خلال السنوات الأخيرة، أدّت عدة دوافع أساسية إلى انحراف العالم عن مسار وضع حد للجوع ولسوء التغذية في العالم بجميع أشكاله بحلول عام 2030. وما فتئت هذه التحديات تتعاظم مع تفشي جائحة كوفيد-19 والتدابير المتخذة لاحتوائها. ويعدّ هذا التقرير أول تقييم عالمي لانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية لعام 2020 ويتضمن بعض الإشارات إلى ما سيكون عليه الجوع بحلول سنة 2030 في ظلّ سيناريو تتفاقم فيه التعقيدات بسبب استمرار تأثيرات جائحة كوفيد-19. كما أنه يتضمن تقديرات إضافية لكلفة الأنماط الغذائية الصحية ومدى القدرة على تحمّل كلفتها وهو ما يقيم رابطًا هامًا بين مؤشرات الأمن الغذائي والتغذية وتحليل اتجاهاتها. ويسلّط التقرير الضوء بالإجمال على الحاجة إلى التعمق أكثر في دراسة كيفية التعامل على نحو أفضل مع وضع الأمن الغذائي والتغذية على الصعيد العالمي.

وفي محاولة لفهم السبب الكامن وراء وصول الجوع وسوء التغذية إلى هذه المستويات الحرجة، يستند هذا التقرير إلى التحليلات التي تضمّنتها الإصدارات الأربعة السابقة والتي تشكل معًا مجموعة واسعة من المعارف المستندة إلى الأدلة حول الدوافع الرئيسية الكامنة وراء التغييرات الأخيرة الحاصلة على صعيد الأمن الغذائي والتغذية. وهذه الدوافع التي تزداد تواترًا وكثافة تتضمن النزاعات وتقلبات المناخ والأحوال المناخية القصوى وحالات التباطؤ والانكماش الاقتصادي - والتي تتفاقم جميعًا بفعل الأسباب الكامنة للفقر والارتفاع الكبير للغاية والمستمر في مستويات عدم المساواة. وعلاوة على ذلك، يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من انعدام الأمن الغذائي وأشكال مختلفة من سوء التغذية لعدم قدرتهم على تحمّل كلفة الأنماط الغذائية الصحية. وقد أمكن من خلال تكوين فهم لمجمل هذه المعارف استنباط تحديثات وتحليلات إضافية لتكوين رؤية شاملة للتأثيرات المتضافرة لهذه الدوافع، بالنسبة إلى بعضها البعض وعلى النظم الغذائية على حد سواء، وتأثيراتها السلبية على الأمن الغذائي والتغذية في مختلف أنحاء العالم.

وفي المقابل، يمكن من خلال الأدلّة تكوين فهم متعمّق لكيفية الانتقال من الحلول المتقوقعة إلى الحلول القائمة على النظم الغذائية المتكاملة. ويقترح التقرير بهذا الصدد مسارات للتحول تتناول على وجه الخصوص التحديات الناشئة عن الدوافع الرئيسية، كما يسلّط الضوء على أنواع السياسات وحافظات الاستثمار المطلوبة لتحويل النظم الغذائية من أجل الأمن الغذائي وتحسين التغذية وتوفير أنماط غذائية صحية ميسورة الكلفة للجميع. ويلاحظ التقرير أنه، رغم الانتكاسات الكبرى التي خلّفتها الجائحة، ثمة الكثير من الدروس التي يمكن استخلاصها من أوجه الضعف وعدم المساواة التي كشفت النقاب عنها. ويمكن لهذه الرؤى المستقبلية والحكمة الجديدة، إذا ما أخذت على محمل الجدّ، أن تعيد العالم إلى المسار الصحيح باتجاه بلوغ هدف القضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية بجميع أشكاله. وتحقيقًا لهذه الغاية، يعطي هذا التقرير العالمي تشخيصًا واضحًا لتنفيذ السياسات اللازمة.

موجز التقرير

قبل تفشي جائحة كوفيد−19 بفترة طويلة، لم نكن نسير بالفعل في المسار الصحيح للقضاء على الجوع وسوء التغذية بجميع أشكاله في العالم بحلول عام 2030. وفي ظلّ تفشي الجائحة، بات تحقيق هذا الهدف الآن أمرًا أصعب بكثير. ويمثّل هذا التقرير التقييم العالمي الأول لانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية في عام 2020، وهو يقدم بعض الدلائل على ما سيكون عليه حال الجوع وسوء التغذية بحلول عام 2030 في ظلّ سيناريو أكثر تعقيدًا بسبب الآثار المستمرة لجائحة كوفيد−19. وتسلّط هذه الاتجاهات الضوء على الحاجة إلى التمعّن في التفكير في كيفية معالجة حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم على نحو أفضل.

وإن أحد الأسئلة الرئيسية المطروحة في تقرير هذا العام هو كيف وصل العالم إلى هذه المرحلة الحرجة؟ وللإجابة على هذا السؤال، يستند التقرير إلى التحليلات الواردة في الإصدارات الأربعة السابقة التي أنتجت مجموعة من المعارف الواسعة والقائمة على الأدلة بشأن الدوافع الرئيسية الكامنة وراء التغيّرات الأخيرة الحاصلة في مجالي الأمن الغذائي والتغذية. ويتم تحديث هذه المعارف بفضل بيانات جديدة يُستفاد منها لإجراء تحليل أوسع لكيفية تفاعل هذه الدوافع مع بعضها البعض، ممّا يسمح بتكوين نظرة شاملة لآثارها المجتمعة على بعضها البعض وعلى النظم الغذائية. وفي المقابل، يساعد ذلك على النظر بعمق في كيفية التخلي عن الحلول المنعزلة لصالح الحلول المتكاملة للنظم الغذائية التي تعالج على وجه التحديد التحديات التي تطرحها الدوافع الرئيسية، ممّا يسلّط الضوء أيضًا على أنواع حافظات السياسات والاستثمارات المطلوبة لتحويل النظم الغذائية من أجل تحقيق الأمن الغذائي وتغذية محسّنة وأنماط غذائية صحيّة ميسورة الكلفة للجميع.

استمر تزايد عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع في العالم في عام 2020 الذي ألقت جائحة كوفيد−19 بظلالها القاتمة عليه. وبعد أن بقي معدل انتشار النقص التغذوي من دون تغيير يذكر بين عامي 2014 و2019، ارتفع المؤشر من 8.4 في المائة إلى حوالي 9.9 في المائة بين عامي 2019 و2020، ممّا يزيد من صعوبة التحدي الذي يطرحه تحقيق مقصد القضاء التام على الجوع بحلول عام 2030. وتتراوح تقديرات عام 2020 بين 9.2 و10.4 في المائة، تبعًا للافتراضات التي وضعت لإبراز أوجه عدم اليقين التي تكتنف التقييم.

ومن حيث عدد السكان، تشير التقديرات إلى أن ما بين 720 و811 مليون شخص في العالم عانوا من الجوع في عام 2020. وبالنظر إلى متوسط العدد المتوقع (768 مليونًا)، يكون حوالي 118 مليون شخص إضافي قد عانوا من الجوع في عام 2020 مقارنة بعام 2019، مع تراوح التقديرات بين 70 و161 مليون شخص.

وتكشف الأرقام عن أوجه عدم مساواة إقليمية مستمرة ومقلقة. فقد عانى حوالي شخص واحد من أصل خمسة أشخاص (21 في المائة من السكان) من الجوع في أفريقيا في عام 2020 − أي أكثر من ضعف النسبة المسجّلة في أي إقليم آخر. ويمثّل ذلك زيادة بنسبة 3 نقاط مئوية في سنة واحدة. ويلي أفريقيا كلًا من أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي (9.1 في المائة) وآسيا (9.0 في المائة) اللتين شهدتا زيادة قدرها 2.0 و1.1 نقطة مئوية على التوالي بين عامي 2019 و2020.

ومن أصل العدد الإجمالي للذين يعانون من النقص التغذوي في عام 2020 (768 مليونًا)، يعيش أكثر من النصف (418 مليونًا) في آسيا وأكثر من الثلث (282 مليونًا) في أفريقيا، فيما تضم أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي حوالي 8 في المائة منه (60 مليونًا). ومقارنة بعام 2019، عانى 46 مليون شخص إضافي في أفريقيا وما يقارب 57 مليون شخص إضافي في آسيا وحوالي 14 مليون شخص إضافي في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي من الجوع في عام 2020.

وقد تزايد معدل انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد في العالم (بالاستناد إلى مقياس المعاناة من انعدام الأمن الغذائي) بوتيرة بطيئة، إذ ارتفع من 22.6 في المائة في عام 2014 إلى 26.6 في المائة في عام 2019. ومن ثمّ في عام 2020 الذي شهد تفشي جائحة كوفيد−19 في جميع أنحاء العالم، ارتفع معدل انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد بالقدر نفسه تقريبًا الذي ارتفع فيه في السنوات الخمس السابقة مجتمعة ليبلغ 30.4 في المائة. ونتيجة لذلك، تعذر على حوالي شخص واحد من بين كل ثلاثة أشخاص في العالم الحصول على غذاءٍ كافٍ في عام 2020 − وهو ما يمثّل زيادة قدرها 320 مليون شخص في غضون سنة واحدة فقط، من 2.05 إلى 2.37 مليار شخص. وعانى زهاء 40 في المائة من هؤلاء الأشخاص − 11.9 في المائة من سكان العالم، أو 928 مليون شخص تقريبًا − من انعدام الأمن الغذائي عند مستويات شديدة. وقد عانى قرابة 148 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الشديد في عام 2020 مقارنة بعام 2019.

وسُجّلت الزيادات الأكبر في انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد بين عامي 2019 و2020 في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي (9 نقاط مئوية) وأفريقيا (5.4 نقاط مئوية) مقابل زيادة قدرها 3.1 نقطة مئوية في آسيا. وحتى في أمريكا الشمالية وأوروبا اللتين تُسجَّل فيهما أدنى معدلات انعدام الأمن الغذائي، زاد معدل انتشار هذا الأخير للمرّة الأولى منذ أن بدأ جمع بيانات مقياس المعاناة من انعدام الأمن الغذائي في عام 2014.

وعلى المستوى العالمي، اتسّعت الفجوة بين الجنسين في معدل انتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد بقدر أكبر خلال العام الذي تفشت فيها جائحة كوفيد−19، حيث كان معدل انتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد في عام 2020 بين النساء أعلى بنسبة 10 في المائة منه بين الرجال قياسًا إلى 6 في المائة في عام 2019.

ويوفّر تتبع كلفة أنماط غذائية صحية وعدد الأشخاص العاجزين عن تحمّلها، مقاييس مفيدة لتكوين فهم أفضل للعلاقة القائمة بين هذه العوامل المحدّدة الهامة للحصول على الأغذية والاتجاهات السائدة في أشكال متعددة من سوء التغذية. ونتيجة لارتفاع كلفة الأنماط الغذائية الصحية المقترن باستمرار ارتفاع مستويات انعدام المساواة في الدخل، تشير التقديرات إلى أنه قد تعذّر على حوالي 3 مليارات شخص تحمّل كلفة نمط غذائي صحي في عام 2019. ولئن كان السواد الأعظم من هؤلاء الأشخاص يعيش في آسيا (1.85 مليارًا) وأفريقيا (1.0 مليار)، فإن النمط الغذائي الصحي بعيد أيضًا عن متناول ملايين الأشخاص في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي (113 مليونًا) وأمريكا الشمالية وأوروبا (17.3 ملايين).

لقد كانت البيانات المتعلّقة بالنتائج التغذوية محدودة في عام 2020 نتيجة لتدابير التباعد الجسدي المتخذة بهدف احتواء الجائحة. وبالتالي، لا تأخذ التقديرات الأخيرة الآثار الناجمة عن جائحة كوفيد−19 في الاعتبار.

فقد عانى 149.2 مليون (22.0 في المائة) طفل في العالم دون الخامسة من العمر من التقزم (مؤشر هدف التنمية المستدامة 2−1−1) في عام 2020. وتراجع معدل انتشار التقزم من 33.1 في المائة في عام 2000 إلى 26.2 في المائة في عام 2012 ومن ثم إلى 22.0 في المائة في عام 2020. وكان حوالي ثلاثة أرباع الأطفال الذين يعانون من التقزم في العالم يعيشون في عام 2020 في إقليمين فقط، وهما: آسيا الوسطى والجنوبية (37 في المائة) وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (37 في المائة).

وفي عام 2020، عانى 45.4 ملايين طفل دون الخامسة من العمر (6.7 في المائة) من الهزال. وكان ربعهم تقريبًا يعيش في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأكثر من نصفهم في آسيا الجنوبية التي تعدّ الإقليم الفرعي الذي يُسجّل فيه أعلى معدل انتشار للهزال − أكثر من 14 في المائة.

وفي السنة نفسها، عانى حوالي 5.7 في المائة (38.9 ملايين) من الأطفال دون الخامسة من العمر من الوزن الزائد. وحدث تغير طفيف على المستوى العالمي خلال عقدين من الزمن − 5.7 في المائة في عام 2020 مقابل 5.4 في المائة في عام 2000، فيما الاتجاهات السائدة الآن في بعض الأقاليم والعديد من السياقات آخذة في الارتفاع.

ويتواصل تزايد معدلات السمنة لدى البالغين، إذ ارتفع معدل انتشارها العالمي من 11.7 في المائة في عام 2012 إلى 13.1 في المائة في عام 2016. وسجّلت جميع الأقاليم الفرعية اتجاهات متزايدة في معدل انتشار السمنة لدى البالغين بين عامي 2012 و2016، كما أنها لا تسير في المسار الصحيح لتحقيق الغاية التي وضعتها جمعية الصحة العالمية والتي تقضي بوقف هذا الارتفاع بحلول عام 2025.

وعانت ولادة من أصل سبع ولادات حيّة، أو 20.5 مليون (14.6 في المائة) طفل في العالم، من الوزن المنخفض عند الولادة في عام 2015. ويواجه المواليد الجدد الذين يعانون من الوزن المنخفض عند الولادة خطرًا أكبر للوفاة في أول 28 يومًا من الحياة؛ ومن المرجح أن يعاني من يبقون على قيد الحياة منهم من التقزم في النمو ومن انخفاض معدّل الذكاء وأن يواجهوا مخاطر متزايدة للمعاناة في مرحلة لاحقة من الحياة من الوزن الزائد والسمنة والأمراض المزمنة التي يصاب بها البالغون، بما في ذلك داء السكري.

وتتسم ممّارسات الرضاعة الطبيعية المثلى، بما في ذلك الرضاعة الطبيعية الخالصة في الأشهر الستة الأولى من الحياة، بأهمية حاسمة لبقاء الأطفال على قيد الحياة وتعزيز الصحة ونمو العقل والنمو الحركي. وقد تلقى 44 في المائة من الرّضع الذين يقل عمرهم عن 6 أشهر في العالم رضاعة طبيعية خالصة في عام 2019 أي بارتفاع عن نسبة 37 في المائة المسجّلة في عام 2012.

وتم مؤخرًا تحديد فقر الدم لدى النساء في سن الإنجاب كمؤشر من مؤشرات أهداف التنمية المستدامة (المؤشر 2−2−3). وكانت حوالي امرأة واحدة من أصل ثلاث نساء (29.9 في المائة) في سن الإنجاب في العالم لا تزال تعاني من فقر الدم في عام 2019، ولم يتم إحراز أي تقدم في هذا المجال منذ عام 2012. وثمة تباينات كبيرة بين الأقاليم حيث أن معدل الانتشار في أفريقيا أعلى بمقدار ثلاثة أضعاف منه في أمريكا الشمالية وأوروبا.

وتواجه البلدان في مختلف أنحاء العالم تحديات عديدة في معرض سعيها إلى ضمان محافظة نظم الصحة والأغذية والتعليم والحماية الاجتماعية على الخدمات التغذوية الأساسية بموازاة تصديها لجائحة كوفيد−19. واستنادًا إلى دراسة استقصائية لتتبع حالة الأطفال خلال الجائحة، أفاد 90 في المائة من البلدان (122 من أصل 135) عن حدوث تغيير في تغطية الخدمات التغذوية الرئيسية في أغسطس/آب 2020. وبصورة عامة، تراجعت تغطية الخدمات التغذوية الأساسية بنسبة 40 في المائة، وأفاد حوالي نصف البلدان عن حدوث تراجع بنسبة 50 في المائة أو أكثر في تدخل واحد على الأقل من التدخلات التغذوية.

ورغم غياب البيانات بشأن النتائج التغذوية لعام 2020، يمكن للبحوث المستندة إلى السيناريوهات المنمذجة أن توفّر معلومات قيّمة لتوضيح تأثير جائحة كوفيد−19، على الأقل إلى أن تتوافر بيانات تجريبية جديدة تسمح بإجراء تقييم رسمي على المستويين العالمي والإقليمي. وتشير نتائج أحد هذه التحليلات إلى أنه في ظلّ سيناريو معتدل، سيعاني 11.2 مليون طفل إضافي دون الخامسة من العمر في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل من الهزال بين عامي 2020 و2022 كنتيجة للجائحة − 6.9 ملايين في عام 2020 وحده.

وفي ظلّ سيناريو أكثر تشاؤمًا، ترتفع هذه التقديرات إلى 16.3 ملايين طفل إضافي سيعانون من الهزال. أما بالنسبة إلى التقزم، فيتوقّع النموذج أن يعاني 3.4 ملايين طفل إضافي منه بسبب الآثار الناجمة عن جائحة كوفيد−19 في عام 2022.

القضاء على الجوع وسوء التغذية بجميع أشكاله بحلول عام 2030

بالنظر إلى بقاء أقل من عقد من الزمن على انتهاء الفترة الزمنية المحددة لبلوغ أهداف التنمية المستدامة، يقدّم هذا التقرير تقييمات محدّثة لاحتمال تحقيق المقصدين 2−1 و2−2 من مقاصد أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030.

وتم تقدير توقعات هذا العام لمعدل انتشار النقص التغذوي حتى عام 2030 باتباع نهج هيكلي يستند إلى نموذج ديناميكي عالمي للتوزان العام. وتم وضع سيناريوهين يهدف أحدهما إلى تحديد الآثار الناجمة عن جائحة كوفيد−19، فيما لا يلحظ الآخر وجود هذه الجائحة. ويفترض السيناريوهان معًا عدم تعرض المسارات لاختلالات بفعل أي من الدوافع الرئيسية الكامنة وراء انعدام الأمن الغذائي، وعدم تنفيذ الإجراءات البالغة الأهمية اللازمة لتحويل النظم الغذائية لضمان الأمن الغذائي وتقليل أوجه عدم المساواة في الحصول على الأغذية.

وفي ظلّ سيناريو كوفيد−19، ستنخفض معدلات الجوع في العالم إلى حوالي 710 مليون شخص في عام 2021 (9 في المائة من السكان) بعد الذروة التي من المتوقع أن تبلغ حوالي 768 مليونًا (9.9 في المائة) في عام 2020، وستواصل هذه المعدلات تراجعها بشكل طفيف إلى أقل من 660 مليونًا (7.7 في المائة) في عام 2030. ولكنّ التطور الحاصل بين عامي 2020 و2030 سيكون متباينًا للغاية بين الأقاليم. ففي حين يتوقع حصول انخفاض كبير في آسيا (من 418 مليونًا إلى 300 مليون شخص)، تشير التوقعات إلى حدوث زيادة ملحوظة في أفريقيا (من أكثر من 280 مليونًا إلى 300 مليون شخص)، الأمر الذي يضعها على قدم من المساواة مع آسيا بحلول عام 2030 بوصفها الإقليم الذي يضم أكبر عدد من الذين يعانون من النقص التغذوي.

وفي ظلّ سيناريو كوفيد−19 أيضًا، قد يعاني حوالي 30 مليون شخص إضافي من الجوع في عام 2030 مقارنة بحالة لم تشهد تفشي الجائحة، و هو ما يكشف عن استمرار تأثيرات هذه الأخيرة التي تطال الأمن الغذائي العالمي. ويعدّ تزايد أوجه عدم المساواة في الحصول على الأغذية السبب الرئيسي لهذا التباين الملحوظ.

ولئن كان يجري حاليًا إحراز تقدم على المستوى العالمي في ما يخص بعض أشكال سوء التغذية، فالعالم لا يسير في المسار الصحيح لبلوغ المقاصد الخاصة بأي مؤشر من مؤشرات التغذية بحلول عام 2030. وإن معدلات التقدم الحالية في ما يتعلق بتقزم الأطفال والرضاعة الطبيعية الخالصة والوزن المنخفض عند الولادة غير كافية، فيما لا يسجّل أي تقدم (لا تقدّم) في ما يخص الوزن الزائد لدى الأطفال وهزال الأطفال وفقر الدم لدى النساء في سن الإنجاب والسمنة لدى البالغين أو أنّ الوضع يزداد سوءًا.

وسيكون من الصعب التنبؤ بمسار السنوات القادمة في ظلّ استمرار انكشاف الآثار الاقتصادية وغيرها من الآثار التي تنطوي عليها جائحة كوفيد−19. ولا تزال الأدلة نادرة بشأن الآثار الفعلية للجائحة على مختلف أشكال سوء التغذية، بما في ذلك على معدل انتشار التقزم والهزال والوزن الزائد لدى الأطفال؛ والسمنة لدى البالغين؛ وفقر الدم لدى النساء في سنّ الإنجاب؛ والوزن المنخفض عند الولادة؛ والرضاعة الطبيعية الخالصة. وسوف تتضاعف هذه الآثار من خلال تأثيرات انتقال سوء التغذية من جيل إلى آخر وما يترتب عن ذلك من تداعيات على الإنتاجية، وبالتالي على الانتعاش الاقتصادي. ولكن من الواضح أن جائحة كوفيد−19 قد أثّرت على الأرجح على معدل انتشار أشكال متعددة من سوء التغذية وأنه قد تكون لها آثار طويلة الأجل تمتد إلى ما بعد عام 2020، كما يتبيّن لنا بالفعل في عام 2021. وبالتالي، يتعيّن بذل جهود استثنائية لمعالجة تأثيرات الجائحة والتغلّب عليها في إطار التعجيل بإحراز تقدم في تحقيق المقصد 2−2 من مقاصد أهداف التنمية المستدامة.

الدوافع الرئيسية الكامنة وراء الاتجاهات الأخيرة السائدة في مجالي الأمن الغذائي والتغذية

يتسم منظور للنظم الغذائية بأهمية حاسمة لمعالجة الدوافع الرئيسية الكامنة وراء الاتجاهات الأخيرة السائدة في مجالي الأمن الغذائي والتغذية.

تكمن النزاعات، والتقلّبات المناخية والأحوال المناخية القصوى، وحالات التباطؤ والانكماش الاقتصاديين (التي تفاقمت الآن جراء جائحة كوفيد−19) وراء الارتفاع المسجّل مؤخرًا في مستوى الجوع وتباطؤ وتيرة التقدم في الحدّ من جميع أشكال سوء التغذية. وقد تفاقم تأثيرها السلبي بفعل المستويات المرتفعة والمستمرة في أوجه عدم المساواة. وإضافةً إلى ذلك، يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من انعدام الأمن الغذائي ومن أشكال مختلفة من سوء التغذية بسبب عجزهم عن تحمّل كلفة الأنماط الغذائية الصحية. ولئن كانت هذه الدوافع الرئيسية فريدة، فإنها غير مترابطة فيما بينها إذ أنها تتفاعل على حساب الأمن الغذائي والتغذية عبر إحداث آثار متعددة ومضاعفة على مستويات مختلفة عديدة في نظمنا الغذائية.

فعلى سبيل المثال، تؤثر النزاعات سلبًا على كل جانب تقريبًا من جوانب نظام غذائي ما، بدءًا من الزراعة، والحصاد، مرورًا بالتجهيز والنقل، وصولًا إلى الإمداد بالمدخلات، والتمويل، والتسويق والاستهلاك. ويمكن أن تشمل الآثار المباشرة القضاء على الأصول المتصلة بالزراعة وسبل كسب العيش، ويمكنها أن تحدث اختلالات تطال التجارة وحركات السلع والخدمات وأن تفرض قيودًا مشدّدة عليها، وأن تؤثر سلبًا على توافر الأغذية وأسعارها، بما في ذلك الأغذية المغذية.

كما تحدث التقلّبات والأحوال المناخية القصوى آثارًا متعددة ومضاعفة على النظم الغذائية. وتؤثر سلبًا على الإنتاجية الزراعية، وعلى الواردات الغذائية أيضًا لأن البلدان تحاول التعويض عن الخسائر في الإنتاج المحلي. ويمكن أن تؤدي الكوارث المتصلة بالمناخ إلى آثار كبيرة على امتداد سلسلة القيمة الغذائية، مع نتائج سلبية على نمو القطاع والصناعات الزراعية الغذائية وغير الغذائية.

ومن جهة أخرى، تؤثر حالات التباطؤ والانكماش الاقتصاديين بشكل أساسي على النظم الغذائية من خلال ما تخلّفه من آثار سلبية على إمكانية حصول الأشخاص على الأغذية، بما في ذلك قدرتهم على تحمّل كلفة الأنماط الغذائية الصحية، نظرًا إلى أنها تؤدي إلى ارتفاع البطالة وانخفاض الأجور والمداخيل. وهذا هو الحال بغضّ النظر عمّا إذا كان ذلك يُعزى إلى تقلّبات الأسواق أو حروب تجارية أو اضطرابات سياسية أو جائحة عالمية، مثل كوفيد−19.

ويعتبر عدم القدرة على تحمّل كلفة أنماط غذائية صحية نتيجة آثار دوافع أو عوامل أخرى تطال دخل الأشخاص أو كلفة الأغذية المغذية على امتداد النظام الغذائي. ومن هذا المنطلق، فهي دافع يعمل من داخل النظم الغذائية، ويؤثر سلبًا على الأمن الغذائي والتغذية.

ويمثل الفقر وانعدام المساواة عوامل هيكلية أساسية وحاسمة تضخّم الآثار السلبية للدوافع الرئيسية. وتطال آثارها النظم الغذائية وبيئات الأغذية برمتها، وتؤثر في نهاية المطاف على القدرة على تحمّل كلفة الأنماط الغذائية الصحية وعلى نتائج الأمن الغذائي والتغذية.

وتؤدي هذه الدوافع العالمية الرئيسية والعوامل الهيكلية الكامنة، إضافةً إلى آثارها المباشرة على النظم الغذائية، إلى إضعاف الأمن الغذائي والتغذية من خلال آثار مترابطة ودائرية تترتب على نظم أخرى، بما في ذلك النظم البيئية والصحية.

تأثير الدوافع الرئيسية على الأمن الغذائي والتغذية

في السنوات العشر الأخيرة، ازداد تواتر النزاعات والتقلّبات والأحوال المناخية القصوى وحالات التباطؤ والانكماش الاقتصاديين وحدّتها، وباتت تقوّض الأمن الغذائي والتغذية في مختلف أنحاء العالم. ولعلّ أكثر ما يثير القلق على نحو خاص البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل لأن الآثار السلبية للأمن الغذائي والتغذية أعظم في هذه البلدان، وهي تحمل العبء الأكبر على سكان العالم ممّن يعانون من النقص التغذوي وانعدام الأمن الغذائي ومن شكل واحد أو أكثر من أشكال سوء التغذية.

وقد شهد أكثر من نصف البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل زيادةً في معدل انتشار النقص التغذوي المتصل بدافع واحد أو أكثر (النزاعات والأحوال المناخية القصوى والانكماش الاقتصادي) بين عامي 2010 و2018. وعلاوةً على ذلك، واجه العديد من هذه البلدان زيادات متكررة متصلة بالدوافع المذكورة خلال هذه الفترة.

ويُظهر هذا التحليل أن عكس مسار الاتجاهات في معدل انتشار النقص التغذوي في عام 2014 والزيادة المستمرة، التي برزت بصورة خاصة بدءًا من عام 2017، يُعزيان بشكل كبير إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل المتأثرة بالنزاعات، والأحوال المناخية القصوى والانكماش الاقتصادي، وإلى البلدان التي تعاني من انعدام كبير للمساواة في الدخل. وبالفعل، فإن معدل انتشار النقص التغذوي أعلى وارتفع على نحو أكبر في البلدان المتأثرة بهذه الدوافع.

ومع التركيز على الفترة الأخيرة للزيادة قبل تفشي جائحة كوفيد−19، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2019، فقد شهدت البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل المتأثرة بدافع واحد أو أكثر ارتفاعًا في معدل انتشار النقص التغذوي، في حين شهدت البلدان غير المتأثرة بأي دوافع تراجعًا. وعلى عكس الاتجاهات الأخيرة، يبيّن انتشار تقزّم الأطفال اتجاهًا تنازليًا مستمرًا بين عامي 2017 و2019؛ غير أن تحليلًا أُجري للبلدان المتأثرة بالدوافع لم يكشف عن أي أنماط ملحوظة، وأشار إلى وجود دوافع أقوى كامنة وراء هذا الاتجاه.

وهناك اختلافات كبيرة أيضًا في الاتجاهات بحسب ما إذا كان بلد ما متأثرًا بأكثر من دافع واحد (دوافع متعددة) وتبعًا لفئة دخل البلد والإقليم. وأمّا البلدان المتأثرة بدوافع متعددة، فتسجّل بشكل مستمر الزيادات الأعلى في معدل انتشار النقص التغذوي، أي اثني عشرة مرة أكثر من الزيادات في البلدان المتأثرة بدافع واحد فقط. وفي الأقاليم الثلاثة الخاضعة للتحليل (أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي)، يتأثر حوالي 36 في المائة من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بدوافع متعددة.

وفي الوقت الذي تسجّل فيه البلدان المنخفضة الدخل المتأثرة بالنزاعات والأحوال المناخية القصوى الزيادة الأكبر في معدل انتشار النقص التغذوي، فإن الزيادة الأكبر، بالنسبة إلى البلدان المتوسطة الدخل، تحدث خلال حالات الانكماش الاقتصادي. وتعدّ أفريقيا الإقليم الوحيد الذي شهد بين عامي 2017 و2019 زيادات في معدل انتشار النقص التغذوي مرتبطة بالدوافع الثلاثة جميعها (النزاعات والأحوال المناخية القصوى وحالات الانكماش الاقتصادي). كما أن البلدان المتأثرة بحالات الانكماش الاقتصادي في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي تُظهر الزيادة الأعلى في معدل انتشار النقص التغذوي مقارنةً بالبلدان المتأثرة بالأحوال المناخية القصوى أو النزاعات، حيث تسجّل أكبر الزيادات في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي.

وفي عام 2020، تأثرت جميع البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تقريبًا بحالات الانكماش الاقتصادي. وقد كانت الزيادة في عدد الأشخاص الذين يعانون النقص التغذوي خمس مرات أكبر من الزيادة الأعلى في النقص التغذوي المسجّلة في العقدين الأخيرين، فيما كان الانكماش الاقتصادي أكثر شدّة بمرتين ممّا كان عليه سابقًا في الفترة نفسها. وحين حصل الانكماش الاقتصادي جنبًا إلى جنب مع الدوافع الأخرى (إمّا الكوارث المتصلة بالمناخ أو النزاعات أو مزيج من الاثنين)، سُجّلت الزيادة الأكبر في معدل انتشار النقص التغذوي في أفريقيا، تليها آسيا.

وأظهر إصدار العام الماضي من هذا التقرير أن عدم القدرة على تحمل كلفة الأنماط الغذائية الصحية في عام 2017 ارتبط بشدّة بالنقص التغذوي وبأشكال مختلفة من سوء التغذية، بما في ذلك تقزّم الأطفال والسمنة لدى البالغين. وتأكّدت هذه النتائج مجددًا في عام 2019، حيث أظهر تحليل جديد أن مستويات عالية من عدم القدرة على تحمل الكلفة في عام 2019 ترتبط بشكل وثيق بمستويات أعلى من الشكلين الشديد والمعتدل أو الأشكال الشديدة من انعدام الأمن الغذائي، مُقاسًا بمقياس المعاناة من انعدام الأمن الغذائي.

وتُظهر البلدان المتأثرة بدوافع متعددة النسبة الأعلى من الأشخاص غير القادرين على تحمّل كلفة نمط غذائي صحي (68 في المائة)، وهي أعلى في المتوسط بنسبة 39 في المائة ممّا هي عليه في البلدان المتأثرة بدافع واحد، وبنسبة 66 في المائة ممّا هي عليه في البلدان غير المتأثرة بأي دافع. وتسجّل هذه البلدان أيضًا مستويات أعلى من انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد (47 في المائة)− أي أعلى بنسبة 12 في المائة ممّا هي عليه في البلدان المتأثرة بدافع واحد، وبنسبة 38 في المائة ممّا هي عليه في البلدان غير المتأثرة بأي دافع. وتبدو عدم القدرة على تحمّل كلفة الأنماط الغذائية الصحية أعلى في البلدان التي تشهد نزاعات.

مسارات ستة

ما الذي يجب القيام به لتحويل النظم الغذائية من أجل تحقيق الأمن الغذائي وتحسين التغذية وتوفير أنماط غذائية صحيّة ميسورة الكلفة؟

مسارات ستة للتصدي للدوافع الرئيسية الكامنة وراء الاتجاهات الأخيرة لانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

توجد ستة مسارات ممكنة موصى بها يمكن من خلالها تحويل النظم الغذائية من أجل التصدّي للدوافع الرئيسية الكامنة وراء انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وضمان حصول الجميع على نظم غذائية صحية وميسورة الكلفة، على نحو مستدام وشامل. وهذه المسارات هي: (1) دمج السياسات المتصلة بالمساعدة الإنسانية والتنمية وبناء السلام في المناطق المتأثرة بالنزاعات؛ (2) وتوسيع نطاق القدرة على الصمود في وجه المناخ في النظم الغذائية؛ (3) وتعزيز قدرة الأشخاص الأكثر ضعفًا على الصمود في وجه الصعوبات الاقتصادية؛ (4) والتدخل على امتداد سلاسل الإمدادات الغذائية لخفض كلفة الأغذية المغذية؛ (5) والتصدي للفقر وأوجه عدم المساواة الهيكلي، وضمان أن تكون التدخلات مراعية لمصالح الفقراء وشاملة؛ (6) وتعزيز البيئات الغذائية وتغيير سلوك المستهلك من أجل الترويج لأنماط غذائية ذات آثار إيجابية على صحة الإنسان والبيئة.

ونظرًا إلى تأثّر بلدان عديدة بدوافع متعددة، ستطبّق مسارات عدة بالتزامن مع بعضها البعض، تدعو إلى تحقيق الاتساق بين هذه المسارات لضمان الكفاءة في التنفيذ. ولذلك، فإن الحافظات الشاملة من السياسات والاستثمارات تتسم بأهمية محورية لتمكين إحداث تحول للنظم الغذائية بفضل هذه المسارات.

وفي حالات النزاعات، غالبًا ما تتعرض نظم غذائية بكاملها لاختلالات حادة، ممّا يجعل من الصعب على الأشخاص الحصول على أغذية مغذية. ويمكن أن تنشأ أزمات اقتصادية عميقة حينما ترتبط الأسباب الجذرية لحالات النزاع بالتنافس على الموارد الطبيعية، بما في ذلك الموارد من الأراضي المنتجة والغابات ومصايد الأسماك والمياه. ولذلك، من الأهمية بمكان أن يتم تنفيذ السياسات والاستثمارات والإجراءات الهادفة إلى الحدّ مباشرة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية بشكل متزامن مع تلك الرامية إلى خفض مستويات النزاعات، وأن تكون متوائمة مع الجهود الطويلة الأجل المبذولة في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية وبناء السلام.

كما أن طريقة إنتاجنا للأغذية واستخدامنا لمواردنا الطبيعية يمكن أن تساعد في بناء مستقبل ذي تأثير إيجابي على المناخ يعيش فيه الأشخاص والطبيعة جنبًا إلى جنب في وئام ويزدهروا معًا. وهذا مهم ليس فقط بسبب تأثر النظم الغذائية بالظواهر المناخية، وإنما أيضًا لأن النظم الغذائية بحدّ ذاتها تؤثر على حالة البيئة وتشكّل أحد الدوافع الكامنة وراء تغيّر المناخ. ومن الأمور المحورية في هذه الجهود ما يتمثل في الأولويات الرامية إلى حماية الطبيعة، وإدارة النظم القائمة لإنتاج الأغذية وإمداداتها على نحوٍ مستدام، وإصلاح البيئات الطبيعية وإعادة تأهيلها. وسؤدي جهود الاستدامة هذه إلى تعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المناخية من أجل ضمان الأمن الغذائي وتحسين التغذية.

وينبغي وضع سياسات اقتصادية واجتماعية، وإرساء هياكل للتشريع والحوكمة قبل فترة طويلة من ظهور حالات التباطؤ والانكماش الاقتصاديين من أجل التصدي لتأثيرات الدورات الاقتصادية السلبية عند حدوثها، والحفاظ على إمكانية الحصول على أغذية مغذية، وخاصة بالنسبة إلى الفئات السكانية الأكثر ضعفًا، بما في ذلك النساء والأطفال. وفي المدى المنظور، يجب أن يشمل ذلك آليات الحماية الاجتماعية وخدمات الرعاية الصحية الأوّلية.

ومن الضروري القيام بتدخلات على طول سلاسل الإمدادات الغذائية لزيادة توافر الأغذية الآمنة والمغذية وخفض كلفتها، وبصورة أساسية كوسيلة لزيادة إمكانية تحمّل كلفة الأنماط الغذائية الصحية. ويتطلّب هذا الأمر وضع مجموعة متّسقة من السياسات والاستثمارات والتشريعات من الإنتاج إلى الاستهلاك، ترمي إلى تحقيق مكاسب في الكفاءة وخفض الفاقد والمهدر من الأغذية للمساعدة في تحقيق هذه الأهداف.

ويمثل تمكين الفئات السكانية الفقيرة والضعيفة، وفي أغلب الأحيان أصحاب الحيازات الصغيرة ممّن لديهم إمكانية محدودة للحصول على الموارد أو الذين يعيشون في مواقع نائية، فضلاً عن تمكين النساء والأطفال والشباب الذين قد يتمّ إقصاؤهم لولا ذلك، أداة رئيسية في إحداث التغيير التحوّلي المنشود. وتشمل إجراءات التمكين زيادة إمكانية الحصول على الموارد الإنتاجية، بما في ذلك الحصول على الموارد الطبيعية، والمدخلات الزراعية والتكنولوجيا، والموارد المالية، والمعرفة والتعليم. وثمة إجراءات تمكين أخرى تتصل بتعزيز المهارات التنظيمية، والأهم تعزيز إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا الرقمية والاتصالات.

وقد كانت لتغيّر الأنماط الغذائية آثار إيجابية وسلبية على السواء على صحة الإنسان والبيئة. وبالاستناد إلى السياق القطري المحدد وإلى أنماط الاستهلاك السائدة، ثمة حاجة إلى سياسات وقوانين واستثمارات لتهيئة بيئات غذائية صحيّة بدرجة أكبر، ولتمكين المستهلكين من اتباع أنماط غذائية مغذية وصحية وآمنة وذات تأثير أقل على البيئة.

بناء حافظات متّسقة من السياسات والاستثمارات

يتمثل أحد التحديات الرئيسية التي تقيّد إحداث تحوّل ناجح للنظم الغذائية في أن السياسات والاستراتيجيات والتشريعات والاستثمارات الوطنية والإقليمية والعالمية القائمة مقسّمة ضمن حوارات متمايزة. ويمكن تذليل هذه التحديات من خلال صياغة وتنفيذ حافظات مشتركة بين القطاعات من السياسات والاستثمارات والتشريعات التي تعالج بصورة شاملة ما ينجم عن الدوافع المتعددة التي تؤثر على النظم الغذائية من آثار سلبية تطال الأمن الغذائي والتغذية.

ويجب أن تكون هذه الحافظات محددة الأهداف بشكل جيد وأن توفر حوافز لجميع الجهات الفاعلة بحيث تنخرط على نحو بنّاء في التغييرات المبتكرة والنظمية التي ستفضي إلى تحويل النظم الغذائية. ويوفّر هذا التقرير، بالاستناد إلى أفضل الممّارسات والدروس المستمدة من مجموعة من دراسات الحالة من حول العالم، عدة أمثلة توضيحية عمّا يلزم − بطرق عملية جدًا ومبتكرة − لتحويل النظم الغذائية على كلٍ من المستوى المحلي والقطري والإقليمي والعالمي لكي تصبح أكثر قدرة على الصمود في وجه الدوافع الكامنة وراء ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وتحسين إمكانية الحصول على أنماط غذائية صحية وميسورة الكلفة.

ويتوقف أداء النظم الغذائية على مدى اتساقها وتفاعلها مع نظم أخرى عدة، منها على وجه الخصوص النظم الزراعية والغذائية الأوسع نطاقًا، إضافةً إلى النظم البيئية والصحية ونظم الحماية الاجتماعية. وتضطلع نظم أخرى، مثل نظم التعليم، بدور حاسم في النظام الغذائي، بدءًا من توفير الوجبات المدرسية المغذية، وتوفير المعارف والمهارات الضرورية في إنتاج الأغذية وصولاً إلى تثقيف الأطفال في سنّ المدرسة على التغذية وتوعية المستهلكين بشأن تقليل الآثار السلبية لاستهلاك الأغذية على صحة الإنسان والبيئة.

وتكتسي النظم الصحية وخدماتها أهمية حيوية لضمان أن يكون الأشخاص قادرين على استهلاك الأغذية واستخدام المغذيات الضرورية لصحتهم ورفاههم. ويمكن أن تحدث النظم الغذائية آثارًا إيجابية وسلبية على السواء على صحة الإنسان من خلال مسارات مترابطة متعددة، تتأثر بعوامل ناشئة من داخل النظم الغذائية وخارجها، بما في ذلك العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المحدّدة للصحة.

وقد شكّلت الاستثمارات في نظم الحماية الاجتماعية أدوات فعالة لتعزيز إمكانية حصول الأشخاص على أغذية مغذية، بما في ذلك خلال تفشي جائحة كوفيد−19. والأهم أن الحماية الاجتماعية هي أكثر من استجابة في الأجل القصير لحالات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد. ويمكن للحماية الاجتماعية، عندما تكون محددة الأهداف على نحو جيّد ويمكن التنبؤ بها، أن تدعم الأسر المعيشية في المشاركة في أنشطة اقتصادية جديدة، والاستفادة من الفرص التي تتيحها الديناميكية الاقتصادية المستمرة للنظم الغذائية ممّا يؤدي إلى تحسينات طويلة الأجل في الحصول على أنماط غذائية صحية.

ويتطلّب التنفيذ الفعال والكفؤ لحافظات السياسات والاستثمارات وجود بيئة مؤاتية لآليات الحوكمة والمؤسسات، تسهّل التشاور بين القطاعات وأصحاب المصلحة الرئيسيين. كما أنه من الأهمية بمكان النهوض بتوافر التكنولوجيات والبيانات والحلول المبتكرة لتسريع وتيرة تحوّل النظم الغذائية، مع العمل بموازاة ذلك على ضمان تقليل المقايضات الممكنة إلى حدّها الأدنى نتيجة العملية التحوّلية.

ويستوجب النجاح في تحويل النظم الغذائية بما يوفّر قدرة أكبر على تحمّل كلفة الأنماط الغذائية الصحية للجميع، التي يتمّ إنتاجها على نحو مستدام ومع تحسين القدرة على الصمود في وجه الدوافع الرئيسية المحددة، تسخير الحلول التي تصب في مصلحة الجميع بشكل كامل. وكما هو الحال بالنسبة إلى جميع التغييرات النظمية، سوف يكون هناك رابحون وخاسرون، في حين سيسفر اعتماد تكنولوجيات جديدة، وتحسين الحصول على البيانات والابتكار، والتغييرات اللاحقة في أداء النظم الغذائية، عن آثار إيجابية وسلبية مباشرة على السواء. ويضطلع الاتساق بين النظم، والعوامل المسرّعة المشتركة، بدور رئيسي في تعظيم المنافع وتقليل النتائج السلبية التي ينطوي عليها التحوّل.

الخلاصة

الآن وفي حين لم يعد يفصلنا سوى أقلّ من عقد واحد من الزمن عن بلوغ عام 2030، لا يسير العالم في المسار الصحيح للقضاء على الجوع وسوء التغذية؛ بل إننا نسير في الاتجاه الخاطئ بالنسبة إلى الجوع في العالم. وقد أظهر هذا التقرير أنّ الانكماش الاقتصادي نتيجة التدابير المتخذة بهدف احتواء جائحة كوفيد−19 في مختلف أنحاء العالم قد ساهم في حدوث إحدى أكبر الزيادات في مستوى الجوع في العالم منذ عقود، وهو ما أثر على جميع البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تقريبًا ويمكنه أن يؤدي إلى عكس مسار المكاسب التي تحققت في مجال التغذية. وما جائحة كوفيد−19 إلّا غيض من فيض، إذ أن أكثر ما يبعث على القلق هو أن الجائحة قد أماطت اللثام عن مواطن الضعف التي تشكّلت في نظمنا الغذائية على مدى السنوات الأخيرة نتيجة لدوافع رئيسية، مثل النزاعات والتقلّبات المناخية والأحوال المناخية القصوى وحالات التباطؤ والانكماش الاقتصاديين. وتظهر هذه الدوافع الرئيسية بشكل متزايد في آن واحد في البلدان، مع وجود تفاعلات تقوّض على نحو جسيم الأمن الغذائي والتغذية.

وستطرح قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية لعام 2021 مجموعة من الإجراءات الملموسة التي يمكن للناس من مختلف أنحاء العالم اتخاذها لدعم تحويل النظم الغذائية العالمية. وقد حدّد هذا التقرير ستة مسارات للتحوّل وهي، منفردة أو مجتمعة في أغلب الأحيان، وفقًا للسياق، ضرورية لتحقيق درجة أعلى من الصمود للتصدي على وجه التحديد للتأثيرات السلبية الناجمة عن الدوافع الرئيسية الكامنة وراء الارتفاع المسجّل مؤخرًا في معدلات الجوع وتباطؤ وتيرة التقدم المحرز في مجال الحد من سوء التغذية بجميع أشكاله، بموازاة الحرص على أن تكون الأنماط الغذائية الصحية ميسورة الكلفة للجميع.

ويؤدي تحقيق الاتساق في السياسات والإجراءات لتحويل النظم الغذائية، وفي ما بين النظم، وكذلك العوامل المسرّعة المشتركة دورًا أساسيًا في تعظيم منافع عملية التحوّل وخفض التأثيرات السلبية من خلال المسارات الستة المذكورة. ولذا، يكتسي اتساق السياسات، على اعتبار أنه حالة لا يقوّض فيها تنفيذ السياسات في مجال ما مجالات أخرى (وحيث تعزز السياسات بعضها البعض حيثما أمكن ذلك)، أهمية حاسمة لتكوين حافظات تحوليّة متعددة القطاعات. ومن الضروري اعتماد نُهج نظمية للتوصل إلى حافظات متّسقة من السياسات والاستثمارات والتشريعات تصبح بدورها حلولًا تصب في مصلحة الجميع؛ ويشمل ذلك النُهج الأقاليمية ونُهج النظم الإيكولوجية والنهج الخاصة بالنظم الغذائية للشعوب الأصلية، والتدخلات التي تتناول بصورة منهجية ظروف الأزمات الممتدة.

الرسائل الرئيسية

← لم نكن، حتى قبل تفشي جائحة كوفيد−19 بوقت طويل، نسير في المسار الصحيح للوفاء بالتزاماتنا بالقضاء على الجوع وسوء التغذية بجميع أشكاله في العالم بحلول عام 2030. وفي ظلّ تفشي الجائحة، بات تحقيق هذا الهدف الآن أمرًا أصعب بكثير. ويمثّل هذا التقرير التقييم العالمي الأول لانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية في عام 2020 ويسلّط الضوء على مدى الحاجة إلى التمعّن في التفكير في كيفية معالجة حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم على نحو أفضل.

← لقد تزايد مستوى الجوع في العالم في عام 2020 في ظلّ تفشي جائحة كوفيد−19. وبعد أن بقي معدل انتشار النقص التغذوي من دون تغيير يذكر لمدّة خمس سنوات، ارتفع بنسبة 1.5 نقاط مئوية في غضون سنة واحدة فقط ليبلغ حوالي 9.9 في المائة، ممّا يزيد من صعوبة تحدي تحقيق مقصد القضاء التام على الجوع بحلول عام 2030.

← من المتوقع أن يكون ما بين 720 و811 مليون شخص في العالم قد عانوا من الجوع في عام 2020. وبالنظر إلى متوسط العدد المتوقع (768 مليونًا)، يكون حوالي 118 مليون شخص إضافي قد عانوا من الجوع في عام 2020 مقارنة بعام 2019 − أو ما يعادل 161 مليون شخص إضافي لدى النظر في الحد الأعلى من العدد المتوقع.

← يعيش أكثر من نصف الذين يعانون من النقص التغذوي في العالم في آسيا (418 مليونًا) وأكثر من ثلثهم في أفريقيا (282 مليونًا). ومقارنة بعام 2019، عانى حوالي 46 مليون شخص إضافي في أفريقيا و57 مليون شخص إضافي في آسيا وحوالي 14 مليون شخص إضافي في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي من الجوع في عام 2020.

← تؤكد التوقعات الجديدة أنه لن يتم القضاء على الجوع بحلول عام 2030 ما لم تتخذ إجراءات جريئة لتسريع وتيرة إحراز التقدم، ولا سيما لمعالجة انعدام المساواة في الحصول على الأغذية. وبافتراض تساوي جميع العوامل الأخرى، قد يظل حوالي 660 مليون شخص يعانون من الجوع في عام 2030، ويعزى ذلك جزئيًا إلى آثار جائحة كوفيد−19 الطويلة الأجل على الأمن الغذائي العالمي − أي 30 مليون شخص إضافي مقارنة بسيناريو لم تتفش فيه الجائحة.

← في الوقت الذي ارتفع فيه معدل انتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد في العالم (المقاس باستخدام مقياس المعاناة من انعدام الأمن الغذائي) بشكل بطيء منذ عام 2014، عادلت الزيادة المقدّرة في عام 2020 الزيادة المسجّلة خلال السنوات الخمس السابقة مجتمعة. ولم يتمكّن حوالي شخص واحد من بين كل ثلاثة أشخاص في العالم (2.37 مليارًا) من الحصول على غذاءٍ كافٍ في عام 2020 − ما يمثّل زيادة بنحو 320 مليون شخص في سنة واحدة فقط.

← عانى حوالي 12 في المائة من سكان العالم من انعدام الأمن الغذائي الشديد في عام 2020، ما يمثل 928 مليون شخص − أي ما يزيد عن 148 مليون شخص قياسًا إلى عام 2019.

← على المستوى العالمي، تزايد اتساع الفجوة بين الجنسين في معدل انتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد خلال السنة التي تفشت فيها جائحة كوفيد−19، حيث كان معدل انتشار انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد في عام 2020 بين النساء أعلى بنسبة 10 في المائة منه بين الرجال قياسًا إلى 6 في المائة في عام 2019.

← إن ارتفاع كلفة الأنماط الغذائية الصحية المقترن باستمرار ارتفاع مستويات انعدام المساواة في الدخل قد جعل الأنماط الغذائية الصحية بعيدة المنال بالنسبة إلى حوالي 3 مليارات شخص، لا سيما الفقراء منهم، في كل إقليم من أقاليم العالم في عام 2019. وإن هذا العدد أدنى بقليل من العدد المسجّل في عام 2017 ومن المحتمل أن يشهد ارتفاعًا في معظم الأقاليم في عام 2020 بسبب جائحة كوفيد−19.

← من شأن الانتقال إلى أنماط غذائية صحية تشمل اعتبارات الاستدامة أن يساهم في خفض تكاليف الصحة وتغيّر المناخ بحلول عام 2030 على اعتبار أن التكاليف المستترة لهذه الأنماط الغذائية أدنى من تكاليف أنماط الاستهلاك الحالية.

← لا يزال سوء التغذية بجميع أشكاله يمثّل تحديًا على المستوى العالمي. ومع أنه من غير الممكن بعد الوقوف بشكل تام على آثار جائحة كوفيد−19 بسبب قلّة البيانات، تشير التقديرات في عام 2020 إلى أن 22.0 في المائة (149.2 مليون) من الأطفال دون الخامسة من العمر عانوا من التقزم، فيما عانى 6.7 في المائة (45.4 ملايين) من الهزال و5.7 في المائة (38.9 مليون) من الوزن الزائد. ومن المتوقع أن تكون الأرقام الفعليّة، لا سيما بالنسبة إلى التقزم والهزال، أعلى بسبب آثار الجائحة.

← يعيش معظم الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في أفريقيا وآسيا. ويضم هذان الإقليمان أكثر من تسعة أطفال من أصل عشرة يعانون من التقزم، وأكثر من تسعة من أصل عشرة يعانون من الهزال، وأكثر من سبعة من أصل عشرة يعانون من الوزن الزائد في العالم.

← تشير التقديرات إلى أن 29.9 في المائة من النساء اللواتي تراوحت أعمارهن بين 15 و49 عامًا في عام 2019 في العالم يعانين من فقر الدم − الذي بات الآن يعتبر أحد مؤشرات أهداف التنمية المستدامة (2−2−3). ولكنّ البيانات تكشف عن وجود اختلافات إقليمية صارخة حيث عانى أكثر من 30 في المائة من النساء في أفريقيا وآسيا من فقر الدم مقارنة بنسبة 14.6 في المائة فقط من النساء في أمريكا الشمالية وأوروبا. وأما السمنة لدى البالغين، فهي آخذة في التزايد بشكل كبير في جميع الأقاليم.

← على الصعيد العالمي، لا يسير العالم في المسار الصحيح لتحقيق غايات أي من مؤشرات التغذية بحلول عام 2030. وفي حين أن المعدل الحالي للتقدم المحرز في ما يخص تقزّم الأطفال والرضاعة الطبيعية الخالصة والوزن المنخفض عند الولادة غير كافٍ، فإنه لم يسجّل أي تقدم في ما يخص الوزن الزائد لدى الأطفال وهزال الأطفال وفقر الدم لدى النساء في سن الإنجاب والسمنة لدى البالغين أو أنّ الوضع يزداد سوءًا.

← يرجّح أن تكون جائحة كوفيد−19 قد أثّرت على معدل انتشار أشكال متعددة من سوء التغذية ويمكن أن تكون لها آثار طويلة الأجل تمتد إلى ما بعد عام 2020، كما يتبيّن لنا بالفعل في عام 2021. وسوف تتضاعف هذه الآثار من خلال تأثيرات انتقال سوء التغذية من جيل إلى آخر وما يترتب عن ذلك من تداعيات بالنسبة إلى الإنتاجية. ويتعيّن بذل جهود استثنائية لمعالجة تأثيرات الجائحة والتغلّب عليها في إطار التعجيل بإحراز تقدم في تحقيق المقصد 2−2 من أهداف التنمية المستدامة.

← تشكّل النزاعات والتقلّبات والأحوال المناخية القصوى وحالات التباطؤ والانكماش الاقتصاديين (التي تفاقمت الآن جراء جائحة كوفيد−19) دوافع رئيسية كامنة وراء انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية اللذين يستمران في الارتفاع من حيث الوتيرة والحدّة ويحدثان معًا بشكل أكثر تواترًا.

← إن عكس اتجاهات انتشار النقص التغذوي في عام 2014 وزيادته المستمرة، الذي كان واضحًا بشكل خاص في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل اعتبارًا من عام 2017، يعزى إلى حد كبير إلى البلدان المتأثرة بالنزاعات والأحوال المناخية القصوى وحالات الانكماش الاقتصادي وإلى البلدان التي توجد فيها انعدام مساواة كبير في الدخل.

← بين عامي 2017 و2019، ارتفع النقص التغذوي بنسبة 4 في المائة في البلدان المتأثرة بدافع واحد أو أكثر من الدوافع الرئيسية، في حين أنه تراجع بنسبة 3 في المائة في البلدان غير المتأثرة بتلك الدوافع. وفي حين شهدت البلدان المتوسطة الدخل المتأثرة بهذه الدوافع زيادة بنسبة 2 في المائة فقط في معدل انتشار النقص التغذوي، فقد سجّلت البلدان التي تعاني من انعدام مساواة كبير في الدخل ضعف هذه الزيادة، أي بنسبة 4 في المائة.

← في الفترة نفسها، شهدت البلدان المتأثرة بدوافع عديدة أعلى الزيادات في معدل انتشار النقص التغذوي حيث كانت 12 مرّة أكبر من تلك المسجّلة في البلدان المتأثرة بدافع واحد فقط.

← تؤدي الدوافع الخارجية (مثل النزاعات أو الصدمات المناخية) والداخلية (مثل انخفاض الإنتاجية وعدم كفاءة سلاسل الإمدادات الغذائية) بالنسبة إلى النظم الغذائية إلى رفع كلفة الأغذية المغذية، الأمر الذي يسفر بالاقتران مع تدني المداخيل عن زيادة عدم القدرة على تحمّل كلفة أنماط غذائية صحية. وفي عام 2019، كانت نسبة السكان العاجزين عن تحمّل كلفة نمط غذائي صحي في البلدان المتأثرة بدوافع عديدة 39 و66 في المائة أعلى على التوالي منها في البلدان المتأثرة بدافع واحد أو غير المتأثرة بأي دافع على الإطلاق. وترتبط الزيادات في عدم القدرة على تحمّل كلفة نمط غذائي صحي بارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي، لا سيما في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا.

← في عام 2020، شهدت جميع البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تقريبًا انكماشًا اقتصاديًا ناجمًا عن الجائحة، وكانت الزيادة في عدد الذين يعانون من النقص التغذوي فيها أعلى بمقدار خمسة أضعاف من أعلى زيادة سجّلها معدل النقص التغذوي خلال العقدين الأخيرين. وعندما تأثرت هذه البلدان أيضًا بدوافع أخرى، ولا سيما الكوارث المرتبطة بالمناخ أو النزاعات أو مزيج من الاثنين معًا، سُجّلت الزيادة الأكبر في النقص التغذوي في أفريقيا، تليها آسيا.

← نظرًا إلى أن هذه الدوافع الرئيسية تؤثر بشكل سلبي على الأمن الغذائي والتغذية من تسببها في آثار متعددة مضاعفة على امتداد نظمنا الغذائية − وكذلك من خلال التفاعل بين هذه النظم وسواها من النظم − فإنه من الأهمية بمكان اعتماد منظور للنظم الغذائية لتكوين فهم أفضل لأوجه التفاعل هذه وتحديد منطلقات للتدخلات الرامية إلى معالجتها.

← عند تحويل النظم الغذائية لتكون أكثر قدرة على الصمود في وجه الدوافع الرئيسية، بما في ذلك النزاعات والتقلّبات المناخية والأحوال المناخية القصوى وحالات التباطؤ والانكماش الاقتصاديين، يصبح بإمكانها أن توفّر أنماطًا غذائية صحية ميسورة الكلفة تتسم بالاستدامة والشمول وأن تشكّل قوة دافعة فعالة للقضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية بجميع أشكاله بالنسبة إلى الجميع.

← تبعًا للسياق، هناك ستة مسارات يمكن اتباعها لتحويل النظم الغذائية، وهي: تحقيق التكامل بين السياسات الإنسانية والإنمائية والخاصة ببناء السلام في المناطق المتأثرة بالنزاعات؛ وزيادة القدرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ في النظم الغذائية؛ وتعزيز قدرة الفئات السكانية الأشد ضعفًا على الصمود في وجه الصعوبات الاقتصادية؛ والتدخل على طول سلاسل الإمدادات الغذائية لخفض كلفة الأغذية المغذية؛ والتصدي للفقر وأوجه انعدام المساواة الهيكلية مع الحرص على أن تكون التدخلات شاملة ومراعية لمصالح الفقراء؛ وتعزيز البيئات الغذائية وتغيير سلوك المستهلكين من أجل تعزيز نماذج الأنماط الغذائية التي تؤثر بشكل إيجابي على صحة الإنسان والبيئة.

← بالنظر إلى أنّ معظم النظم الغذائية تتأثر بأكثر من دافع واحد وتؤثر أيضًا على نتائج الأمن الغذائي والتغذية بطرق متعددة، يمكن وضع حافظات شاملة من السياسات والاستثمارات والتشريعات على طول مسارات متعددة في آن واحد. وسيسمح ذلك بتعظيم آثارها المجتمعة على تحويل النظم الغذائية، وتسخير الحلول التي تصب في مصلحة الجميع والتخفيف من حدة المقايضات غير المرغوب فيها.

← من الأهمية بمكان ضمان الاتساق في صياغة السياسات والاستثمارات وتنفيذها على مستوى النظم الغذائية والصحية والبيئية والخاصة بالحماية الاجتماعية للاستفادة من أوجه التآزر للتوصل إلى حلول أكثر كفاءة وفعالية للنظم الغذائية من أجل توفير أنماط غذائية صحية ميسورة الكلفة بشكل مستدام وشامل.

← ينبغي لآليات الحوكمة والمؤسسات الفعالة والشاملة، فضلًا عن إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا والبيانات والابتكارات، أن تشكّل عوامل مسرّعة هامة في الحافظات الشاملة للسياسات والاستثمارات والتشريعات الرامية إلى تحويل النظم الغذائية.

← ثمة حاجة إلى اعتماد نُهج خاصة بالنظم لتكوين حافظات متّسقة من السياسات والاستثمارات والتشريعات وتمكين الحلول التي تصب في مصلحة الجميع بموازاة إدارة المقايضات؛ وتشمل هذه النُهج كلًا من النُهج الأقاليمية ونُهج النظم الإيكولوجية ونُهج النظم الغذائية للشعوب الأصلية والتدخلات التي تعالج بشكل منهجي ظروف الأزمات الممتدة.

← إذا كان عام 2020 قد مثّل تحديًا كبيرًا للعالم، فقد يكون أيضًا تحذيرًا من وقوع أحداث غير مرحب بها في حال لم يلتزم العالم باتخاذ إجراءات أكثر حزمًا لتغيير المسار. ولكل دافع من الدوافع الرئيسية الكامنة وراء الاتجاهات الأخيرة للأمن الغذائي والتغذية مساره الخاص أو تقلباته الدورية، الأمر الذي يضمن استمرار حدوثها وربما حتى تفاقمها في السنوات القادمة.

← ستطرح قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية لعام 2021 مجموعة من الإجراءات الملموسة التي يمكن للناس من جميع أنحاء العالم اتخاذها دعمًا لإحداث تحوّل في النظم الغذائية في العالم. وثمة حاجة إلى مسارات التحوّل الستة المحددة في هذا التقرير من أجل بناء قدرة أكبر على الصمود للعمل على وجه الخصوص على التصدي للآثار السلبية الناجمة عن الدوافع الرئيسية الكامنة وراء الارتفاع الأخير في معدلات الجوع وتباطؤ وتيرة التقدم المحرز في الحد من سوء التغذية بجميع أشكاله.

لقراءة التقرير الكامل:
https://www.fao.org/3/cb4474ar/cb4474ar.pdf

اضف تعليق