفق الدبلوماسي.
ويقوم هذا السيناريو على توجيه ضربات دقيقة ومكثفة تستهدف البنية التحتية الحيوية ومصادر الطاقة، بهدف إحداث اختلال سريع في القدرات الإستراتيجية لإيران تشل قدراتها، بما يحقق ما أعلن عنه من أهداف (تغيير النظام، تدمير برنامجها النووي وقدارتها الصاروخية). غير أن هذا التصور، رغم ما ينطوي عليه من إغراء تكتيكي، يصطدم بتعقيدات البيئة الإقليمية، حيث لا يمكن ضمان احتواء تداعياته ضمن نطاق جغرافي أو زمني محدود، ذلك أن طبيعة التفاعلات في المنطقة تُرجّح أن أي عمل عسكري نوعي واسع النطاق سيفضي إلى سلسلة من ردود الفعل المتشابكة، قد تتخذ أشكالا غير تقليدية، وتمتد من خلال فضاءات متعددة، من المواجهات إلى الحرب الشاملة، عبر استقطاب أطرافا لم تزل في منأى عن الصراع بشكل مباشر.
وعليه، فإن كلفة التصعيد لا تُقاس فقط بنتائجه المباشرة، بل بتأثيراته التراكمية على استقرار النظام الإقليمي، وربما -الأرجح- على بنية النظام الدولي ذاته.
ومن زاوية أعمق، يمكن القول إن خطورة اللحظة الراهنة لا تكمن في احتمال عودة الحرب فحسب، إنما في طبيعة التحول الذي قد تُحدثه. فالصراع المحتمل لن يكون مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل اختبارا لنماذج جديدة من إدارة القوة، حيث تداخل الأدوات الصلبة غير التقليدية، وتُعاد صياغة مفاهيم الردع والهيمنة. وهذا ما يمنح الأزمة بُعدا بنيويا يتجاوز حدودها المباشرة.
في المحصلة، تبدو المفاوضات الجارية أقرب إلى إدارة مُقنعة للصراع منها إلى مسار حقيقي لتسويته. فالفجوة بين المطالب لا تزال عميقة، والثقة المتبادلة شبه معدومة، والبدائل الصلبة حاضرة في حسابات جميع الأطراف. وفي ظل هذا المشهد، يظل الاحتمال الأكثر إثارة للقلق هو أن تتحول لحظة التفاوض ذاتها -بما تنطوي عليه من هدوء ظاهري- إلى مقدمة لتحول مفاجئ نحو تصعيد أعمق مما درجت عليه، بما يعيد رسم خرائط القوة، ولكن بكلفة إستراتيجية قد يصعب احتواؤها أو التنبؤ بحدودها.



اضف تعليق