يخلط دائمًا غير المتخصصين في الاقتصاد بين كثير من المتغيرات والعلاقة بينها، دون النظر إلى التفاصيل، ولكن اعتماداً فقط على النتيجة النهائية، ومن هذه العلاقات، الظن العام بأن هبوط عدد الفقراء سيكون نتيجة طبيعية للنمو الاقتصادي، لكن في الواقع لا يحدث ذلك غالباً، بل قد يتسبب النمو أحياناً في زيادة عدد الفقراء، فكيف يحدث ذلك؟

يرى الباحثون والخبراء في التنمية الاقتصادية، أن السبب الذي يجعل هناك خلط بين تزامن حدوث نمو اقتصادي وبين انتشار ظاهرة الفقر، يحدث في الأساس، نتيجة لوجود قصور في تعريف كل من النمو الاقتصادي وظاهرة الفقر، ولذلك، وحتى يمكن التحرر من هذا الخلط، يجب تحديد المعنى الدقيق لهذين المتغيرين.

وهذا يعني ببساطة ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد بين سنة وأخرى والناتج المحلي الذي يرتفع ويسبب النمو الاقتصادي هو صافي ما تنتجه عناصر الإنتاج في الاقتصاد، وهي العمل ورأس المال والموارد الطبيعية، ويضيف: "من تعريف النمو الاقتصادي، يمكن القول أن حصة كل عنصر من عناصر الإنتاج الثلاثة السابقة تحدد نصيبها النسبي من عوائد هذا النمو، فلو زادت حصة العمال في النمو الاقتصادي، لظهرت آثار هذه الحصة في نمو أجورهم السنوية أما لو زاد نصيب رأس المال أو نصيب الموارد الطبيعية من هذا النمو، سيعود هذا النمو بالفائدة على ملاكهما".

مؤشر الفقر 2019 يكشف مفارقات وعدم المساواة

نشرت الأمم المتحدة تقريراً يكشف عن تفاوت شاسع فيما يخص الفقر بين بلدان العالم ومناطقه المتعددة، وحتى بين الشرائح الأكثر فقراً داخل المجتمعات المختلفة في الدولة الواحدة، وأوضح التقرير "مؤشر الفقر متعدد الأبعاد لعام 2019" الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن مؤشر الفقر الجديد يدرس حالة الفقر ليس فقط بحساب المرتبات ودخل الفرد، بل في تجلياتها "متعددة الأبعاد"، مثل فقر الصحة ونوعية العمل، والافتقار للأمان من تهديد العنف.

وأبان التقرير أنه في 101 دولة تمت دراستها من بينها (31 دولة بدخل قومي منخفض و68 بدخل متوسط ودولتان بدخل قومي مرتفع) هناك 1.3 مليار شخص يعانون الفقر متعدد الأبعاد، وأشار التقرير إلى أن المؤشر ذكر أن العمل ضد الفقر ضروري في جميع مناطق البلدان النامية، كاشفاً عن أن منطقتي أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا تحديدًا تحتويان على أكبر نسبة من الفقراء في العالم، حوالي 84.5 %.

ويصف التقرير مستوى عدم المساواة في الفقر نفسه، داخل هاتين المنطقتين، بأنه "هائل"؛ ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كانت نسبة عدم المساواة في دولة جنوب أفريقيا تبلغ 6.3%، بينما تصل في جنوب السودان إلى 91.9%. وفي جزر المالديف الواقعة في منطقة جنوب آسيا تسجل النسبة 0.8%، مقارنة بنسبة 55.9% في أفغانستان.

وكشف التقرير أنه بحسب مؤشر الفقر فإن العديد من البلدان موضوع الدراسة تشهد أيضًا مفارقات ومستويات داخلية واسعة من عدم المساواة، حيث أنه في أوغندا مثلاً، يتراوح معدل انتشار الفقر متعدد الأبعاد من 6 % في عاصمتها كمبالا، إلى 96.3 % في كاراموجا، بشمال شرق البلاد، وأفاد التقرير أن أحد اقسامه شمل تقييم للتقدم المحرز في بلوغ الهدف رقم 1 من خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030، أي القضاء على الفقر بجميع أشكاله، في كل مكان.

وحدد التقرير في المؤشر 10 دول يبلغ عدد سكانها مجتمعة حوالي ملياري نسمة، لتكشف عن المستوى الذي تحقق داخلها للحد من الفقر، إذ أظهرت هذه الدول العشر تقدماً ملحوظاً نحو تحقيق الهدف 1 بوتيرة تقدم أسرع في الهند وكمبوديا وبنغلاديش.

هل هناك مقياس أكثر واقعية؟

من الصعب الاعتماد على النمو الاقتصادي بوصفه رقماً لتحديد الفوائد الاقتصادية التي يحصل عليها المجتمع، فقد يكون النمو كبيراً لكن الزيادة السكانية أكبر، لذلك يعتمد علماء الاقتصاد على قياس رفاه البلدان اعتماداً على الدخل الفردي الحقيقي، فكلما ازداد هذا الدخل تمكن الفرد من الحصول على كمية أكبر من السلع والخدمات، وبالتالي حقق مستوى معيشة أفضل.

ولمقياس أكثر دقة دمج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عدالة توزيع الدخل في ترتيب البلدان ضمن سلّم التنمية البشرية، وهذه الخطوة كان لها تأثير كبير على ترتيب الدول العربية في مؤشر التنمية البشرية، حيث تراجعت بنسبة 27% نظرًا إلى سوء توزيع الدخل في هذه البلدان مقارنة بالمتوسط العالمي.

عدم الاكتفاء بإنهاء الفقر

تكشف الجهود الرامية لإنهاء الفقر المدقع عن ازدواجية متنامية فمن ناحية، يواصل الفقر المدقع تشبثه بعناد في مناطق معينة من العالم، بينما أصبح في مناطق أخرى ضئيلا للغاية إن لم يكن قد تلاشى يعيش أقل من 3% من السكان في حوالي نصف بلدان العالم على أقل من 1.9 دولار في اليوم – لكن هذا لا يعني أن النضال من أجل استئصال الفقر قد انتهى في هذه البلدان.

يوسع تقرير البنك الدولي الفقر والرخاء المشترك 2018: تجميع أجزاء اللغز فهمنا للفقر فهو يطرح أدوات وإجراءات جديدة ستساعد البلدان المعنية على تحسين استهداف الفقراء وتنفيذ السياسات المناسبة لبناء رأس المال البشري والارتقاء بمستويات المعيشة.

في الفترة بين عامي 1990 و 2015، خرج أكثر من مليار شخص من هوة الفقر المدقع، وأصبح معدل الفقر العالمي الآن عند أقل مستوياته المسجلة في التاريخ وفي عام 1990، كان ما يقرب من 36% من سكان العالم يعيشون على أقل من 1.9 دولار في اليوم، بيد أن هذا العدد تقلص إلى 10% بحلول عام 2015 وتظهر التوقعات الأولية لعام 2018 أن الفقر المدقع في العالم تقلص أكثر إلى 8.6%، متجاوزاً بعامين الهدف المرحلي المحدد عند 9% بحلول عام 2020.

بات لأن الفقر أكثر تمترسا في جيوب معينة من العالم، خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء والبلدان المتأثرة بالصراعات فالعدد الإجمالي للفقراء في أفريقيا جنوب الصحراء في تزايد مطرد ففي عام 2015، كان عدد من يعيشون في فقر مدقع في تلك المنطقة يزيد عن إجمالي عددهم في العالم كله وتتنبأ التوقعات أنه بحلول عام 2030، يتوقع أن ما يقرب من 9 من بين كل 10 أشخاص فقراء سيعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وسيبقى الفقر في خانة الرقمين.

قالت كارولينا سانشيز بارامو، المدير الأول لقطاع الممارسات العالمية للفقر والإنصاف بالبنك الدولي، "على قدر ما تثيره قصة تخفيض معدلات الفقر من إعجاب، فإننا لا نستطيع أن نركن إلى أمجاد الماضي التوقعات الحالية ترسم صورة قاتمة للغاية لكنها واقعية لاحتمال إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030 وهذا يعني أننا بحاجة لتجديد تركيزنا على أفريقيا، ولن يكفي بذل الجهد المعتاد لتوصيلنا إلى هدفنا نحتاج إلى الاستثمار في البشر والتأكد من شمول النمو، مع التركيز الأكبر على زيادة القدرة الإنتاجية للفقراء".

جاء البنك الدولي بإجراء متعدد الأبعاد يدرس العديد من أشكال الحرمان التي تشمل الاستهلاك أو الدخل مع قياسات للتعليم والحصول على خدمات البنية التحتية الأساسية، كالكهرباء والمياه والصرف الصحي الإجراء الجديد يظهر أن الفقر يمكن أن يكون أكثر تفشياً وتجذراً مما كنا نعتقد في عينة من 119 بلدا أخذت حوالي عام 2013، كان هناك واحد فقط من بين كلّ ثمانية أشخاص فقيراً من الناحية المالية، إلا أن واحدا من بين كل خمسة أشخاص أيضا كان محروماً من منظور آخر على الأقل، كالتعليم ومرافق الصرف الصحي.

خمسة بلدان فقط يعيش فيها فقراء العالم

من بين 736 مليون شخص من الفقراء فقرا مدقعا حول العالم عام 2015، كان 368 مليون شخص - أي نصفهم - يعيشون في 5 بلدان فقط البلدان الخمسة التي لديها أكبر عدد من الفقراء فقراً مدقعاً هي (بالترتيب التنازلي): الهند ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وبنغلاديش كما أنها أكثر بلدان جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء من حيث عدد السكان، وهما المنطقتان اللتان تضمان معاً 85% من فقراء العالم (629 مليون شخص).

لذلك، فإن تحقيق تقدم مستمر ملموس نحو تحقيق الهدف العالمي المتمثل في الحد من الفقر المدقع (من يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم) إلى أقل من 3% بحلول عام 2030 سيتطلب أن يحدث الخفض الكبير في مستويات الفقر في هذه البلدان الخمسة، ومع ذلك، يجب علينا ألا يُغفل عن العديد من البلدان الأخرى ذات معدلات الفقر المرتفعة كما تكشف توقعات الفقر لعام 2030 لهذه البلدان الخمسة، من المرجح أن تكون النتائج متباينة.

وعندما تستند التوقعات إلى البلدان التي تنمو وفقاً لمعدلات النمو السابقة (المتوسط الإقليمي على مدى السنوات العشر الماضية)، فإن الفقر المدقع في الهند وبنغلاديش يقترب من الصفر بحلول عام 2030، لكن الفقر المدقع في نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا لا يزال مرتفعًا إلى حد بعيد ويشير التقدم المتباين فيما بين هذه البلدان الخمسة إلى تفاوت التقدم على نطاق أوسع على مستوى العالم فالنتيجة التي تمثل القضاء على الفقر المدقع في جميع أنحاء العالم تقريباً باستثناء منطقة واحدة، أفريقيا جنوب الصحراء، لا تقدم بالتأكيد صورة لعالم خال من الفقر وكما تم التأكيد عليه في تقرير الفقر والرخاء المشترك 2018، يجب أن نتجاوز التركيز على خفض معدل الفقر العالمي إلى أقل من 3٪ ونسعى جاهدين لضمان أن جميع البلدان وجميع البشر يمكنهم المشاركة في منافع التنمية الاقتصادية.

مفاهيم اقتصادية مغلوطة

في الغالب لا يتم تطبيق الشق النظري في معظم البلدان خاصة النامية، إلا أن خطط تسريع النمو الاقتصادي باتت هدفاً أساسياً للحكومات، وذلك بسبب الاعتقاد السائد بأن تحقيق نمو اقتصادي أعلى يؤدي إلى مستويات معيشة مرتفعة، إلا أنه في الواقع لا تعني زيادة النمو بالضرورة تحسن مستويات المعيشة؛ لأن ثمار النمو لا تتوزع بصورة عادلة، وغالباً ما تستأثر القلة بمعظم منافع النمو، أو من الممكن أن يكون هذا النمو زائفاً وغير حقيقي.

لكن كيف نعرف أن معدل النمو الاقتصادي زائف أو غير حقيقي؟ كي يتضح هذا الأمر يجب أن نعرف أولًا كيف يتم حساب النمو؟، يعتمد الأمر على دراسة التغيرات الظاهرة بقيمة الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات، فمعدل النمو الاقتصادي هو الفرق بين الناتج المحلي الإجمالي الجديد والناتج المحلي الإجمالي القديم، مقسومًا على الناتج المحلي الإجمالي القديم.

هذه هي الطريقة الأشهر والمستخدمة في معظم دول العالم حالياً، لكن هذا المقياس قد لا يكون دقيقًا بالشكل الكافي، فقد كشف بعض الاقتصاديين عن الكثير من القيود والمشاكل في حساب الناتج المحلي الإجمالي، فقبل نحو خمسة عقود قال روبرت إف كيندي: "الناتج المحلي الإجمالي بمثابة أقفال خاصة لأبوابنا والسجن لكل من يجرؤ على كسرها، لكنه لا يأخذ بعين الاعتبار صحة أطفالنا، وجودة تعليمهم، أو سعادتهم في اللعب".

وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع كيندي، فالواقع يقول إن الإحصاءات والبيانات الرسمية لا تعكس دائمًا تجارب ورفاهية المواطنين، ففي النهاية يأخذ الناتج المحلي الإجمالي المتوسطات وحاصل المجموع، وبالتالي فهذا الأمر ينتج عنه تجاهل الفروق الدقيقة وعدم المساواة بين المواطنين.

--------------------------------------
مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ الوثائقي)

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4