أشار تقرير جديد صادر عن البنك الدولي بعنوان "الثروة المتغيرة للأمم" إلى تحقق معدلات نمو في إجمالي الثروة العالمية، غير أن هذا النمو جاء على حساب رخاء المستقبل، وبتفاقم أوجه عدم المساواة.

فالبلدان التي تستنفد مواردها لصالح مكاسب قصيرة الأجل تضع اقتصاداتها على مسار غير مستدام للتنمية. وعلى الرغم من أن العادة قد جرت على استخدام مؤشرات مثل إجمالي الناتج المحلي لقياس النمو الاقتصادي، يشير هذا التقرير إلى أهمية التدبر في رأس المال الطبيعي والبشري والمُنتَج لفهم ما إذا كان النمو مستداما.

ويغطي هذا التقرير ثروة 146 بلدا في فترة السنوات 1995 ــ 2018، من خلال قياس القيمة الاقتصادية لرأس المال الطبيعي المتجدد (مثل الغابات والأراضي الزراعية وموارد المحيطات)، ورأس المال الطبيعي غير المتجدد (مثل المعادن والوقود الأحفوري)، ورأس المال البشري (قيمة الدخل على مدى حياة الشخص)، ورأس المال المُنتَج (مثل المباني والبنية التحتية)، وصافي الأصول الأجنبية. ويشير التقرير لأول مرة إلى حساب رأس المال الطبيعي الأزرق، على سبيل المثال أشجار المنغروف ومصائد الأسماك في المحيطات.

وفي هذا السياق تقول ماري بانغيستو، المديرة المنتدبة لشؤون سياسات التنمية والشراكات بالبنك الدولي "من الضروري أن نستوعب على نحو عميق وأكثر دقة مفهوم استدامة الثروة حتى يتسنى لنا تحقيق مستقبل أخضر وقادر على الصمود في مواجهة الصدمات وشامل للجميع. "ومن الضروري إيلاء أهمية لرأس المال الطبيعي المتجدد ورأس المال البشري على غرار ما نوليه للمصادر التقليدية للنمو الاقتصادي، حتى يتخذ واضعو السياسات خطوات لتحقيق الرخاء على المدى الطويل".

ووفقا لهذا التقرير، نمت الثروة العالمية نموا كبيرا في فترة السنوات 1995 ــ 2018، فضلا عن لحاق البلدان المتوسطة الدخل بركب البلدان المرتفعة الدخل. لكن ترافق مع هذا الرخاء المتنامي إدارة غير مستدامة لبعض الأصول الطبيعية. وانخفض نصيب الفرد من ثروة الغابات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنسبة 8% في فترة السنوات 1995 ــ 2018 بسبب إزالة الغابات. وفي الوقت نفسه تراجعت الثروة السمكية بنسبة 83% بسبب سوء الإدارة والصيد الجائر. وقد تؤدي الآثار المتوقعة لتغير المناخ إلى تفاقم هذه الأوضاع.

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي تسعير الأصول على نحو لا يعكس القيمة الحقيقية لها، على سبيل المثال، الوقود الأحفوري المسبب لانبعاثات الكربون، إلى التقييم بأعلى من القيمة الحقيقية والإفراط في الاستهلاك. ويمكن وضع التنمية على مسار أكثر استدامة من خلال النظر إلى الثروة نظرة شاملة ووضع تدابير على مستوى السياسات تشمل تسعير الكربون لتحسين قيمة الأصول وتعزيزها، على سبيل المثال، الغابات وأشجار المنغروف ورأس المال البشري.

ويشير التقرير إلى أن التفاوت في الثروة العالمية آخذ في الازدياد. وفي فترة السنوات 1995 ــ 2018، لم تتغير حصة البلدان المنخفضة الدخل في الثروة العالمية كثيرا، حيث ظلت عند أقل من 1% على الرغم من أنها موطن لنحو 8% من سكان العالم. وشهد أكثر من ثلث البلدان المنخفضة الدخل انخفاضا في نصيب الفرد من الثروة. ونلاحظ أن البلدان التي تتراجع قيمة ثرواتها تشهد تراجعا أيضا في أصولها الطبيعية المتجددة. وتظل الإدارة السليمة لرأس المال الطبيعي غاية في الأهمية بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل، سيما وأن نسبته تبلغ 23% من ثروتها.

وعلى المستوى العالمي، فإن هذه الحصة من إجمالي ثروة رأس المال الطبيعي المتجدد (الغابات، والأراضي الزراعية، وموارد المحيطات) آخذة في التناقص، كما أن تغير المناخ يمثل تهديدا متزايدا لها. وفي الوقت نفسه، أصبح رأس المال الطبيعي المتجدد أكثر قيمة لأنه يتيح خدمات النظم الإيكولوجية بالغة الأهمية. على سبيل المثال، زادت قيمة أشجار المنغروف أكثر من 250% لتصل إلى أكثر من 547 مليار دولار في 2018. كما زادت قيمة المناطق المحمية لكل متر مربع بوتيرة سريعة.

وفي سياق متصل تقول كارين كمبر المديرة العالمية لقطاع الممارسات العالمية بالبنك الدولي المعني بالبيئة والموارد الطبيعية والاقتصاد الأزرق " يتيح تقرير الثروة المتغيرة للأمم بيانات وتحليلات لمساعدة البلدان على تصحيح الأسعار والسياسات لتحقيق التنمية المستدامة. "ونظرا لتجاهل الآثار الناجمة عن التلوث والاحترار العالمي بسبب تغير المناخ، جرت العادة أن يتم تقييم أصول الوقود الأحفوري بأعلى من قيمتها، وفي الوقت نفسه جرت العادة أن يتم تقييم الأصول التي تساهم في التخفيف من آثار تغير المناخ مثل الغابات بأقل من قيمتها الحقيقية".

ويبين هذا التقرير أن رأس المال البشري، الذي يقاس بالدخل المتوقع للسكان مدى الحياة، هو أكبر مصدر للثروة في جميع أنحاء العالم، وقد بلغ 64% من إجمالي الثروة العالمية في عام 2018. وزادت البلدان المتوسطة الدخل استثماراتها في رأس المال البشري، وحققت زيادة كبيرة في حصتها من ثروة رأس المال البشري العالمية.

وعلى الرغم من أن الآثار طويلة الأجل لجائحة كورونا لم تظهر بعد، من المتوقع أن تشهد البلدان المنخفضة الدخل أشد الآثار قسوة، ومن المتوقع أن تفقد 14% من إجمالي رأس مالها البشري. ويعاني رأس المال البشري إجمالا من قيود بسبب الفجوات بين الجنسين في جميع المناطق وعلى مستوى مجموعات الدخل، وقد شهد تحسنا طفيفا منذ عام 1995. ولتلوث الهواء عواقب وخيمة على رأس المال البشري وتغير المناخ، حيث تسبب في أكثر من 6 ملايين حالة وفاة مبكرة.

وتراجعت ثروة رأس المال الطبيعي غير المتجددة (المعادن والوقود الأحفوري) منذ عام 2014، ويرجع ذلك أساسا إلى انخفاض أسعار السلع الأساسية. ويتناول التقرير الآثار المتوقعة للتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، وضرائب تعديل حدود الكربون على ثروة الوقود الأحفوري، ويقدم توصيات لإدارة المخاطر الاقتصادية التي تواجهها البلدان التي تعتمد على الموارد. ووُجد أن البلدان التي تعتمد اعتمادا كبيرا على ثروة الوقود الأحفوري لديها حصص أقل من الثروة في رأس المال البشري، على الرغم من مستويات دخلها المرتفعة، حيث لا يشكل رأس المال البشري لديها سوى 34% من ثروتها.

ويحدد هذا التقرير العديد من الأولويات لواضعي السياسات لتنويع محافظ الثروة الوطنية وإعادة توازنها كي تكون أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الصدمات وأكثر استدامة. ويوصي باستثمارات نشطة في سلع النفع العام، على سبيل المثال، التعليم والصحة والطبيعة لمنع نفادها على نحو غير مستدام وإدارة المخاطر المستقبلية. وتشمل التوصيات أيضا تدابير على مستوى السياسات والتسعير تساعد على تحديد القيمة الاجتماعية للأصول وتوجيه الاستثمار الخاص نحو تحقيق نواتج أفضل للجميع. وقد يشمل ذلك، على سبيل المثال، اتخاذ إجراءات مثل إعادة توجيه مسار الدعم المقدم لمصائد الأسماك، واتخاذ إجراءات لتسعير الكربون وتعزيز أصول الطاقة المتجددة.

