يلعب الاعلام دورا كبيرا في تصويب عمل الاقتصاد وحمايته من الهيمنة الحكومية، إذا ما كانت الدولة تتبنى اقتصاد السوق كنظام لاقتصادها.

دور الاعلام قد يكون سلبيا وقد يكون إيجابيا حسب طبيعة الإعلام، من حيث الاستقلال والحرية والهدف الذي يسعى لتحقيقه.

بمعنى كلما يكون الاعلام مستقلا مالياً ولا يرتبط بالسلطة ويعمل على مراقبة اداءها وكشف اخفاقها سيكون دوره ايجابياً، كما هو الحال في البلدان الديمقراطية سياسياً واقتصادياً.

والعكس صحيح، أي كلما يكون الاعلام غير مستقل مالياً ومُرتبط بالسلطة سيتغاضى عن مراقبة اداءها ولن يكشف إخفاقها بل ويعمل على تلميع صورتها، السلطة؛ فيكون دوره سلبياً، كما هو الحال في البلدان الشمولية سياسياً واقتصادياً.

الاعلام... السلطة الرابعة

يُوصف الإعلام على إنه "السلطة الرابعة" في الأنظمة الديمقراطية بعد السلطة التشريعية والتنفيذية (الحكومة) والقضائية، وذلك لما له من دور كبير في تصحيح مسار السلطة من خلال مراقبتها وكشف إخفاقها أو معاقبتها من خلال تحريك الشارع ضدها.

إن قيام الإعلام بوظيفته الرئيسة المتمثلة في مراقبة أداء السطلة لوظائفها المحددة وفق القانون هو بحد ذاته عامل مهم بالنسبة للاقتصاد، لأنه في الغالب تسعى السلطة بشكل عام والتنفيذية (الحكومة) بشكل خاص لفرض هيمنتها على الاقتصاد لإدارته وفقاً لما يخدم مصالحها بعيداً عن مصالح الشعب.

عيوب الهيمنة ومزايا الإشراف

إن هيمنة الحكومة على الاقتصاد يعني أمرين:

الأول: ضعف الاقتصاد، بحكم حصر الموارد والفرص بيدها وحرمان القطاع الخاص منها مما يؤثر سلباً على فاعليته واندفاعيته في العمل فيكون الاقتصاد ضعيفاً.

الثاني: انخفاض الرفاهية، بحكم ارتفاع الاسعار وغياب الجودة وهدر الموارد نظراً لغياب المنافسة.

وفي المُقابل، إن إشراف الحكومة على الاقتصاد يعني أمرين:

الاول: قوة الاقتصاد، بحكم إطلاق الموارد والفرص للقطاع الخاص فيكون أكثر فاعليةً واندفاعيةً رغبةً بتحقيق الأرباح والمنافع، فيكون الاقتصاد أكثر قوةً.

الثاني: زيادة الرفاهية، بحكم انخفاض الاسعار وزيادة الجودة والتخصيص الأمثل للموارد نظراً لوجود المنافسة.

إهمال المراقبة = الهيمنة على الاقتصاد

إن إهمال الإعلام لوظيفته الرئيسة في مراقبة اداء الحكومة والتشريع والقضاء وعدم الوقوف بشكل واضح وجلي على تجاوز الحكومة والتشريع والقضاء لصلاحياتهم المحددة وفق القانون الدستوري والاداري، يعني استمرار أو السماح للحكومة وبتواطؤ السلطات والجهات الأخرى المعنية، بفرض هيمنتها على الاقتصاد والإسهام في إضعافه وانخفاض رفاهية أفراده، من أجل تحقيق مصالحها وحسب.

بمعنى قيام الحكومة باستغلال فرصة إهمال الإعلام لعيوب الهيمنة ومزيا الإشراف على الاقتصاد ومن ثم لم يُراقبها، بشكل جدّي؛ إذا ما تجاوزت الصلاحيات المُحددة وفق القانون مما يعني إضعاف الاقتصاد وتخفيض الرفاهية.

وفقاً لما تقدم، فإن الإعلام له دور كبير في حماية الاقتصاد من هيمنة السلطات عليه ومنع تسخيره لصالحها بعيداً الشعب، وهذا ما يعني سير الاقتصاد بشكل حُر وفقاً لقوى السوق التي تتسم بالكفاءة حسب ما أثبتت التجارب.

حيث نلاحظ إن الدول التي تعتمد الحرية الاقتصادية في نظامها الاقتصادي هي في الغالب تحتل مراتب متقدمة على مستوى العالم اقتصادياً، والعكس صحيح إن الدول التي تهيمن حكوماتها على الاقتصاد هي في الغالب تحتل مراتب متأخرة اقتصادياً.

واقع الاقتصاد العراقي

على الرغم من الإشارات الدستورية بشأن الاقتصاد العراقي والاتجاه به نحو الحرية الاقتصادية واقتصاد السوق إلا إنه، واقعاً؛ لاتزال للدولة المحرك الرئيس فيه على حساب القطاع الخاص.

ففي الوقت الذي انسحبت الدولة من النشاط الاقتصادي وتوقف أغلب شركات القطاع العام عن الإنتاج، لا تزال الدولة تضع يدها على الكثير من عناصر الإنتاج وأهما الأرض، حيث تُهيمن على أكثر من 80% والباقي للقطاع الخاص؛ هذا من جانب.

ومن جانب آخر، لازالت الدولة تُعرقل مسيرة القطاع الخاص من أخذ دوره المناسب في الاقتصاد، بحكم عاملين:

الاول، شيوع الفساد في أغلب مؤسساتها، إذ يحتل العراق المرتبة 160 من أصل 180 دولة عام 2020، وهذا ما يُثبط بل ويطرد المستثمرين لأنه يُمثل تكاليف إضافية تؤثر على حجم أرباحهم التي يرومون تحقيقها.

الثاني، صعوبة بيئة الأعمال، حيث يحتل العراق المرتبة 172 من أصل 190 دولة عام 2020. إن عدم وجود بيئة أعمال تسهم في سهولة إقامة الأعمال يعني تحمل مزيد من التكاليف التي تؤثر سلباً على رأسمال المستثمر وأرباحه.

هذا ما يعني إن الاقتصاد العراقي لازالت الدولة تهيمن عليه واقعياً حتى الوقت الحاضر.

واقع الإعلام في العراق

إن عدم رسوخ النظام السياسي الديمقراطي بشكل حقيقي يعني لازال الاستبداد يمارس دوره بشكل وآخر، وأبرز دليل، إن واقع الإعلام، في العراق؛ الذي يُعد السلطة الرابعة في النظام الديمقراطي، كما أسلفنا أعلاه، لايزال يحتل مراتب متأخرة من الحرية الاعلامية.

حيث يحتل العراق المرتبة 163 من أصل 180 دولة عام 2020 في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن مراسلون بلا حدود.

بحكم حداثة النظام السياسي وعدم رسوخ مؤسساته وعدم تطبيقه بشكل سليم ليتفاعل المجتمع معه، واستمرار هيمنة الدولة على الاقتصاد، أصبح الاعلام في موقف لا يُحسد عليه.

حيث لا يستطيع أن يقوم بدوره بشكل مستقل وحُر وتحقيق هدفه بشكل مهني بعيداً الضغوطات، بسبب المؤسسات الرخوة التي لا تستطيع حمايته إذا ما تعرض للخطر.

إن سيطرة الأحزاب على هذه المؤسسات وحرف مسارها عن المهنية والوطنية لصالح الرشوة والطائفية جعل من الإعلام وحيداً في الساحة وهذا ما انعكس سلباً على عمله واداءه ولم يحقق هدفه بشكل جلي، بالإضافة إلى الضعف الذي يعانيه بالأساس.

بمعنى لم يعمل الاعلام على مراقبة وتصويب عمل السلطات تشريعاً وتنفيذاً ورقابةً وعدالةً، وأصبحت الساحة مفتوحة أمام السلطات وبالخصوص التنفيذية لاستمرار أو فرض هيمنتها من جديد على الاقتصاد العراقي.

خلاصة القول، إن ضعف دور الاعلام في كشف ماهية صلاحيات السلطات بشكل عام والتنفيذية في الشأن الاقتصادي بشكل خاص من جانب وضعف مراقبتها على مدى التزامها بها من جانب آخر، كلا الجانبين أسهما في جعل الاقتصاد أكثر ضعفاً وأقل رفاهيةً.

ومن أجل إعادة النظر بدور الإعلام وبما يسهم في تطوير الاقتصاد لابُد من قيام الجهات المعنية العمل على تجذير حرية الاعلام من جانب ورفع كفاءة اداء الاعلام من جانب آخر.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق