في الأربعينيات من القرن الماضي، توقع المؤرخ البريطاني أرلوند جوزيف توينبي، أن الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي ستظلان لوحدهما أكبر قوتين عظميين في العالم ولن تستطيع حتى الصين والهند بـ"حضارتيهما العريقتين" و"ساكنتيهما وأراضيهما ومواردهما الكبيرة" استغلال قوتيهما الكامنتين في العقود المقبلة.

لقد كان توينبي محقاً بخصوص الزمن، لكنه كان مخطئاً بخصوص المكان: إذ انهار الاتحاد السوفييتي، وأصبحت الصين، اليوم، ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، كما أن لها دوراً قيادياً عالمياً ولكن، في ظروف تتزامن مع هبوب رياح اقتصادية معاكسة واندلاع حرب باردة جديدة مع الولايات المتحدة الأميركية، هل ستواصل الصين صعودها، أم أنها ستسلك مسار الاتحاد السوفييتي؟

وللرد على هذا السؤال، يجب أولاً أن ندرك أن الصين ليست عدواً للولايات المتحدة الأميركية، وأن السبب في اندلاع الحرب الأميركية ليس التعادل العسكري بل قوة الصعود الاقتصادي للصين، وليس دونلد ترامب فقط من يعارض العولمة ويؤيد الحمائية من خلال برنامجه "أميركا أولاً"، وبذا يواجه القوة الاقتصادية الصينية فإن بعض الخبراء الاقتصاديين الليبراليين، والذين يحظون بكثير من الاحترام، بما في ذلك لاري سامرز، تجدهم قلقين بشأن ما ستؤول إليه العولمة، رغم معارضتهم لأسلوب ترامب.

وهذا يشير إلى تصاعد القلق بشأن قدرة الاقتصاد الأميركي على مواجهة التحديات ولا شك أن التوقعات، مثل تلك التي عبر عنها أرفيند سوبرامانيان، بشأن إمكانية حلول الصين مكان الولايات المتحدة الأميركية كقوة اقتصادية عالمية مهيمنة، كانت السبب الرئيسي وراء القلق البالغ لأميركيا، ومن المؤكد أن الصين تواجه تحديات تعود جزئياً إلى نموذج نمو أدى إلى اختلالات كبيرة في التوازن ولكن على عكس رواية إدارة ترامب، لم تُخلق هذه التوازنات - خاصة الفائض التجاري مقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية - عن قصد من خلال مراقبة معدلات الصرف والسياسات المشوِّهة ففي آخر المطاف، قد تُلحق هذه السياسات الضرر بالصين نفسها.

صعود الصين وإعادة تشكيل العالم

"ان نهاية العالم الغربي وميلاد نظام دولي جديد" ووفقاً لأكثر التوقعات محافظة وتحفظاً، فمن المرجح أن تتقدم الصين على الولايات المتحدة ليصبح اقتصادها الأكبر عالمياً بحلول عام 2027 ولتقود العالم اقتصادياً بحلول عام 2050، وبالاعتماد على ثلاث حقائق تاريخية أساسية، ان الصين تسعى لإعادة تشكيل العالم وفق رؤيتها هي أولها أن للصين تاريخاً عريقاً وغنياً باعتبارها دولة متحضرة وثانيها له صلة بقوة نظام الحكم المركزي في الصين، حيث دأبت السلطات الإقليمية دائماً على طاعة المركز والخضوع له، فضلا عن شعور نحو 94 في المئة من الصينيين بالانتماء إلى عرقية واحدة هي عرقية "هان" وأخيراً يتلخص العامل الثالث في البروز المتوقع لشعور الصينيين بتفوق بلادهم على نحو ما رأينا مشاعرهم الوطنية العارمة خلال أولمبياد 2008، وهو شعور له جذور عميقة في التاريخ الصيني وغني عن القول إن بروز هذا الشعور مجدداً في القرن الحادي والعشرين من شأنه أن يعزز الوحدة الوطنية الصينية، ما يعني منح الصين مزيداً من القوة والشعور بالتفوق.

لذلك فمن المنطقي جداً أن يتمرد العملاق الاقتصادي الآسيوي على نظام العولمة بشكله وشروطه الحالية التي تكرس هيمنة الغرب على العالم بأسره غير أنه من المنطقي أيضاً أن تسبب هذه التحولات تداعيات كبيرة على العالم كله، لاسيما الولايات المتحدة الأميركية ومع ما نرى من بروز فعلي للصين كمركز جديد لاقتصادات جنوب شرق آسيا، فمن الطبيعي أن تنتقل المراكز المالية والثقافية القائمة الآن في مدن وعواصم غربية، مثل مانهاتن وباريس، إلى مدن صينية مثل بكين وشنغهاي.

الاقتصاد الصيني سيتفوق على الاقتصاد الأمريكي في 2020

يخوض الاقتصاد العالمي تحولات جذرية، ووفقًا لتقرير جديد، فبحلول العام 2020، ستتفوق الصين على الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر قوة اقتصادية في العالم، وبحلول العام 2030، ستصبح الولايات المتحدة وراء الهند أيضًا، وفقًا لموقع ماركت ووتش، ويتحدد التصنيف وفقًا لرفاه الطبقة المتوسطة في كل دولة، وفقًا لبحث أعده مصرف ستاندرد تشارترد، ووفقًا لهذا للتقرير، والذي نشرت عنه ماركت ووتش وبيزنس إنسايدر، تزدهر الطبقة المتوسطة في الصين والهند، في الوقت الذي يتفاقم فيه تفاوت الثروات في أمريكا.

وكتبت مادهور جها، الباحثة في مصرف ستاندرد تشارترد، في التقرير "إن الطبقة المتوسطة العالمية في نقطة تحول، وبحلول العام 2020، سيصنف غالبية سكان العالم ضمن الطبقة المتوسطة. وستقود آسيا الزيادة في عدد الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، بالتزامن مع توقف نمو الطبقات المتوسطة في الغرب".

ونتيجةً لذلك، ستدخل سبعة دول باقتصاد متنامٍ اليوم إلى قائمة أكبر عشر اقتصادات في العالم وفقًا للناتج المحلي الإجمالي وسيساعد التحضر السريع في الأعوام القادمة هذه الدول في صعود الصدارة العالمية، لتتغلب على الدول الأكثر تقدمًا، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي لا تنمو بالسرعة ذاتها، وفقًا لأبحاث المصرف، وخلص بنك ستاندرد تشارترد إلى أن حصة أغلب الدول من الاقتصاد العالمي ستتناسب مع عدد سكانها بالنسبة إلى عدد السكان العالمي بحلول العام 2030 لكن هذا لا يعني أن دولًا كالولايات المتحدة الأمريكية ستخسر أموالها، إذ تشير أبحاث المصرف إلى أن النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا سيستمر في النمو، ولكن بمعدل أبطأ من الدول النامية، والتي من المتوقع أن تزدهر في الأعوام القادمة.

الصين تقود اقتصاد العالم بحلول 2030

ويأخذ الناتج المحلي الإجمالي، حسب تعادل القوة الشرائية، القدرة الشرائية لعملة كل دولة وكلفة معيشة الحياة في الحسبان مع قياس الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المتعارف عليه، كوسيلة أكثر واقعية لقياس حجم الاقتصاد، وبحسب دراسة "PWC" فإن التنين الصيني سيحافظ على ريادته للاقتصاد العالمي، من خلال قدرته على زيادة إنتاجه المحلي من 21.269 تريليون دولار في 2016 إلى 58.499 تريليون دولار في 2050، وذلك عبر تسجيل معدل نمو سنوي 3% في المتوسط.

في حين ستصعد الهند مركزاً واحداً لتزيح الاقتصاد الأمريكي من المرتبة الثانية في عملية تبادلية للمراكز بين الدولتين، حيث سيقفز الناتج المحلي الإجمالي لـ"الفيل الهندي" من 8.721 تريليون دولار إلى 44.128 تريليون دولار، كأحد أسرع الاقتصادات العالمية نمواً حتى عام 2050، بينما ستتراجع الولايات المتحدة إلى المركز الثالث في ظل تسجيل متوسط معدل نمو سنوي قدره 1.8% خلال العقود الثلاثة المقبلة مقارنة بمتوسط نمو للهند عند 4.9%، وهو ما سيسفر عن ارتفاع الإنتاج المحلي الأمريكي من 18.562 تريليون دولار إلى 34.102 تريليون دولار فقط.

من جهة أخرى تشير دراسة "PWC" إلى أن إندونيسيا ستحقق أعلى قفزة في المراكز بين الاقتصادات العشرة الكبار، من خلال الصعود من المركز الثامن إلى الرابع على حساب الاقتصاد الياباني، إثر زيادة إجمالي الناتج المحلي الإندونيسي من 3.028 مليار دولار إلى 10.502 تريليون دولار، بفضل تقديرات تسجيل متوسط معدل نمو 3.7% سنوياً حتى عام 2050.

ومن المتوقع أن تزيح البرازيل الاقتصاد الألماني من المركز الخامس، حيث ترشح "PWC" الاقتصاد البرازيلي للقفز مركزين من ترتيبه الحالي، بالتزامن مع تسجيل معدل نمو سنوي 2.6% في المتوسط يدفع ناتجها المحلي للارتفاع من 3.125 تريليون دولار إلى 7.540 تريليون دولارظ، بينما ستحافظ روسيا على ترتيبها الحالي في المركز السادس، بحسب الدراسة، التي تتوقع ارتفاع الناتج المحلي للدب الروسي من 3.754 تريليون دولار إلى 7.131 تريليون دولار، بتسجيل متوسط معدل نمو سنوي 1.9%.

فيما ترشح "PWC" الاقتصاد المكسيكي للانضمام للعشرة الكبار بحلول 2050 على حساب الديك الفرنسي الذي سيخرج من القائمة بحسب التوقعات، ورشحت الدراسة احتلال المكسيك المركز السابع عالمياً بدلاً من الحادي عشر، في ضوء تقديرات زيادة ناتجها المحلي الإجمالي إلى 6.863 تريليون دولار من 2.307 تريليون دولار عبر تسجيل متوسط معدل نمو 3.3% في العام الواحد.

ومن جهة أخرى، تشير الدراسة إلى توقعات فقدان اليابان 4 مراكز دفعة واحدة لتتراجع إلى الترتيب الثامن عالمياً، نتيجة تسجيل متوسط معدل نمو 0.9% سنوياً يدفع ناتجها المحلي للارتفاع من 4.932 تريليون دولار إلى 6.779 تريليون دولار، وينطبق نفس الأمر على توقعات مستقبل الاقتصاد الألماني الذي رشحته "PWC" لخسارة 4 مراكز ليتراجع إلى المركز التاسع بدلاً من الخامس في الترتيب العالمي، نتيجة تقديرات زيادة ناتجها المحلي من 3.979 تريليون دولار إلى 6.138 تريليون دولار في ظل توقعات تسجيل متوسط معدل نمو سنوي 1.3%..

وأخيرا، سيتذيل الاقتصاد البريطاني قائمة العشرة الكبار متراجعاً مركزاً واحداً، وفقاً للدراسة التي أشارت إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سينمو من 2.788 تريليون دولار إلى 5.369 تريليون دولار، على خلفية تقديرات تسجيل متوسط نمو 1.9% سنوياً حتى عام 2050.

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ الوثائقي)

.............................
المصادر
- البيان
- العين الاخبارية
- الوطن
- مرصد المستقبل
- الاتحاد

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0