الاتجاهات الإقليمية

في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، زاد نصيب الفرد من الثروة على مدى العقدين الماضيين، ولكن بمعدل أقل من المناطق الأخرى. وشهد 11 بلدا في المنطقة ركودا أو حتى انخفاضا في نصيب الفرد من الثروة بين عامي 1995 و2018 حيث تجاوز النمو السكاني معدل النمو الصافي في قيمة الأصول. وزاد رأس المال البشري في المنطقة بوتيرة أسرع من أي أصول أخرى. غير أن هذا النمو لم يكن متكافئا، ولم تتجاوز حصة المرأة في إجمالي رأس المال البشري الثلث. وانخفضت ثروة رأس المال الطبيعي، كما أن العديد من بلدان المنطقة تعتمد اعتمادا كبيرا على عائدات الموارد الطبيعية غير المتجددة، لا سيما من الوقود الأحفوري.

وفي 2018، بلغ نصيب منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ أكبر حصة من الثروة في العالم، بزيادة بلغت 188% منذ عام 1995. ويمثل رأس المال البشري أكثر من نصف ثروة المنطقة، ولا يتجاوز نصيب المرأة فيه الثلث. وتبلغ نسبة رأس المال الطبيعي 4% من ثروة المنطقة، مع تراجع رأس المال الطبيعي المتجدد، لا سيما مصائد الأسماك البحرية. ومن المتوقع أن تتأثر ثروة الأراضي الزراعية تأثرا شديدا بتغير المناخ في بلدان المنطقة.

وفي منطقة جنوب آسيا، نما مجموع الثروة منذ 1995، ولكن نظرا للنمو السكاني في الفترة الزمنية نفسها، لا يزال نصيب الفرد من الثروة من بين أدنى المعدلات في العالم. ويمثل رأس المال البشري أكثر من نصف ثروة المنطقة، ولكنه غير متوازن للغاية، إذ يبلغ نصيب الرجال فيه 80%، مع تغير طفيف في العقدين الماضيين. وإذا تحققت المساواة بين الجنسين في المنطقة، من الممكن زيادة رأس المال البشري على الصعيد الوطني بنحو 42 نقطة مئوية. ومنطقة جنوب آسيا هي الأكثر تضررا من الخسارة المقدرة في رأس المال البشري بسبب تلوث الهواء. ورأس المال الطبيعي المتجدد، لا سيما الأراضي الزراعية، غاية في الأهمية بالنسبة للمنطقة، كما نمت قيمة رأس ماله الطبيعي الأزرق على مدى العقدين الماضيين.

وزادت الثروة في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، بما في ذلك أوروبا الغربية ــ لأغراض هذا التقرير ــ، بنسبة 45% منذ عام 1995. ونما نصيب الفرد من الثروة بوتيرة بطيئة مقارنة بالعديد من المناطق الأخرى. ويمثل رأس المال البشري أكثر من نصف ثروة المنطقة، مع تحقيق معدلات ثابتة مقارنة بالأصول الأخرى. وأصبحت موارد الغابات غير الخشبية أهم أصول رأس المال الطبيعي المتجدد في المنطقة، نظرا لقيمة خدمات النظم الإيكولوجية التي تقدمها، وفي الوقت نفسه انخفضت قيمة أصول مصائد الأسماك البحرية انخفاضا كبيرا.

وعلى الرغم من أن مجموع الثروة قد تضاعف تقريبا في منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي على مدى العقدين الماضيين، فإن هناك تفاوتات كبيرة في نصيب الفرد من الثروة. فقد زادت ثروات بعض البلدان بأكثر من الضعف منذ عام 1995، بينما انخفض إجمالي نصيب الفرد من الثروة في العديد من بلدان المنطقة. ومع الوقت، بدأت ثروة رأس المال الطبيعي غير المتجددة في التراجع، بسبب تقلبات الأسعار، ولكن الثروة المتجددة آخذة في الازدياد. وزادت الثروة في المناطق المحمية بأكثر من الضعف، على الرغم من تراجع مساحة الأراضي الفعلية للغابات. وتعتبر مشاركة المرأة في قوة العمل أعلى من أي منطقة أخرى، غير أن منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي لم تصل بعد إلى تحقيق المساواة بين الجنسين في رأس مالها البشري.

وزادت الثروة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العقدين الماضيين، ولكن بدرجة أقل من إجمالي الناتج المحلي للمنطقة خلال الفترة نفسها. ويشكل رأس المال البشري أقل نسبة من مجموع الثروة في هذه المنطقة، مقارنة بالمناطق الأخرى، مع وجود اختلال كبير في التوازن بين الجنسين. ويشكل رأس المال الطبيعي غير المتجدد جزءا كبيرا من ثروة المنطقة، لكنه خلق مشكلات للبلدان التي تعتمد على الموارد وتواجه تقلبات الأسعار. وتواجه بلدان المنطقة التي تعتمد على عائدات الوقود الأحفوري تحديات إنمائية فريدة في مواجهة الجهود العالمية الرامية إلى التحول إلى التنمية منخفضة الكربون. وعلى الرغم من أن الأراضي الزراعية لا تزال الأصل الطبيعي المتجدد الرئيسي في المنطقة، فقد تراجع نصيب الفرد من ثروة الأراضي الزراعية على مدى العقدين الماضيين. ويتعين أن تحافظ المنطقة على أصولها الطبيعية المتجددة واستعادتها إلى ما كانت عليه دعما لزيادة تنويع مصادر الثروة.

نقاط رئيسية

تتيح المحاسبة عن الثروة أساليب جديدة لتتبع الاستدامة، كما تجعل واضعي السياسات ينظرون إلى ما وراء إجمالي الناتج المحلي. ولم تكن الثروة العالمية أكبر من أي وقت مضى، وشهدت البلدان المتوسطة الدخل مكاسب قوية بشكل خاص في العقدين الماضيين. كما لم تواجه الثروة العالمية المزيد من المخاطر.

ينمو رأس المال الطبيعي المتجدد من حيث القيمة، ولكن حصته في مجموع الثروة آخذة في التناقص. فالعديد من الأصول، مثل مصائد الأسماك في المحيطات، تتعرض للتدهور والنفاد. وأدى انخفاض أسعار السلع الأساسية إلى كشف المخاطر التي تكتنف ثروة رأس المال الطبيعي غير المتجددة وتقلباتها. وحتى يتسنى التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، على البلدان الغنية بالوقود الأحفوري اتخاذ إجراءات جريئة لتنويع الاستثمارات في أنواع أخرى من الثروة تعزز النمو المستدام.

لا يزال رأس المال البشري هو الحصة الأكبر من الثروة العالمية، ولكنه مقيد بسبب الفجوات المستمرة بين الجنسين، فضلا عن الشواغل الصحية، على سبيل المثال، جائحة كورونا، وتلوث الهواء.

ويواجه العالم تحديات هائلة ومتداخلة: جائحة كورونا، وتغير المناخ، وفقدان الطبيعة. وهذه الأزمات تفرض إعادة التفكير في كيفية تعاملنا مع التنمية وفهمها. وفي إطار ما يراه واضعو السياسات والمستثمرون والعاملون في مجال التنمية في مختلف أنحاء العالم بشأن كيفية وضع التنمية على مسار أكثر خضرة (أكثر مراعاة للبيئة)، وأكثر قدرة على الصمود في مواجهة الصدمات، وأكثر شمولا بغية المضي قدما، يظل إجمالي الناتج المحلي إحدى الأدوات الرئيسية المستخدمة لتقييم الوضع الاقتصادي. غير أن إجمالي الناتج المحلي وحده لا يعطي الصورة الكاملة.

وكما تقيس الشركة قيمتها من خلال الإيرادات والمركز المالي، يتعين على البلدان أن تكمل إجمالي الناتج المحلي بالنظر إلى محفظة أصولها حتى يتسنى لها فهم استدامة النمو الاقتصادي الوطني على نحو أفضل. وإجمالي الناتج المحلي وحده غير كاف لحماية الرخاء. والواقع أن السياسات التي تركز على نمو إجمالي الناتج المحلي كثيرا ما تعظم من قيمة الإيرادات قصيرة الأجل على حساب الإيرادات والرفاهية في المستقبل، على سبيل المثال، بسبب طبيعة الأرباح قصيرة الأجل التي تتسم بالتراجع.

ويعتبر تقرير "الثروة المتغيرة للأمم 2021" أحدث إصدار في سلسلة تقدم مفهوم الثروة كمؤشر تكميلي لإجمالي الناتج المحلي. ويغطي هذا التقرير ثروة 146 بلدا في فترة السنوات 1995 ــ 2018، من خلال قياس القيمة الاقتصادية لرأس المال الطبيعي المتجدد (مثل الغابات والأراضي الزراعية وموارد المحيطات)، ورأس المال الطبيعي غير المتجدد (مثل المعادن والوقود الأحفوري)، ورأس المال البشري (قيمة الدخل على مدى حياة الشخص)، ورأس المال المُنتَج (مثل المباني والبنية التحتية)، وصافي الأصول الأجنبية. وبالنظر إلى كل هذه الأصول التي تشكل قوام الدخل القومي، تتيح المحاسبة عن الثروة وسيلة لتتبع استدامة التقدم الاقتصادي في المستقبل.

وحقق هذا التقرير تقدما في كيفية قياس الثروة الوطنية منذ الإصدار السابق في عام 2018. ويشمل ذلك إضافة مقاييس رأس المال الطبيعي الأزرق، مثل مصائد الأسماك البحرية وأشجار المنغروف، فضلا عن زيادة عدد البلدان المشمولة، وبالتالي تكون حسابات الثروة المتاحة أكثر شمولا. ولأول مرة، يتناول هذا التقرير بالفحص الأثر المتوقع للمخاطر المستقبلية مثل تغير المناخ والتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.

الثروة العالمية: النتائج الرئيسية

من الأخبار السارة نمو الثروة العالمية نموا كبيرا في فترة السنوات 1995 ــ 2018، ولحاق البلدان المتوسطة الدخل بركب البلدان المرتفعة الدخل، ويرجع ذلك بصورة رئيسية إلى النمو السريع في آسيا. وشهدت بلدان الشريحة العليا من البلدان المتوسطة الدخل زيادة في إجمالي ثرواتها بأكثر من الضعف على مدى هذه الفترة.

غير أن الاقتراب من حسابات الثروة يجعلنا نرى المشهد حافلا بالشواغل والقلق. ومما يؤسف له، رسوخ عدم المساواة بين البلدان. وفي فترة السنوات 1995 ــ 2018، لم تتغير حصة البلدان المنخفضة الدخل في الثروة العالمية كثيرا، حيث ظلت أقل من 1% على الرغم من أن هذه البلدان تمثل موطنا لنحو 8% من سكان العالم. وبالنظر إلى نصيب الفرد من الثروة، وهو مؤشر جيد للاستدامة، فإن الاتجاهات السائدة تثير القلق أيضا. وفي 26 بلدا، انخفض نصيب الفرد من الثروة بالفعل في فترة السنوات 1995 ــ 2018، ويقع نصف هذه البلدان تقريبا في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء.

وعلى الرغم من نمو الثروة عالميا، قد يكون ذلك على حساب الرخاء في المستقبل في بعض البلدان. وفي الحالات التي تنخفض فيها الثروة في بعض فئات الأصول على الرغم من ارتفاع إجمالي الناتج المحلي، قد يكون النمو غير مستدام. وانخفاض نصيب الفرد من الثروة يقوض مبدأ أساسيا للاستدامة: لن تكون الأجيال القادمة في وضع أسوأ من الأجيال الحالية.

