رغم دخول جائحة كورنا عامها الثاني وتوفر لقاحات متنوعة لمكافحة كوفيد-19، الا ان التداعيات الاقتصادية لتفشي السلالات الجديدة لا زالت تلقي بظلالها على افاق النمو والاستقرار الاقتصادي. ولا يزال النمو والتعاف الاقتصادي متباين بين الدول المتقدمة والصاعدة والنامية بشكل يفصح عن حجم التصدعات التي طالت الاقتصادي العالمي نتيجة الاغلاق الكبير وما بعد الاغلاق الكبير.

مؤخرا افصحت دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي حملت عنوان (اغتنام الفرصة لبناء عالم داعم للنمو فيما بعد الجائحة)، عن مجموعة من الارقام تعكس بعض الاضرار التي لحقت بالاقتصاد العالمي، والتكاليف التي تحملتها الحكومات من اجل الحد من التدهور السريع للاقتصاد صوب كساد عظيم اخر، وكما يلي:

1- على مستوى المالية العامة، زادت النفقات الحكومية بقرابة (16) تريليون دولار عالميا منذ نيسان 2020، من اجل تقديم الدعم المالي اللازم لاستيعاب التداعيات الاقتصادية لتفشي جائحة كورونا.

2- على مستوى السياسة النقدية، اقدمت البنوك المركزية، على مستوى العالم، على زيادة ميزانياتها العمومية بقيمة كلية فاقت (7.5) تريليون دولار. وقد توسعت البنوك المركزية في ضخ السيولة خلال العام الماضي بشكل يتجاوز ما تم ضخه خلال السنوات العشر الماضية.

3- رغم السياسات المالية والنقدية التوسعية، خسر العالم قرابة (15) تريليون دولار من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي العالمي نتيجة جائحة كوفيد-19 عام 2020.

سياسات التعاف

كرست جُل السياسات الاقتصادية منذ بداية العام الماضي ولغاية الان لدعم الاقتصادات الوطنية، وتم تأجيل العديد من الإصلاحات الداعمة للنمو الاقتصادي لحين تجاوز الازمة، واصيب الاقتصاد العالمي بندوب عميقة بحاجة لسياسات نوعية لإحداث تعاف صلب في بنية الاقتصاد العالمي. ومع إعادة فتح المزيد من الاقتصادات، ينبغي أن يخطط صناع السياسات لتحول جوهري من السعي لإنقاذ اقتصاداتهم من الانهيار إلى تقوية هذه الاقتصادات لتحقيق معدلات نمو اقتصادي وتحسن مستويات المعيشة.

وتقدم دراسة حديثة، للصندوق ايضا، حملت عنوان (مزيد من التباعد: الفجوات تتسع بين مسارات التعافي العالمي) وصفة اولية لما ينبغي القيام به في المرحلة القادمة لضمان تحقيق نمو اقتصادي صلب وتوجيه الاقتصاد العالمي الى مسار النمو والاستقرار الاقتصادي.

وفيما يلي بعض السياسات المطلوبة على المستوى الوطني لتعزيز الجهود الرامية إلى تأمين التعافي المطلوب، مع مراعاة رسم السياسات الاقتصادية بشكل يلائم مرحلة الجائحة التي يمر بها كل بلد.

1- ضرورة عبور الجزء الحاد من الازمة بتوسيع الانفاق الحكومي على القطاع الصحي، وتأمين اللقاحات للجميع ورفع نسب التطعيم، والحفاظ على الدعم الموجه للأسر والشركات المتضررة.

2- تأمين التعافي بزيادة التركيز على توسيع نطاق الدعم المالي والنقدي حسب الإمكانات المتاحة، بما في ذلك اتخاذ تدابير عملية لتعويض الخسارة في مجال التعليم، ومساندة جهود إعادة توزيع العمالة ورأس المال على القطاعات المتنامية عن طريق دعم التشغيل بصورة موجهة واعتماد آليات تتسم بالكفاءة في تسوية حالات الإفلاس.

3- ينبغي أن ترتكز إجراءات المالية العامة على إطار معقول في المدى المتوسط لضمان بقاء الدين في حدود الاستدامة. وبالنسبة لكثير من البلدان، ينبغي تحسين النظام الضريبي، وزيادة تصاعدية الضرائب، وتقليص الهدر في الأنفاق العام. وفي هذا السياق، ستحتاج البلدان النامية منخفضة الدخل أيضا إلى دعم دولي.

4- ينبغي أن تتجنب البنوك المركزية تشديد السياسات على نحو سابق لأوانه عند مواجهة ضغوط تضخمية عابرة، وأن تستعد للتحرك السريع إذا بدا أن توقعات التضخم خرجت عن دائرة السيطرة.

5- ضرورة ان تستعد الاقتصاديات الصاعدة لاحتمالات تشديد الأوضاع المالية الخارجية، وذلك بإطالة آجال استحقاق الديون حيثما أمكن ذلك، والحد من تراكم الديون المقومة بالعملات الأجنبية.

6- تعزيز سياسات سوق العمل النشطة، بما في ذلك متابعة ودعم عمليات البحث عن وظائف، وإعادة التدريب، للمساعدة في نقل العمالة إلى وظائف واعدة بمستقبل أفضل في قطاعات اقتصادية تتمتع بدرجة أكبر من الديناميكية.

7- الاستثمار في المستقبل، عبر التقدم في تحقيق أهداف المدى الطويل المتمثلة في رفع الطاقة الإنتاجية، وتحسين المناخ، والاستفادة من مزايا الرقمنة، وضمان التوزيع العادل للمكاسب المتحققة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق