الفساد ظاهرة دولية عابرة للقارات والحدود، وتحدث وتُمارس في الدول الغنية والفقيرة، وكذلك الحال تحصل في الدول الديمقراطية، وبالتأكيد تجتاح الدول المستبدة وتستوطن بها، وتصبح جزءا من بنى الدولة فالتقارير الدولية تكشف أن ثلثي دول العالم تعاني من استشراء الفساد، بنسب مختلفة، وبأشكال متعددة.

تقول الإحصائيات أن كلفة الفساد في العالم العربي تبلغ 3 في المئة من الناتج المحلي، وتقدر بـ 90 مليار دولار سنويا هذه الأموال "المسروقة"، التي تذهب لحسابات وجيوب زعماء ورجال أعمال، كان يمكن أن تجسر الفجوة الطبقية المتنامية في هذه البلدان، وتعالج مشكلتي الفقر والبطالة المتفاقمتان وتنذران بكوارث لا حدود لها، هناك دول عربية اتخذت حكوماتها خطوات في محاربة اذ أن القضاء على الفساد أولوية وطنية وهدف مستدام.

لا يحتاج التدقيق بالأرقام للخروج بقناعة واضحة تفيد أن الفساد وسم وعلامة معروفة لدول العالم العربي. ويمكن أن تستنتج أيضا، أن غياب قواعد الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة عن العالم العربي، باستثناءات نادرة جدا، من أسباب تفشي الفساد. ويمكن أن نقول أيضا إن متلازمات الحروب والانقلابات العسكرية وفقدان الاستقرار، وتهميش مشاركة المواطنين، وغياب الحوكمة الرشيدة، وفقدان الهياكل الديمقراطية، وغياب أدوات الرقابة أو ضعفها، بالإضافة إلى ضعف المجتمع المدني، والانتقاص من استقلالية وسائل الإعلام والسلطة القضائية كلها عوامل تغذي وتكرس حالة الفساد.

ربما يكون هناك خروج عن هذه القاعدة العامة في بعض البلدان العربية، فرغم ضعف الهياكل الديمقراطية في دول مثل الإمارات وقطر، على سبيل المثال، فإنها حققت قصص نجاح بالهرب من تذيل قائمة الفساد، وقد يكون مرجع ذلك للإرادة السياسية الحاكمة للسلطة في تقديم الدولة كنموذج مختلف عن السياق العربي العام، في ريادة الأعمال واستقطاب المستثمرين.

دول أخرى حققت إرهاصات في التقدم الطفيف في محاربة الفساد كالأردن وتونس ومصر، وهذا يعود لإجراءات وتدابير وفرض بعض قواعد الحوكمة الرشيدة، رغم أن المشوار والطريق أمامها طويل وصعب.

لا يحتاج اكتشاف الفساد لأدلة كثيرة في العديد من دول العالم العربي، فحالات الثراء السريع والمفاجئ دالة كافية على وجود شبهات فساد، وكل يوم تطرح وتقدم وسائل الإعلام معلومات عن التجاوزات والاعتداءات على المال العام، وتقدم أفلام سنيمائية عن ظواهر الفساد؛ فما زال عالق في ذاكرتي فيلم عادل إمام "مرجان أحمد مرجان"، رجل الأعمال الذي يشتري كل شيء، وقادر على رشوة الجميع وتطويعهم، فهو يشتري الشاعر لينسب ديوان الشعر لنفسه، ويشتري جامعة بأكملها ليتفوق، ويأخذ جائزة الدولة التقديرية بالمسرح وهو لم يقف يوما على خشبة المسرح، ويفوز في بطولة كرة القدم بعد شراء ذمم الحكام والفريق المنافس، وهذا الفيلم الساخر ليس مبالغة، فقد كان إبان عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك أسماء يُشار لها بالبنان اخترقت كل مفاصل الدولة.

مظاهر الأزمة فاقعة في العالم العربي؛ فالفساد السياسي عبر إساءة استخدام السلطة أفضل بيئة ومناخ لتعميق الفساد الاقتصادي والإداري، فالمساحات الفاصلة بين المال العام والسلطة تكاد تختفي، والعلاقات المستترة والعلنية بين الحكم ورجال الأعمال تتوطد على حساب قيم الشفافية والنزاهة وسيادة القانون.

في العالم العربي نستطيع القول بأن الفساد أصبح ثقافة، وهذه الثقافة ليست حصرا بالسلطة الحاكمة، وإنما تمتد للناس الذين لا يرون في الواسطة فسادا، ولا يجدون ضيرا بالضرب بمفهوم تكافؤ الفرص بالتعيينات إذا كانت لأبنائهم أو أقرباء لهم أو من عشيرتهم أو طائفتهم أو حزبهم السياسي، فالمحاصصة تصبح حقا وليس فسادا، والسلطة تكرس هذه الظواهر وتغذيها حتى يغض النظر عن فسادها الكبير.

الامارات وغسل الأموال

قال مسؤول إن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي يركز على القطاع العقاري في إطار عمله لمكافحة غسل الأموال في البلاد، وتشدد الإمارات العربية المتحدة قواعدها التنظيمية المالية لمواجهة التصور السائد بين بعض المستثمرين الأجانب بأنها بؤرة ساخنة للأموال غير المشروعة بسبب ما بها من مناطق تجارة حرة، وقال البنك المركزي الإماراتي إنه سيستخدم منصة جديدة للإبلاغ في إطار مكافحة غسل الأموال ولرصد المعاملات غير المشروعة بشكل أكثر فاعلية.

وأضاف "أعلنت وحدة المعلومات المالية في مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي عن إطلاق برنامج الإبلاغ الجديد (‭‭goAML‬‬)، الذي طوره مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، لتسهيل تلقي البيانات عن المعاملات المشبوهة وفحصها ودراستها"، وقال علي باعلوي، رئيس وحدة المعلومات المالية بالوكالة لدى المصرف المركزي، لرويترز "العقارات هي أحد المجالات التي نركز عليها".

وذكر أن من المتوقع أن تبدأ مجموعة العمل المالي (فاتف)، وهي هيئة عالمية معنية بمراقبة غسل الأموال، في تقييم الجهود الإماراتية في مكافحة تدفقات الأموال غير المشروعة، وأضاف "مرت الإمارات العربية المتحدة بكثير من التحديات، وجرى إصدار الكثير من القوانين لمواكبة أفضل الممارسات العالمية، نتيجة التقييم (الذي تجريه فاتف) تعتمد على المجالات التي سينظرون فيها، لكن البلاد لديها الفرصة لتسليط الضوء على الجهود التي بُذلت".

لبنان والصراع مع الفساد

قال وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، إنه تقرر بعد اجتماع تكتل لبنان القوي، طرح قوانين لتكون بمثابة الذراع القوي لمكافحة الفساد في البلاد، وهي قانون رفع السرية المصرفية، وقانون رفع الحصانة، وقانون استعادة الأموال المنهوبة، ويضم تكتل لبنان القوي، الذي أطلقه وزير الخارجية جبران باسيل، كبديل للتيار الوطني الحر، كلا من أعضاء التيار وأحزابًا وشخصيات حليفة وصديقة، ويمثل الدعامة الأساسية للرئيس ولمسيرة العهد، على أن يتحول في مرحلة لاحقة إلى جبهة سياسية أوسع من التكتل، هدفها الأساسي استكمال العملية الإصلاحية، بناء الدولة، ومحاربة الفساد،

وأضاف، باسيل في تغريدة على حسابه بموقع تويتر: "نحن أمام ورشة تشريعية، والقانون الأول الذي نقترحه هو قانون رفع السرية المصرفية الذي وقعه 10 نواب من التكتل ونتقدم به اليوم"، وأوضح باسيل، أن المعنيين بالقانون هم من رئيس الجمهورية إلى أصغر "أجير" في الدولة، أي من رأس الهرم إلى أسفله مع أزواجهم وأولادهم القاصرين ورفع السرية يتم تلقائيا، بحسب تعبيره.

وأكد وزير الخارجية اللبناني، أنه لا مقاومة للفساد إلا بالتشريع وكسر حالة الاستسلام، وأن الأمر يمثل تحديًا أمام النواب لإقرار القانون، من دون أن يعني الأمر أن كل مقتدر هو فاسد، بحسب وصفه، ويستهدف البرنامج الذي وضعته الحكومة، تخفيض عجز الموازنة بنسبة 1% سنويًا على مدى 5 سنوات، بحسب إرشادات من صندوق النقد الدولي، وتعد لبنان من أكثر دول العالم التي تعاني من ارتفاع الديون مقارنة بحجم الاقتصاد، وبحسب معهد التمويل الدولي، تخطت ديون الحكومة 102.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغت مديونيات الشركات المالية 149.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية الربع الثالث من العام الماضي 2018، وتراجعت معدلات نمو الاقتصاد اللبناني بشكل ملفت منذ عام 2011 إلى 0.9% فقط، مقابل 8% في 2010، لتتحسن الأوضاع قليلا بعد ذلك ويصل إلى 2.5% في 2017، وأعلنت ادارة الإحصاء المركزي اللبنانية، في يناير/ كانون الثاني الماضي، أن معدل التضخم السنوي بلغ 6.07% عن عام 2018.

مصر واختلاس مليار دولار

قال مصدر قضائي ووكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية في مصر إن النائب العام المصري أحال ثلاثة مديرين تنفيذيين من شركة بترول خاصة لمحكمة الجنايات لاتهامهم باختلاس نحو مليار دولار، ويواجه محمد محفوظ الأنصاري النائب السابق لرئيس مجلس الإدارة ومسؤولان آخران بالشركة المحاكمة عن تهم التلاعب في دفاتر الشركة وتحويل حوالي 960 مليون دولار إلى حساباتهم الشخصية في بنوك أجنبية في الفترة بين 2011 و2015.

توصلت النيابة من خلال استجواب راغب إلى أن المتهمين الثلاثة حولوا أكثر من 18 مليون دولار إلى حسابات مصرفية شخصية في الدوحة ودبي، وقال موظف استقبال في موج إنرجي اتصلت به رويترز إنه ليس لديه علم بالقضية.

تونس وقانون الكسب غير المشروع

وافق البرلمان التونسي على قانون يهدف لمكافحة الكسب غير المشروع في خطوة تمنح الحكومة مزيد من الفاعلية في جهودها لمحاربة الفساد المتفشي في البلاد‭‭‭ ‬‬‬ومنذ انتفاضة 2011، يعتبر شركاء تونس الغربيون ذلك البلد نموذجا للديمقراطية بالنسبة للمنطقة بيد أن التقدم الاقتصادي تأخر والفساد لا يزال مشكلة كبرى، وسيجبر القانون الجديد رئيس الدولة والوزراء وكبار الموظفين في القطاع العام وأجهزة الرقابة والصحفيين والهيئات المستقلة والبنوك والقضاة وأجهزة الأمن والجمارك والأحزاب والنقابات على الإفصاح عن ممتلكاتهم.

ووصف رئيس الوزراء يوسف الشاهد القانون بأنه "ثورة لأنه سيسمح للمجموعة الوطنية بالتدقيق في الثروات مجهولة المصدر والتي اكتسبت بطرق غير قانونية"، أما رئيس البرلمان محمد الناصر فقال عقب المصادقة على القانون: "القانون الجديد خطوة أخرى في جهود مكافحة الفساد وضمان الشفافية والحفاظ على المال العام"، وتصل العقوبة لمن ثبت تورطه في كسب غير مشروع بالسجن خمس سنوات فضلا عن غرامات مالية كبرى.

وصادرت الحكومة الممتلكات وجمدت حسابات مصرفية لنحو 20 من رجال الأعمال البارزين الذين تم اعتقالهم للاشتباه في تورطهم في الفساد في حملة حكومية لم يسبق لها مثيل على الكسب غير المشروع، وكان من بين المعتقلين رجل الأعمال البارز شفيق جراية الذي ساعد في تمويل حزب نداء تونس الحاكم في انتخابات 2014 ورفض محاميه الاتهامات ووصفها آنذاك بأنها اتهامات سياسية وينتظر جراية المحاكمة حاليا.

وتقول هيئة مكافحة الفساد المستقلة إن الفساد لا يزال مستشريا على نطاق واسع في كل قطاعات الدولة بما في ذلك الأمن والصفقات العمومية والصحة والجمارك، وأضافت أن الفساد يكلف الدولة خسارة مليارات الدولارات ويهدد بنسف الانتقال الديمقراطي في البلاد.

الكويت وعقبات الفساد

تسعى هيئة مكافحة الفساد في الكويت (نزاهة)‭ ‬التي تأسست في 2016 للارتقاء بتصنيف الكويت في مؤشر مدركات الفساد العالمي وتحسين بيئة الاستثمار لكن التحديات التي تواجهها كثيرة ومتنوعة، واعتبر آخر تقرير لمنظمة الشفافية العالمية، الكويت الأكثر فسادا بين دول مجلس التعاون الخليجي حيث احتلت المركز الخامس والسبعين في ترتيب الدول الأكثر فسادا في العالم متراجعة نحو 20 مركزا عن العام الذي سبقه.

وقال سالم العلي الأمين العام المساعد لقطاع الذمة المالية في هيئة نزاهة إن جزءا من عمل الهيئة وسبب وجودها هو العمل على تحسين مركز الكويت في سلم مدركات الفساد العالمي، أضاف العلي أن الهيئة تعمل على ذلك من خلال عدة برامج منها إلزام الشخصيات القيادية في الدولة بتقديم إقرارات الذمة المالية عن أنفسهم وأولادهم القصر وكذلك برامج التوعية والتثقيف وتشجيع الاشخاص على الإبلاغ عن الفساد مبينا أن الهيئة لديها استراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد، وتأسست هيئة نزاهة بقانون صدر في 2016 ومن ضمن أهدافها إرساء مبدأ الشفافية والنزاهة في المعاملات الاقتصادية والإدارية بما يكفل تحقيق الإدارة الرشيدة لأموال وموارد وممتلكات الدولة والاستخدام الأمثل لها.

كما تهدف أيضا إلى العمل على مكافحة الفساد ودرء مخاطره وآثاره وملاحقة مرتكبيه وحجز واسترداد الأموال والعائدات الناتجة عن ممارسته وحماية أجهزة الدولة من الرشوة والمتاجرة بالنفوذ وسوء استخدام السلطة لتحقيق منافع خاصة ومنع الوساطة والمحسوبية، ولا يوجد تقدير لحجم الفساد في الكويت لكن نواب البرلمان والصحف الكويتية يتحدثون عن قضايا فساد بكافة أنواعه بشكل مستمر.

وقدرت جمعية الشفافية الكويتية وهي جمعية أهلية معنية بمكافحة الفساد تكلفة الفساد 1.18 مليار دينار من قيمة العقود الحكومية التي يبلغ مجملها 4.7 مليار دينار (15.6 مليار دولار)، ويلزم القانون من يشغلون الوظائف القيادية في الدولة بما فيهم رؤساء الوزراء والبرلمان والمجلس الأعلى للقضاء ومن دونهم من المسؤولين بتقديم إقرارات الذمة المالية لهيئة نزاهة خلال ستين يوما من توليهم وظائفهم كما يلزمهم أيضا بتقديم تقرير كل ثلاث سنوات وتقرير نهائي بعد الخروج من الموقع الوظيفي.

وقال سالم العلي في ندوة عقدت في مقر هيئة نزاهة إن عدد الأشخاص الملزمين بتقديم إقرار الذمة المالية يبلغ 10600 شخص مبينا أن أكثر من 98 في المئة من هؤلاء قدموا إقرارات الذمة المالية الخاصة بهم معتبرا أن هذا الأمر مؤشر إيجابي للغاية بالنظر لحداثة عمل الهيئة، وجاء إنشاء أول هيئة رسمية لمكافحة الفساد في الكويت في 2012 بمرسوم أميري في ظل الضغوط الناجمة آنذاك عن موجات الربيع العربي واستجابة للاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الكويت لاسيما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لكن هذا المرسوم أبطلته المحكمة الدستورية العليا عام 2015 لعدم توافر حالية الضرورة لحظة صدوره.

وفي 2016 أصدر مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) قانونا لإنشاء هيئة مكافحة الفساد التي سميت بهيئة نزاهة ونص القانون على أن تؤدي الهيئة مهامها واختصاصاتها "باستقلالية وحيادية تامة"، لكن المنتقدين يقولون إن الهيئة تخضع لوزير العدل وهو ما يفقدها كثيرا من الحيادية التي ينبغي أن تتحلى بها مؤسسة ينبغي أن تضطلع بمجابهة الفساد بكل مستوياته، كما يقول هؤلاء أيضا إنه وحتى الآن لا تتوافر الإرادة السياسية للقضاء على الفساد بكافة مستوياته، وقال صلاح الغزالي رئيس جميعة الشفافية الكويتية إن هناك أولويات سياسية أخرى مقدمة على مكافحة الفساد معتبرا أن الجهود الحكومية لمكافحة الفساد تستحق تقدير بدرجة 50 في المئة فقط.

وقال الغزالي إن ديوان المحاسبة يصدر "تقارير رائعة" عن المخالفات في أجهزة الدولة لكن قليلا من المسؤولين من يقوم بمتابعة هذه التقارير والسعي لإزالة ما بها من مخالفات، وقال الغزالي إن القانون جيد وهو يحتاج إلى دعم الجهات الحكومية داعيا إلى نشر التقارير التي تصدرها هيئة نزاهة أسوة بديوان المحاسبة الذي ينشر تقاريره على موقعه الإلكتروني، وخلال الندوة قال الغزالي إن هناك العديد من القوانين التي قدمتها الجمعية للبرلمان ليقرها لتعزيز الشفافية ودعم مكافحة الفساد إلا أن النواب يقولون إن الحكومة غير متعاونة في هذا الصدد، وقال الغزالي إن الكويت استقطبت أقل من خمسة في المئة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي استقطبتها الامارات بسبب وجود الفساد إلى جانب أسباب أخرى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0