يشكل رأس المال الطبيعي المتجدد، مثل الغابات، والأراضي الزراعية، وموارد المحيطات، حصة كبيرة للغاية من الثروة بالنسبة للبلدان المنخفضة الدخل. ويتيح هذا النوع من رأس المال خدمات بالغة الأهمية من النظم الإيكولوجية تدعم سبل كسب العيش والاقتصادات. وهذا يعني الأهمية القصوى لإدارة هذه الثروة بعناية وألا نستنفد الأصول الطبيعية لزيادة الدخل على المدى القصير حتى يتسنى تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والحد من الفقر على نحو مستدام.

وعلى الرغم من أن الثروة في رأس المال الطبيعي المتجدد آخذة في الازدياد من حيث القيمة، فإن حصتها من مجموع الثروة آخذة في التناقص، كما أن تغير المناخ يمثل تهديدا متزايدا لها. وانخفض نصيب الفرد من ثروة الغابات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنسبة 8% في فترة السنوات 1995 إــ 2018، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى التدهور في هذه الثروة وتحويل الأراضي لأغراض غير زراعية.

وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الثروة السمكية بنسبة 83% بسبب سوء الإدارة والصيد الجائر. وحققت خدمات الحماية من الفيضانات باستخدام أشجار المنغروف معدلات نمو زادت على 250% من حيث القيمة لتصل إلى أكثر من 547 مليار دولار، كما زادت قيمة المناطق المحمية بوتيرة سريعة. ويمكن للاستثمارات في هذه الأنواع من رأس المال الطبيعي أن تساعد البلدان على زيادة قدرتها على الصمود وبناء الثروة في المستقبل.

وعلى الرغم من أن الطاقة المتجددة لم تقدر قيمتها بعد في هذا الإصدار من التقرير، فإن المياه والرياح والطاقة الشمسية تمثل ثروة كبيرة محتملة للبلدان. ومن شأن تحسين سياسات المناخ والطاقة، على سبيل المثال تسعير انبعاثات الكربون، أن يؤدي إلى تحديد القيمة الكبيرة لأصول الطاقة المتجددة.

رأس المال الطبيعي غير المتجدد

واجهت البلدان التي لديها حصة غير متناسبة من الثروة المتأتية من فرادى الأصول، لا سيما الموارد الموجودة في باطن الأرض مثل النفط والغاز والمعادن، تقلبات في قيمة الثروة وتراجعا فيها، ويرجع ذلك أساسا إلى انخفاض أسعار السلع الأساسية. وجرت العادة أن يتم تقييم الصور الضارة بيئيا لرأس المال، على سبيل المثال الوقود الأحفوري المسبب لانبعاثات الكربون، بأعلى من قيمتها في أغلب الأحوال، الأمر الذي يخلق حوافز سوقية لزيادة الاستثمارات في هذه الأصول. وتكتنف عملية التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون مخاطر اقتصادية على البلدان التي تعتمد اعتمادا كبيرا للغاية على رأس المال غير المتجدد، لا سيما الوقود الأحفوري، ومن ثم تزداد أهمية تنويع الأصول. ويخلص هذا التقرير إلى أن التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون يمكن أن يؤدي إلى تراجع القيمة العالمية لأصول الوقود الأحفوري بمقدار 4.4 ــ 6.2 تريليونات دولار (بنسبة 13-18%) في فترة السنوات 2018 ــ 2050. وبوسع البلدان أن تدير هذه المخاطر بإعادة استثمار الثروة المتأتية من الوقود الأحفوري في أنواع أخرى من الثروة، على سبيل المثال، رأس المال البشري بعيدا عن سلاسل القيمة الخاصة بالوقود الأحفوري.

رأس المال البشري

رأس المال البشري، الذي يقدر بالدخل المتوقع للسكان مدى الحياة، هو أكبر مصدر للثروة في جميع أنحاء العالم، وقد بلغ 64% من إجمالي الثروة العالمية في عام 2018. وزادت البلدان المتوسطة الدخل استثماراتها في رأس المال البشري، وحققت زيادة كبيرة في حصتها من ثروة رأس المال البشري العالمية. ويشكل رأس المال البشري عموما حصة أكبر من الثروة نظرا لما حققته البلدان من مستويات أعلى في معدلات التنمية الاقتصادية، ويُستثنى من ذلك البلدان المرتفعة الدخل التي تعتمد على ثروة الوقود الأحفوري، ولديها أدنى حصة في رأس المال البشري.

كما أن تلوث الهواء في المناطق الخارجية والمناطق المغلقة يقيد إمكانات رأس المال البشري. ولو لم تكن هناك وفيات مبكرة بسبب تلوث الهواء، لكان رأس المال البشري العالمي أعلى بنحو 0.3% في عام 2018.

وعلى الرغم من أن الآثار طويلة الأجل لجائحة كورونا لم تظهر بعد، من المتوقع أن تشهد البلدان المنخفضة الدخل أشد الآثار قسوة، ومن المتوقع أن تفقد 14% من إجمالي رأس مالها البشري مقارنة بمستويات عام 2018. ومن المتوقع أن تشهد منطقتا أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا تراجعا كبيرا في حصتهما في رأس المال البشري.

كيفية الاستفادة من تقرير الثروة المتغيرة للأمم لصالح سياسات التنمية المستدامة

يحدونا الأمل أن يستخدم واضعو السياسات وغيرهم البيانات الواردة في هذا التقرير لتحسين مقاييس التقدم الاقتصادي والمساعدة في دفع السياسات التي تحسن حياة الأجيال القادمة. ويقدم هذا التقرير العديد من التوصيات لواضعي السياسات لتنويع محافظ الثروة الوطنية وإعادة توازنها كي تكون أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الصدمات وأكثر استدامة.

1- قياس الثروة ورصدها على الحكومات ألا تعتمد فقط على إجمالي الناتج المحلي لقياس الثروة ورصدها، ويقدم هذا التقرير بيانات وتحليلات للمساعدة في القيام بذلك. ويمكن لمديري الأصول الآخرين، على سبيل المثال، الأفراد والشركات والمستثمرون، أن يحدثوا التغيير الجوهري المنشود، بالتدبر في المحاسبة عن الثروة، لا سيما من خلال المقاييس التي يستخدمونها للخدمات البيئية والاجتماعية وخدمات الحوكمة.

2- الاستثمار في الثروة المستدامة. من الضروري القيام باستثمارات نشطة في سلع النفع العام، على سبيل المثال، التعليم والصحة والطبيعة لمنع نفادها على نحو غير مستدام وإدارة المخاطر المستقبلية. وينبغي وضع سياسات لتشجيع الاستثمار في الثروة الشاملة.

3- خلق حوافز على مستوى السياسات لحماية قيمة الثروة وزيادتها. ضمان أن أسعار الأصول تدعم الاستدامة على المدى الطويل. ويمكن أن يؤدي تسعير الأصول على نحو لا يعكس القيمة الحقيقية لها، على سبيل المثال، الوقود الأحفوري المسبب لانبعاثات الكربون، إلى التقييم بأعلى من القيمة الحقيقية والإفراط في الاستهلاك، وفي الوقت نفسه يتم تقييم رأس المال الطبيعي والبشري بأقل من قيمته. وقد يشمل ذلك، على سبيل المثال، اتخاذ إجراءات مثل إعادة توجيه مسار الدعم المقدم لمصائد الأسماك الضارة، واتخاذ إجراءات لتسعير الكربون وتعزيز أصول الطاقة المتجددة.

4- تنويع محفظة الأصول وإعادة توازنها. من شأن تنويع مصادر الثروة، لا سيما بعيدا عن سلاسل القيمة الخاصة بالوقود الأحفوري، أن يجعل التنمية الاقتصادية أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الصدمات المستقبلية.

ومن الممكن أن تتكامل التنمية الاقتصادية مع ازدهار الإنسان والمحافظة على الطبيعة، بل يتوجب ذلك إذا ما قُدر للإنسان أن ينعم بالازدهار والرفاهية على هذه الأرض. ويتيح تقرير "الثروة المتغيرة للأمم" أساليب تفكير وبيانات وتحليلات جديدة لمساعدة البلدان على اجتياز هذا التحدي وخلق الحوافز المناسبة على مستوى السياسات لبناء ثروة شاملة. وسيساعد ذلك على إدارة المخاطر المناخية والبيئية وضمان أن ننعم بالرفاهية الحالية، وفي الوقت نفسه إرساء أساس أكثر قوة للأجيال القادمة.

اضف تعليق