لم يفارق القرآن لسان الإمام الحسين في كل مراحل مسيرته من المدينة إلى كربلاء؛ فهو يعلم أني كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه. وإن الإمام الحسين (عليه السلام) يؤكد على القرآن وعلى تلاوته، وعلى تطبيقه دستوراً إلهياً في الحياة، حتى بعد شهادته عليه السلام...

(لم يفارق القرآن لسان الإمام الحسين في كل مراحل مسيرته من المدينة إلى كربلاء)

الإمام الشيرازي

تحمل منزلة استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) في واقعة كربلاء (عاشوراء) مكانة مركزية وعميقة جداً في الوجدان والمنظومة العقائدية والفكرية لدى الشيعة، فهي لا تُصنف كمجرد حادثة تاريخية حزينة، بل هي محور صياغة الهوية والثقافة الشيعية.

حيث ينظر الشيعة بشكل خاص وعموم المسلمين إلى استشهاد الإمام الحسين باعتباره التضحية المطلقة من أجل الحفاظ على جوهر الدين الإسلامي من الانحراف. فالشيعة يعتقدون أنه لولا ثورة الحسين وتضحيته بنفسه وأهل بيته وأصحابه، لاندثرت معالم الدين الحقيقي، ولذلك يتردد في أدبياتهم الشعار الذائع الصيت الذي ينص على أن "الإسلام بدؤه محمدي واستمراره حسيني).

كذلك تُعدّ واقعة كربلاء دروسا ملهمة للوقوف في وجه الظلم والطغيان مهما بلغت التضحيات. ولعل كلمة الإمام الحسين المأثورة (هيهات منا الذلة) تجسد ذلك حيث أصبحت الشعار الأساسي لكل حركات الرفض والمقاومة الجماهيرية على مر العصور، وتحولت من حدث تاريخي إلى منهج حياتي يدعو إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.

ومن هنا أصبحت قضية استشهاد الإمام الحسين عليه السلام سنّة إلهية، لا تخص أمة الإسلام وحدها بل تشمل جميع الأمم الأخرى فأي شهيد من أية أمة أخرى يُشمل بهذه السنة الكونية.

الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيم الموسم بـ (رسالة عاشوراء 1):

(إن حياة الشهيد هذه سنّة الله تعالى في هذا الكون، وليست خاصة بهذه الأمة وإن كان لشهداء هذه الأمة وخاصة المعصومين منهم (عليهم السلام) منزلة أرفع، ومقام أسمى، وامتياز على بقية الشهداء).

الحسين هو البوصلة الروحية والأخلاقية

إن استشهاد الإمام الحسين بالنسبة للشيعة هو البوصلة الروحية والأخلاقية، والوقود الذي يستمدون منه الصبر والثبات والسعي نحو إحقاق الحق ومحاربة الباطل في كل زمان ومكان. وما يثبت بأن الشهداء من جميع الأمم مشمولون بهذه السنة الإلهية، أن هنالك أجساد لشهداء من الأمم الأخرى لم تتفسخ بعد أن تم تركها فترات طويلة، حيث تشير القصص والدلائل إلى أن النبي حيقوق حين تم العثور عليه بعد وقت طويل كان جسده طريا وكأنه غادر الحياة قبل ساعة لا أكثر، أنظر رسالة عاشوراء الجزء الأول للاستزادة حول هذا الموضوع.

وهذا ما يؤكد أن كرامة الشهيد ليست محصورة بأمة واحدة دون غيرها، لأن الشهيد في السنة الإلهية هو كل ثائر يرفض الظلم والطغيان، ولا يهادن الطغاة والفاسدين، وهو ما يتفق عليه جميع الناس حتى أبسط الأشخاص لأن الشهيد له مكانة عظيمة فكيف إذا كان ثائرا من الدوحة المحمدة وهو الحسين بن علي وسبط الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.

يقول الإمام الشيرازي:

(لقد تم العثور على أجساد بعض الشهداء من الأمم السابقة الذين استشهدوا في سبيل الله، فكانوا كأنهم نيام، وكأنهم ماتوا الساعة، لشدة طراوة أجسادهم، وسلامة أكفانهم وملابسهم).

وعندما يتم طرح تساؤل حول صحة أن الأنبياء والأئمة والصدقين هل هم أحياء عند ربهم يرزقون، سوف يأتي الجواب بالإيجاب.

نعم، وفقاً للمنظومة العقائدية والقرآنية، فإن الأنبياء، والأئمة، والصديقين، والشهداء يُعتبرون أحياءً عند ربهم يرزقون، بل هم في أعلى درجات هذه الحياة. وهذا المفهوم يستند إلى أدلة صريحة من القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، والتحليل العقائدي، نقرأ في القرآن الكريم نصّ صراحة على حياة الشهداء في آيات متعددة، ومنها: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) (آل عمران: 169)

فإذا كان هذا المقام ثابتاً لعموم الشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله، فهو من باب أولى وثابت بالدرجة الأكمل والأرقى للأنبياء والأئمة والصديقين، لأنهم هم القادة والأسس الذين علّموا الناس طريق الشهادة والتضحية.

الإمام الشيرازي يقول في ذلك:

(إن الأنبياء والأئمة، وكذلك الشهداء والصدّيقين، هم أحياء عند ربهم يرزقون، ومراقدهم من آيات الله تعالى في الأرض، حيث تظهر منها الكرامات، ويستجاب فيها الدعوات، وتقضى عندها الحوائج والآمال، وقد ورد في خصوص الإمام الحسين (عليه السلام): (إن الشفاء في تربته، واستجابة الدعاء تحت قبته، والأئمة من ذريته).

الإنفاق على الشعائر إعلان للالتزام بمبادئ عاشوراء

من هنا جاء وجوب الاهتمام بدعم الشعائر الحسينية، وزيارة المراقِد المقدسة، وبذل الأموال السخية في سبيلها، وهذا الشيء لا يُنظر إليه في الوجدان الشيعي كمجرد طقوس عبادية أو تقاليد توارثتها الأجيال، بل هو استثمار عقائدي، وفكري، وإنساني يحمل أبعاداً عميقة تفوق الجانب المادي.

كذلك فإن الارتباط بالقيم الأسمى للزيارة وبذل المال ليسا موجّهين لشخص الإمام الحسين كجسد غادر الدنيا، بل لما يمثله من قيم العدالة، الحرية، رفض الظلم، والتضحية من أجل الحق. الإنفاق هنا هو إعلان للالتزام بهذه المبادئ. إن الإنفاق المالي والاهتمام البالغ بالشعائر الحسينية يراه الشيعة "تجارة لن تبور" لأن المال يزول، بينما الأثر الفكري، والروحي، والإنساني الذي تتركه هذه الشعائر في صياغة إنسان حر وشهم ومتكافل، هو المكسب الحقيقي المستدام.

حيث يقول الإمام الشيرازي:

(لذا الواجب علينا أن نهتم بالشعائر الحسينية، وان نقيمها بكل قدراتنا، وان نزور الإمام عليه السلام بجميع رغباتنا، حتّى إن استلزم ذلك صرف الأموال الطائلة، وتحمل المشاق الصعبة).

ولا تقتصر القضية الاهتمام بالشعائر فحسب بل هناك دعوات كبيرة من الإمام الحسين نفسه يطالب الناس بتلاوة القرآن الكريم، فقد كان الإمام (عليه السلام) شديد التعلق بالقرآن الكريم، تلاوةً، وتدبراً، وعملاً، ودعوةً إليه، وهو أمر طبيعي لإمام يمثل مع القرآن الثقلين اللذين أوصى بهما النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين المتواتر: "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي".

ولقد تجلى هذا الاهتمام بالقرآن في سيرة الإمام الحسين ودعوته من خلال محطات ومواقف بارزة وموثقة تاريخياً، منها طلب تأجيل المعركة في ليلة عاشوراء من أجل الصلاة والقرآن، ولعل الموقف الأبرز والأكثر دلالة في التاريخ الإسلامي على مدى تعلق الإمام الحسين بالقرآن، هو ما حدث في عصر اليوم التاسع من المحرم (تاسوعاء)، عندما زحفت جيوش بني أمية نحو معسكره. حينها أرسل الإمام الحسين أخاه العباس بن علي (عليهما السلام) وقال له كلمته الشهيرة الموثقة في الطبري والإرشاد وغيرها:

"ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخرهم إلى الغدوة وتدفعهم عند العشية، لعلنا نصلي لربنا الليلة، وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار".

وبالفعل، قَضى الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه تلك الليلة الأخيرة (ليلة العاشر من المحرم) ولهم دويّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد، وقارئ للقرآن ومستغفر.

لذا يقول الإمام الشيرازي: 

(إن الإمام الحسين عليه السلام كان يهتم بالقرآن الحكيم؟ وإنه للقرآن الكريم من عظمة وأهمية، بحيث انه (عليه السلام) يؤكد عليه وعلى تلاوته، وعلى تطبيقه دستوراً إلهياً في الحياة، حتى بعد شهادته عليه السلام).

وها أننا اليوم بعد أن عشنا ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام، نطلق هذه الرسالة الصامتة والمؤثرة للعالم ونقول إن خروج الملايين لزيارة الإمام الحسين، مدعومين بإنفاق مالي وتنظيمي ذاتي هائل من قِبل النّاس (دون الاعتماد على ميزانيات الدول)، يمثل أضخم تظاهرة سلمية بشرية مستمرة. هذا المشهد يلفت أنظار العالم، ويثير تساؤلات الباحثين والإعلاميين حول سر هذا العشق والانتماء، مما يساهم في نشر رسالة الإسلام الإنسانية الحقيقية القائمة على السلام ورفض الطغيان.

اضف تعليق