يُعد التنويع الاقتصادي أحد المواضيع المهمة التي ينبغي أن تُؤخذ بعين الاعتبار من قبل صناع القرار ومُتخذيه في البلدان ذات الاقتصادات الاحادية النفطية كالاقتصاد العراقي مثلاً.

وذلك لما له من أهمية كُبرى في تجنب المشاكل الحالية والمستقبلية التي ترافق، في العادة؛ البلدان ذات الاقتصادات الاحادية النفطية خصوصاً التي تفتقد لمؤسسات قوية، وتحقيق الاهداف الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية.

المشاكل الحالية

تتمثل المشاكل الحالية في تذبذب النمو الاقتصادي وغياب الاستدامة المالية وعدم تكافؤ التجارة الخارجية، إضافة إلى زيادة البطالة والتفاوت الاقتصادي بين الافراد، كذلك تبعية الاقتصاد للعالم الخارجي وعدم قدرته على مواجهة الأزمات.

هذه المشاكل هي نتاج الاقتصاد الذي يعتمد على النفط بشكل رئيس بالتزامن مع ضعف المؤسسات التي تُعد هي الضابط الرئيس لسير النفط في الاقتصاد وفق الطرق العلمية والسليمة بعيداً عن العشوائية والمصالح الضيقة.

التحديات المستقبلية

كما وإن التحديات المستقبلية تتمثل في تحول الطاقة من الطاقة الاحفورية الناضبة والملوثة إلى الطاقة المتجددة والنظيفة، وتسارع التطور التكنولوجي ودخوله في مختلف المجالات بما فيها المجال النفطي كالنفط الصخري مثلاً.

وجدير بالذكر، إن تحقيق تحول الطاقة والتطور التكنولوجي يعني كسر احتكار انتاج النفط من قبل أوبك وأوبك + وغيرها، وبالتالي تقليل أهميتها في اسواق النفط الدولية وبالنتيجة لا تستطيع أن تُعيد الامور إلى نصابها كما كانت تتحكم بها في ظل الاعتماد المركّز للعالم على النفط.

كلا الأمرين، تحول الطاقة والتطور التكنولوجي؛ يدفعان لانخفاض الطلب العالمي على النفط ومن ثم انخفاض الايرادات النفطية للدول التي تعتمد عليه بشكل كبير، وهذا ما سيجعلها في موقف لا تُحسد عليه، مما يستلزم التفكير في حلول تجنبها هذه المشاكل والتحديات.

إن الخيار الذي ينبغي أن تسلكه الاقتصادات النفطية هو تنويع اقتصاداتها وعدم الاعتماد عليه بشكل مستقل، أي لابُد من جعله أداة لتفعيل القطاعات الاقتصادية حتى يكون الاقتصاد قادراً على مواكبة حقبة ما بعد النفط.

المقصود بالتنويع الاقتصادي هو العمل على تنويع آليات الاقتصاد وأنشطته وتمويله والطاقة التي يعتمدها في النشاط الاقتصادي وغيرها وذلك من أجل تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية واستراتيجية تتمثل بالآتي:

اهداف التنويع الاقتصادي

نظراً للمشاكل التي ترافق الاقتصادات الاحادية، التي ذُكرت آنفاً؛ وبالخصوص التي تعتمد على الموارد الطبيعية المستخرجة من الارض كالنفط والغاز مثلاً، أصبحت تلك المشاكل هي أهداف للتنويع الاقتصادي يمكن تناولها في الآتي:

أولاً: الاهداف الاقتصادية:

1- النمو الاقتصادي المستدام، في الغالب يكون النمو الاقتصادي في البلدان التي تعتمد على النفط نمو هش لا يتسم بالمتانة وذلك لاعتماده بشكل كبير على النفط وأسعاره المتذبذبة، ولذا إن التنويع الاقتصادي يسعى لتمتين الاقتصاد الذي يجعل النمو الاقتصادي أكثر مقاومةً واستدامةً وذلك لتعدد مصادره.

2- الاستدامة المالية، تفتقد البلدان ذات الاقتصادات النفطية للاستدامة المالية، وذلك بحكم اعتمادها على الموارد المالية النفطية بشكل رئيس والتي تتسم بالتذبذب.

ولذا فإن العمل على تنمية مصادر الايرادات العامة دون الاقتصار على النفط، ورفد الموازنة بالمزيد من الموارد سيسهم في تحقيق الاستدامة المالية.

