اقتصاد - مقالات اقتصادية

الصراعات السياسية والمصالح الاقتصاديّةِ: الرسوخ والتغيُّر

(الحرب الروسيّة-الأوكرانية/ حالة دراسيّة)

- روسيا "تغزو" أوكرانيا، وتقول أنّها تعرفُ الكلفة الاقتصادية لذلك، وتعرفُ كيفيّة مواجهتها، وهي قادرة على تحمُّلِ تبعاتها كافّة.

-أوروبا والولايات المتحدّة (وما يُسمّى بـ "الغرب") يفرضون عقوبات اقتصاديّة غير مسبوقة على روسيا بسبب "غزوها" لأوكرانيا.

- روسيا تقول أنّ هذه العقوبات ستتفكَك سريعاً، بل ولا معنى وقيمة لها الآن، لأن أوروبا بالذات لا تستطيع الاستغناء عن النفط والغاز الروسيين، وإنّ العقوبات (وبالذات على قطاع النفط والغاز الروسي)، ستُلحِقُ ضرراً فادحا و"كبيراً" بمصالحها، مقارنةً بضررها "المحدود" على روسيا.

- استناداً لإحصاءات الطاقة الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية لعام 2020، فإنّ روسيا تحتلّ المرتبة الأولى من بين 5 دول هي الأعلى في صادرات الغاز الطبيعي في العالم (200 مليار متر مكعب)، تليها الولايات المتحدة الأمريكيّة (149.5 مليار متر مكعب)، وقطر (143.7 مليار متر مكعب)، والنرويج (112.9 مليار متر مكعب)، واستراليا (102.5 مليار متر مكعّب).

- تُنتِج روسيا حاليّا ً(2022) ما يقرب من 300 مليار متر مكعّب من الغاز سنوياً (16% من إجمالي الإنتاج العالمي)، وتقوم بتصدير 240 مليار متر مكعب منها إلى أوروبا سنويّاً (من إجمالي استهلاك سنوي أوروبي من الغاز يُقدّر بحوالي 550 مليار متر مكعب).. أي أنّ حصّة الغاز الروسي من الاستهلاك الأوروبي للغاز تصل إلى 43%.

- وفق معطيات فبراير/شباط 2022، نمت صادرات الغاز الروسي في العام الماضي بمقدار 2.1 مرة، وبلغت ايراداتها 54.2 مليار دولار، مقارنة بالعام 2020 عندما بلغت ايراداتها 25.7 مليار دولار.

- شهد إنتاج روسيا النفطي زيادةً كبيرة، خلال الأشهر الماضية، ووصل خلال فبراير/شباط الماضي إلى 11.06 مليون برميل مكافئ يوميًا، وهو مستوى لم تشهده منذ أبريل/نيسان 2020.

- إن عائدات روسيا من تصدير النفط الخام خلال العام الماضي 2021، قفزت إلى 110 مليارات دولار، بزيادة بلغت نسبتها 51.8% عن عام 2020.

- معظم المصافي الأوروبية (ووحدات الاستهلاك المختلفة الأخرى)، مصممة للتعامل مع الغاز والنفط الروسيين، وليس مع غاز ونفط بخصائص أخرى. واستبدال هذه "المدخلات" بمدخلات طاقة ذات مواصفات مختلفة، سيلحق ضرراً كبيراً بطاقات التصفية (وبأوجه الاستخدام الأخرى) في أوروبا.

- لا يمكن تعويض إمدادات الغاز الروسية إلى أوروبا حتّى في الأجل المتوسط (ناهيك عن الأجل القصير).

فجميع الدول الرئيسة المنتجة للغاز (عدا روسيا) تُنتِج الغاز الآن بأقصى طاقتها، وليس لديها انتاج فائض قادر على التعويض الآني (بما في ذلك قطر والنرويج واستراليا، ودول أخرى مثل إيران والجزائر..) ، وجميعها مرتبطة بالتزامات وتعاقدات توريد سابقة ، ويمتدُّ بعضها لسنوات طويلة قادمة، ولا يمكنُ الأخلال بها الآن.

- لا تُريد السعودية الإضرار بمصالحها (متعددة الأبعاد) مع روسيا، ولا التفريط بتفاهماتها معها حول ضبط المعروض النفطي، وتحديد حصص الإنتاج في إطار "تحالف أوبك +"، ولا ترغب في تعريض سوق النفط العالمية لمخاطر الحروب السعرية.. لأنّ روسيا هي أكبر منتج للنفط خارج منظمة الأوبك.

وللتأكيد على أهمية التعاون والتنسيق بين السعودية و روسيا بهذا الصدد، يمكن الإشارة إلى أنّهُ في أبريل/نيسان 2020، وافقت روسيا (في إطار أوبك+) على خفض إنتاجها النفطي بأكثر من مليوني برميل يوميًا (وهو خفض طوعي غير مسبوق، جنبًا إلى جنب مع منتجي النفط البارزين الآخرين، ومنتجي أوبك)، وإنّ روسيا قد التزمت بذلك رغم أنّ إنتاجها من النفط والغاز آنذاك كان يُقدّر بأكثر من 11.3 مليون برميل يوميًا.

عِلماً بأنّ حصّة إنتاج روسيا في اتفّاق "أوبك+" حاليّاً هي 10.331 برميل يومياً، وهي ذاتها حصّة السعودية في هذا الاتفاق.

- الولايات المتحدّة الأمريكية هي الأقلّ تعرّضاً للضرر من أيّة عقوبات قد تُفرَض على صادرات الغاز والنفط الروسيين، وبذلك فهي تعمل على الإضرار بالمصالح الروسية والأوروبية معاً، في سعيها لتحجيم مصادر القوة الروسية.

- إن حديث الولايات المتحدة الأمريكية عن إيجاد مصادر بديلة للغاز الروسي إلى أوروبا، سيعني من الناحية العملية إرغام اوروبا على شراء غاز أكثر تكلفة وبشروط أقل ملائمة. إنّ ارتفاع التكاليف سيكون العدو الرئيس للحلم الأميركي بتوريد الغاز الطبيعي إلى أوروبا، لأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة هي أكثر تكلفة من صادرات الغاز عبر خطوط الأنابيب من روسيا.

يُضافُ إلى ذلك، أنّ ألمانيا لن تشتري الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة الأمريكية، لأنها لا تمتلك البنية التحتية اللازمة لذلك، كما أن بناء محطات جديدة لا يمكن أن يكون مربحاً على الإطلاق.

- هناك اتصالات و ترتيبات وتفاهمات ومساومات وصفقات، تجري الآن بين روسيا من جهة، وبين بعض الدول الأوروبية، والسعودية، وايران، وقطر، والإمارات. من جهة أخرى. والهدف من ذلك هو الحرص على "استدامة" المصالح الاقتصادية "الثنائية" وترصينها، وجعل المصالح راسخة، و "مُستقِلّة" نسبيّاً عن تداعيات الصراعات "الجيو سياسيّة".

ولعلّ أهم ما يمكن الإشارة اليه بهذا الصدد، هو إصرار روسيا على عدم تمرير أيّ اتفاق نووي جديد مع ايران، ما لم يتضمن إعفاء التبادلات التجارية، والعلاقات الاقتصادية (والنفطية) مع إيران من لوائح العقوبات المفروضة (أو التي سيتمّ فرضها)على روسيا، مع تقديم ضمانات وتعهدات من قبل جميع أطراف الإتّفاق حول ذلك.

كما أنّ هناك الكثير من المؤشرات على أنّ دولاً عديدة (من بينها السعودية)، ترفضُ"التعويض" عن فقدان (أو انخفاض) حصّة روسيا في السوق العالمية للنفط والغاز.

- عندما تنتهي (أو تخفّ) عوامل الضغط وتداعيات الصراعات "الجيوسياسية" الحاليّة، وما يرتبط بها من قطع لسلاسل الإمدادات، ستستقّر الأسعار تلقائياً، وستنخفّض عن معدّلاتها الحالية، وسيعود سعر النفط ليدور حول معدّل 70-75 دولار للبرميل، وسيتمّ الإتّفاق على "سقف" سياسي لحماية المصالح الاقتصادية الرئيسة، وستكون "الغلبة" والأولوية، هي لحماية وديمومة المصالح "الثنائيةّ"، وليس للمصالح "متعددّة الأطراف"، كما لن تكون لضغوط قوى "أحادية" كبيرة (أو عظمى) إلاّ تأثيرات ضئيلة ومحدودة بهذا الصدد.

أخيراً ينبغي الإشارة إلى أن الكثير من مراكز البحوث الأمريكية، وكتّاب "الأعمدة" الكبار في صحفها الرئيسة (النيويورك تايمز، والواشنطن بوست)، كانوا قد حذّروا الإدارات الأمريكية مراراً، من أنّ ترك "دكتاتورٍ" كـ فلاديمير بوتين، يتمتّع بقدرة هائلةٍ على جمع المال من صادرات الطاقة "التقليدية"، سيُعزّز من قبضتهُ على روسيا، ومن هيمنتهِ على مجالها الحيوي، وسيكونُ مصدر خطرٍ كبير على أوروبا، وعلى مصالح الولايات المتحدّة فيها، وعلى نفوذها السياسي والاقتصادي في العالم.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق