نقتصر في التحليل على المدة 2004–2019، لأن بيانات عام 2020 لم تتوفر عن جميع المتغيرات المبحوثة في المصادر التي إعتمدنا. من النشرة الإحصائية السنوية لمنظمة البلدان المصدرة للنفط، بين عامي 2004 و2019، كانت قيمة الصادرات النفطية من العراق 925306 مليون دولار، تقريبا، 925.3 مليار دولار. ان هذه الصادرات ليست كلها إيرادات للموازنة العامة لأن نفقات الإستثمار والتشغيل تستقطع منها وتدفع للشركات مع أجرة الخدمة. أي ان الذي دخل إيرادا صافيا للموازنة أدنى من هذا المبلغ بفارق يحتاج إلى تقدير نتجاوزه في هذه المقالة. وذلك كي تبقى المعالجة واضحة معتمدة على معطيات يمكن متابعتها والتحقق منها.

من المعلوم أن قيمة صادرات النفط هي المقبوضات المتاحة من العملة الأجنبية، مصدرا رئيسا لتمويل الإستيرادات والمدفوعات الخارجية الأخرى. وما عداها مبالغ ليست مؤثرة أنفقتها الدول الأجنبية والمنظمات الدولية في باب المساعدة لإعادة الإعمار؛ ودخلت إستثمارات خارجية للعراق أيضا وهي ليست كبيرة؛ وتدفقات طفيفة لتمويل أنشطة سياسية وإعلامية، وبعضها لمساندة عمليات مسلحة وإرهابية. وتستخدم مجموع مقبوضات العراق من العملة الأجنبية لأغراض معروفة هي:

مدفوعات ضمن العمليات الجارية لميزان المدفوعات

- إستيرادت سلع، إستهلاكية ومستلزمات إنتاج وسلع رأسمالية.

- إستيرادات خدمات، منها مرتبطة بالسلع مثل الشحن والتأمين والوساطة المصرفية؛ وأخرى مستقلة عن السلع مثل الإتصالات والبرامجيات، والاستشارات، والعلاج، والتعليم، والسياحة.

- تحويلات دخل عناصر الإنتاج الأساسية، تعويضات العاملين الأجانب في العراق، وارباح الشركات الأجنبية؛ وتحويلات أخرى، مثل الرواتب التقاعدية، ومن الأسر لأفرادها في الخارج أو من تعيلهم.

تحويلات رأسمالية وطلب على العملة الأجنبية ضمن العمليات المالية

- تحويلات رأسمالية: مثل نقل الملكية، أو إعفاء ديون، او بيع المهاجر لسلع وأصول ونقل الأموال للخارج. نقل حقوق براءات الإختراع والتأليف والعلامات التجارية.

- صفقات في الحساب المالي: الإضافة إلى العملة الأجنبية المحتفظ بها في المصارف أو في الحيازات الشخصية؛ إيداع عملة أجنبية في مصرف أجنبي؛ شراء أسهم وسندات صادرة من جهات ليست مقيمة؛ شراء العراقي لمسكن او عقار في دولة أجنبية؛ الإستثمار المباشر في مصانع او انشطة إنتاجية في الخارج.

- الإضافة إلى إحتياطيات السلطة النقدية من الذهب والمطلوبات على صندوق النقد الدولي وإستثمارات مالية بأدوات أجنبية وعملة أجنبية محتفظ بها في الداخل.

- الإضافة إلى أرصدة الحكومة في الخارج وإستثماراتها.

وقبلها قد تعرفنا على سقف الإمكانية لجميع إستخدامات النقد الأجنبي، وهي قيمة صادرات النفط وقليل عداها، نحاول الإقتراب من الحدود الكمية لإستثمارات القطاع الخاص في الخارج، وهي العملة الأجنبية التي إشتراها من البنك المركزي وإستخدمها لغير الإستيرادات من السلع والخدمات والتحويلات الجارية. الإستثمار في الخارج، ضمن الإطار النظري والمحاسبي للعلاقات المالية الدولية، تعبير يشمل جميع العمليات غير الإستيرادات والتحويلات الجارية. بما في ذلك احتفاظ الأشخاص العراقيين بعملة أجنبية داخل العراق، لأنها مطلوبات على الجهة التي أصدرتها وهي أجنبية ولذا تُعَد إستثمارا في الخارج.

بيانات الاستيرادات العراقية ليست دقيقة، إلى الآن، ولذا آثرنا التقدير إستنادا إلى بيانات دولية. ايضا لنفس المدة 2004-2019 رجعنا إلى موقع البنك الدولي، للنظر في مؤشر نسبة الإستيرادات من السلع والخدمات إلى الناتج المحلي الإجمالي. إستبعدنا المستويات العالية من الإستيرادات التي تزيد عن 75% من الناتج. بقيت 182 دولة، او كيان شبيه بها. متوسط نسبة الاستيرادات من السلع والخدمات الى الناتج المحلي لجميع تلك الدول للمدة بأكملها 39.75%؛ والوسيط 34.99%، ونهاية الربع الثالث عند ترتيب البيانات تصاعديا 52.78%، وإستيرادات أعلى دولة مشمولة وهي كوريا الجنوبية 75.04 % من الناتج المحلي الإجمالي، كما تقدم. متوسط الإستيرادات في العالم العربي 39.19%؛ وفي المملكة السعودية 40%. يكون الأرجح إفتراض نسبة بين 39% أو 40% لإستيرادات العراق.

وبالرجوع إلى موقع البنك الدولي ذاته، وتطبيق هذه النسبة على الناتج المحلي الإجمالي للعراق لكل المدة آنفا تكون الاستيرادات المقدرة من السلع والخدمات بين 955 مليار دولار و977 مليار دولار للمدة 2004 – 2019.

لكن هذا التقدير للاستيرادات يستوعب كل قيمة الصادرات النفطية، ولذا على الأرجح كانت الإستيرادات الفعلية أدنى من تقديرنا هذا. وعند إضافة التدفقات الداخلة من غير صادرات النفط إلى المقبوضات، وإضافة المدفوعات الحكومية عدا الإستيرادات إلى المدفوعات، بما في ذلك تعويضات الحرب، وكذلك الإحتياطيات الدولية للبنك المركزي والبالغة 67 مليار دولار نهاية عام 2019 لأنها من صادرات النفط أصلا. هذا يعني أن الإستيرادات الفعلية في مدى 800 مليار دولار أو اقل، وهو حساب تقريبي أولي يتضمن نسبة خطأ قد تصل 10%.

لكن الإستيرادات، تلك، منها للقطاع الخاص واخرى للحكومة. ويعتمد القطاع الخاص على شراء العملة الأجنبية من البنك المركزي، إذن نراجع موقع البنك المركزي كي نعرف كم كانت المبيعات بين بداية 2004 ونهاية عام 2019. وجدناها 549952 مليون دولار، تقريبا، 550 مليار دولار.

نخلص من تلك المحاولة التقريبية إلى:

- قيمة صادرات العراق النفطية 925.3 مليار دولار، مصدر البيانات OPEC.

- تقدر إستيرادات العراق من السلع والخدمات، حسب المؤشرات آنفا، بين 955 و977 مليار دولار.

- إستلم العراق مساعدات من الخارج وتدفقت أموال لأغراض أخرى، وربما توجد بعض الصادرات من السلع والخدمات على قلتها، إذا إفترضنا أن هذه تعادل تعويضات الحرب وتسديد الديون؛ تبقى إحتياطيات البنك المركزي والمدفوعات للشركات تنطرح من قيمة الصادرات النفطية لتكون الإستيرادات الفعلية أدنى من المقدرة بموجب المتوسطات الدولية، وقد تدور حول 800 مليار دولار.

- من ملاحظة مبيعات البنك المركزي للقطاع الخاص في حدود 550 مليار دولار تبقى 250 مليار دولار إستيرادات الحكومة.

لقد سبق وأعددنا تقديرات عام 2015 ضمن دراسة، وأفصحت عن إنسجام شبيه بهذه التقديرات.

ماذا نستنتج؟

ان إستثمارات القطاع الخاص العراقي في الخارج محدودة، فقد استغرقت الاستيرادات من السلع والخدمات موارد النفط عدا الإضافة إلى احتياطيات البنك المركزي ومدفوعات حكومية أخرى.

إستثمارات القطاع الخاص في الخارج حسب إطار المفاهيم والحسابات لميزان المدفوعات الخارجية هي التي سميت "تهريب... و...". التهريب لغة تفيد إنتقال الأفراد والأشياء خلافا للقانون.

الحساب آنفا لا يثبت او ينفي شرعية او عدم شرعية إكتساب الأموال التي حولتها المصارف إلى البنك المركزي لشراء العملة الأجنبية، لكنه من الواضح أن العملة الأجنبية إستخدمت لإستيرادات سلع وخدمات والقليل منها إستثمار في الخارج.

لقد إنشغلت الكثير من الجهات ومسؤولين وخبراء في الموضوع منذ عام 2010 ولم ينتهوا إلى أية نتيجة سوى إفتراض ان الأموال المحولة للخارج قد بقيت هناك، وهذا التحليل ينفي تلك الفرضية. إن إستثمارات العراقيين في الخارج ليست أكثر من مواطني الدول المجاورة نسبة إلى الناتج المحلي.

لم يكن النقاش مستندا إلى نظرية العلاقات المالية الدولية، ولم ينتفع من نظام المحاسبة الدولية للإقتصاد الكلي، وبقي يدور حول البلاغات المزورة التي أدلى بها طالبو العملة الأجنبية وهذه لا قيمة لها وهي من المعروف الشائع في العالم النامي.

ثم أن الربط بين الفساد المالي وسوق الصرف تعسفي، وهروب من المسؤولية، فبدلا من إصلاح دوائر مقاولات المشاريع وعقود التجهيزات والمشتريات، وإعادة بناء الإدارة الحكومية على اساس الوظيفة والكفاءة، والسيطرة على التصرفات المالية للعديد من الوحدات المستقلة خارج الموازنة والتي بالغت في التبذير، ذهبوا إلى المكان الخطأ لمكافحة الفساد المالي، وكأن نافذة بيع العملة الأجنبية هيئة النزاهة او رئاسة الوزراء.

والمسألة الأخرى ان أغلب المواطنين لا يعلمون مقصود المتحدثين بالفساد حول هذه المسألة، المقصود أن بعض الجهات إستاثرت بالهامش، وهو الفرق بين سعر البيع والسعر الرسمي، دون أخرى. وهذه اهتمامات صغيرة، لا تهم المواطن ولا يهم الإقتصاد العراقي إن إستاثرت بالهامش بعض المصارف او جميعها. كما أن المنتظر منهم، حسب مواقعهم ونفوذهم، المطالبة بمطابقة سعر السوق مع السعر الرسمي، وليس الإقتسام "العادل" لهذا الهامش المقتطع من الموازنة العامة وحق المواطن.

كما ان الإستثمار الخاص في الخارج إذا إقتنع المشرع بضرورة منعه لا بأس يصدر بقانون أو يتضمنه تشريع نافذ، لكن السؤال الذي يتطلب إجابة مسؤولة قبل التشريع من هي الجهات التي تتحمل إنفاذ هذا المنع فعلا. توجد مواد في القوانين وتعليمات، وكأنها جاءت حصرا لمعاقبة الصادق الذي يحترم القانون.

بقيت مسألة غاية في الأهمية نذكرها وهي أن استثمار القطاع الخاص في الخارج يتحدد أصلا في الإقتصاد الداخلي قبل أن ينعكس في ميزان المدفوعات الخارجي والذي لا يتوقف عند هذه الحقيقة سيمضي عمره في طلب المستحيل كالذي يحاول محو ظلال الأشياء:

إدخار القطاع الخاص ناقصا إستثماره في الداخل= إستثمار القطاع الخاص في الخارج زائدا إقراضه للحكومة. فالذي يريد منع القطاع الخاص من الإستثمار في الخارج، يسمونه تهريب، عليه أن يهيئ فرصا كافية لإمتصاص فائض إدخار القطاع الخاص أما بتسهيلات تُوسّع إستثماراته في الداخل، أو تقترض الحكومة منه فائض الإدخار.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق