إذا حقق الاقتصاد الأميركي التعافي في عام 2026، وإذا ظل الاقتصاد الصيني مرنا وحافظ على نمو يقترب من 5%، فسوف تتحسن الآفاق العالمية. وسوف تكون الاقتصادات المتقدمة والأسواق الناشئة على حد سواء على المسار نحو تحقيق نمو أقوى مقارنة بما شهدناه في عام 2025. وحتى لو ظلت مخاطر هبوطية...
بقلم: نورييل روبيني
نيويورك ــ كان عامنا هذا عاما متقلبا بالنسبة للاقتصاد الأميركي. فعلى الرغم من طفرة هائلة في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تسببت الشكوك الناجمة عن التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب وغير ذلك من السياسات في تقليص النمو في النصف الثاني من العام، كما تسببت الارتباكات التي شهدتها بيانات التوظيف والتضخم الرسمية نتيجة لأطول إغلاق حكومي على الإطلاق في زيادة غموض تصورات صُـنّاع السياسات. السؤال الأكثر أهمية الآن هو ما الذي قد يأتي به عام 2026.
السيناريوهات المحتملة ثلاثة. في الحالة الأساسية، ستعاني الولايات المتحدة من ركود النمو (بمعنى نمو الناتج المحلي الإجمالي دون الاتجاه السائد) لبضعة أشهر، ثم يلي ذلك التعافي وانخفاض معدل التضخم تدريجيا نحو هدف الاحتياطي الفيدرالي الأميركي 2%. هذا هو السيناريو المعتدل. في السيناريو الثاني، يشهد الاقتصاد ركودا سطحيا لبضعة أرباع من السنة، يليه عودة أبطأ إلى النمو مقارنة بالسيناريو الأول. في السيناريو الثالث "لا يحدث الهبوط"، فيظل النمو قويا لكن التضخم لا ينخفض نحو المعدل المستهدف.
السيناريو المعتدل هو خط الأساس فبفعل انضباط السوق، والمستشارين المهرة، والاحتياطي الفيدرالي الذي لا يزال مستقلا (على الرغم من تهديدات ترمب الدورية) اضطر البيت الأبيض بالفعل إلى التراجع عن الرسوم الجمركية المرتفعة التي أعلن عنها في الثاني من أبريل/نيسان. منذ ذلك الحين، تفاوضت الإدارة على صفقات تجارية وأطر عمل عديدة تتضمن زيادات أكثر تواضعا في الرسوم الجمركية (غالبا مقابل التزامات بالاستثمار في الولايات المتحدة). نتيجة لهذا، تباطأ نمو الولايات المتحدة والعالم بعض الشيء، لكن التضخم لم يرتفع إلا بشكل متواضع.
في حالة التعافي القوي بحلول منتصف العام المقبل، فسوف يكون هذا التعافي مدفوعا بعدة عوامل: مزيد من التيسير النقدي من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي؛ والتحفيز المالي الذي لا يزال قيد الإعداد (معظم تخفيضات الإنفاق التي جرى تشريعها مؤخرا لن تحدث إلا بعد انتخابات التجديد النصفي عام 2026)؛ والميزانيات العمومية القوية لدى الأسر والشركات؛ والظروف المالية السهلة (بسبب ارتفاع أسعار الأسهم، وانخفاض عائدات السندات وفروق الائتمان، وضعف الدولار)؛ والرياح المواتية القوية المدفوعة بالنفقات الرأسمالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. علاوة على ذلك، قد يصل التضخم إلى ذروته ثم يبدأ في الانخفاض في العام المقبل مع تضاؤل التأثيرات الأساسية التي تخلفها التعريفات الجمركية، ومع بدء مكاسب الإنتاجية المدفوعة بالتكنولوجيا في خفض التكاليف وإطلاق العنان لكفاءات جديدة.
في حين لا يمكننا استبعاد السيناريو الثاني (فترة قصيرة من الركود السطحي مع تعاف أبطأ)، فإنه أقل ترجيحا من السيناريو الأساسي. تميل التأثيرات التي تخلفها التعريفات الجمركية إلى الظهور متأخرة، وهذا يعني أن السياسات التجارية الأميركية قد تستمر في رفع التضخم، وبالتالي تتآكل الأجور الحقيقية وتزداد ثقة المستهلك ضعفا.
يتحدث بعض المراقبين بالفعل عن نشوء "اقتصاد على هيئة حرف K" حيث تزدهر الأسر المرتفعة الدخل وتعاني الأسر المنخفضة الدخل. وقد تتلقى ثقة الأعمال التجارية أيضا ضربة قوية، وخاصة إذا أدت المخاوف بشأن فقاعة الذكاء الاصطناعي إلى تصحيح كبير في أسعار الأسهم وضعف الإنفاق الرأسمالي. ولكن حتى في هذا السيناريو الأكثر تشاؤما، سيكون الركود قصيرا وضحلا، لأن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيخفض أسعار الفائدة بشكل أكثر قوة، وقد تتدخل السلطات المالية بحوافز إضافية لدعم التعافي الاقتصادي.
أخيرا، لا يمكننا استبعاد سيناريو عدم الهبوط، لأن بعض المؤشرات الأخيرة تشير إلى أن الاقتصاد أكثر مرونة من تصورات كثيرين في السابق. على سبيل المثال، قد يكون التباطؤ الواضح في تشغيل العمالة مدفوعا بانخفاض المعروض من العمالة ــ بسبب حملة إدارة ترمب على الهجرة ــ ومكاسب الإنتاجية المبكرة من تكنولوجيات جديدة أو بدأ تبنيها مؤخرا. ومن شأن أسواق المنتجات والعمالة الضيقة أن ترفع الأجور وتعزز النمو الإجمالي، وسوف يظل تضخم الأسعار الأساسية (باستثناء الغذاء والطاقة) أقرب إلى 3%. في هذه الحالة، ستكون اليد العليا لأعضاء لجنة السوق الفيدرالية المفتوحة التي تحدد أسعار الفائدة والذين يشعرون بالقلق إزاء فرط النشاط، وقد يمتنع الاحتياطي الفيدرالي عن خفض أسعار الفائدة طالما استمر النمو عند مستوى أعلى من المحتمل والتضخم فوق المستوى المستهدف.
مع ذلك، لن يكون السيناريو الأخير هو الأساسي (في الأرجح) لأن مؤشرات حديثة أخرى تشير إلى ضعف اقتصادي. علاوة على ذلك، قد تتسبب رياح جيوسياسية معاكسة مختلفة ــ مثل تفاقم التوترات التجارية الصينية الأميركية والعلاقات بين الصين والولايات المتحدة في مجمل الأمر، أو نشوب صراع جديد يتسبب في ارتفاع أسعار النفط ــ في دفع الاقتصاد دائما إلى سيناريو الركود. ما يدعو إلى التفاؤل أن مثل هذه الصدمات جرى احتواؤها إلى حد كبير، ويتعين علينا أن نأمل أن يظل الأمر كذلك.
إذا حقق الاقتصاد الأميركي التعافي في عام 2026، وإذا ظل الاقتصاد الصيني مرنا وحافظ على نمو يقترب من 5%، فسوف تتحسن الآفاق العالمية. وسوف تكون الاقتصادات المتقدمة والأسواق الناشئة على حد سواء على المسار نحو تحقيق نمو أقوى مقارنة بما شهدناه في عام 2025. وحتى لو ظلت مخاطر هبوطية لا يستهان بها باقية، فلا نملك إلا أن نكون متفائلين بحذر ونحن نقترب من العام الجديد.



اضف تعليق