3- تحسين التجارة الخارجية، إن الاقتصادات التي تعتمد على النفط بشكل رئيس يكون هيكل الصادرات لديها يتسم بالتركّز الشديد ويفتقر للتنويع، وهذا ما يجعل الاقتصاد الوطني اقتصاد هش وعرضة للانهيار بشكل سريع.

ولذا يعمل التنويع الاقتصادي على تنويع الانتاج ثم الصادرات ليكون الاقتصاد قوي قادر على استيعاب الصدمات ومواجهتها بحكم تعدد مصادره.

ثانياً: الاهداف الاجتماعية:

1- تقليص البطالة، تتسم الصناعة النفطية بحد ذاتها بأنها صناعة كثيفة رأس المال مما يعني إنها لا تستوعب الكثير من الايدي العاملة مقارنة بالقطاعات الاخرى، وإذا ما كان الاقتصاد يعتمد على النفط بشكل رئيس يعني ارتفاع البطالة بشكل تلقائي. كما إن هذا الاعتماد يؤدي من خلال زيادة الطلب على العملة المحلية إلى رفع قيمتها وانخفاض الطلب المنتجات الوطنية وزيادة البطالة.

أما التنويع الاقتصادي فهو يسهم في تفعيل الاقتصاد بمختلف قطاعاته مما يؤدي لخلق مزيد من فرص العمل وتقليص البطالة، كذلك إن العمل على جعل العملة المحلية بالمستوى التنافسي مع العملات الاجنبية خصوصاً العملات الاقليمية سيسهم في زيادة الصادرات وتنويع الانتاج وتقليص البطالة مرةً أخرى.

2- العدالة الاجتماعية، من المعروف أن النفط ثروة ناضبة وعامة، واسعاره مُتذبذبة، وقيمته الاقتصادية ليست ثابتة، بمعنى لا يمكن استثماره وإفادة الأجيال الحالية فقط بل لا بُد أن يُحسب حساب الأجيال القادمة أيضاً، وذلك من خلال وسائل عديدة أهمها وأشهرها الصناديق السيادية. كما لا يمكن اقتصاره على من لديه ارتباط بالدولة، بصيغة وأخرى؛ من الجيل الحالي فحسب بل لابُد أن يتم توزيع عائداته -سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- على الجيل الحالي بصورة عامة وعلى محدودي الدخل بصورة خاصة، سواء من كان له ارتباط بالدولة أم لا.

ثالثاً: الاهداف الاستراتيجية

1- الاستقلال الاقتصادي، أن الاعتماد على النفط بشكل رئيس مع إهمال القطاعات الاقتصادية الاخرى، يعني افتقار الاقتصاد للتنويع واعتماده على العالم الخارجي في تلبية الطلب، وهذا ما يجعل الاقتصاد اقتصاد تابع وغير مستقل.

لذا، إن التنويع الاقتصادي يعني تفعيل القطاعات الاقتصادية وسد الطلب المحلي بنسبة كبيرة واللجوء للعالم الخارجي بقدر الضرورة ووفق الميزة النسبية لكل بلد، ومن ثم لا يستطيع العالم الخارجي من إخضاع الاقتصاد الوطني بحكم تحقيق الاستقلال الاقتصادي بفعل التنويع الاقتصادي.

2- مواجهة الأزمات، الاقتصاد المتنوع أكثر قدرة على استيعاب الازمات ومواجهتها، في حين الاقتصاد الاحادي يكون أكثر قدرة على استلام الازمات والاستسلام لها، وهي في العادة تأتي من خلال الاقتصاد المندمج والمتأثر بالاقتصاد العالمي دون أن يؤثر به.

وبما إن النفط هو الاكثر نقلاً للازمات عبر اسعاره التي تتحدد في اسواق النفط الدولية، لذا فالاقتصادات النفطية هي أكثر عرضة للازمات، وإن العمل على تنويع اقتصاداتها سيقلل من حِدّة هذه الأزمات.

خلاصة القول:

وفي ظل هذا العرض المختصر أعلاه، للمشاكل الحالية التي ترافق الاقتصادات النفطية والتحديات المستقبلية التي ستواجهها إذا ما استمرت على نمطها الاستهلاكي لإيرادات النفطية، أصبحت مسألة تنويع الاقتصادات النفطية مسألة مُلحة لمعالجة تلك المشاكل ومواجهة التحديات المستقبلية وذلك من خلال وضعها كأهداف رئيسية يعمل على تحقيقها كما ذُكرت أعلاه.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق